الجمعة 11 يناير 2013

 

حل لغز «ولي الأمر» عند الدعوة السلفية

لو صح ما افترضناه من أن مسألة ولي الأمر عند الدعوة السلفية هي (رغبة في حاكم مستبد) وليست مجرد (تصرف اضطراري)، فإن ما طرأ على السلفيين من تغير بعد الثورة هو أمر لا يبعث على الاطمئنان للدرجة التي نظنها، فليس من شأن (الرغبات) أن تتبدد هكذا فجأة، وها نحن نظهر قدرا من الحذر تجاه الفلول حتى لو تلونوا بألوان الثورة، إدراكا منا بأن الرغبة متوفرة لديهم في ضرب الثورة في الخفاء، فليس هؤلاء بأقل خطرا من أولئك.

ستبدو تلك المقدمة قاسية إلى حد ما، أن نضع في كفة واحدة أولياء النظام السابق وربائبه بمن أخطأ من الإسلاميين في تقدير الأمور، أو من آثروا السلامة حرصا على أنفسهم، لكني قد قلت في أول الفقرة: «لو صح ما افترضناه من أن مسألة ولي الأمر عند الدعوة السلفية هي رغبة في حاكم مستبد وليست مجرد تصرف اضطراري»، أليس كذلك؟.

إن الوقائع لتبرر تشاؤمي وحذري وصدق كلامي، ألم يكن ولي الأمر الظالم المفتري قد زال خطره بعد الثورة حين اقترح العجوز (ياسر برهامي) أن يستمر المجلس العسكري في الحكم؟ وحين جس نبض المحيطين به في ترشيحه لـ (شخصية عسكرية مشهود لها بالكفاءة) كرئيس للجمهورية؟ وحين اكتشفنا من هي تلك الشخصية بعد فضيحة زيارته لـ (أحمد شفيق)؟، وحين تخلت الدعوة السلفية عن الشيخ (حازم صلاح أبو اسماعيل)؟ وحين اقترح (عبد المنعم الشحات) على أهالي الشهداء أن يرضوا بالدية؟، وحين التصقت الدعوة السلفية بالمجلس العسكري في كل مواقفه أثناء إدارته للفترة الانتقالية؟، وحين امتدح العجوز (ياسر برهامي) الدستور بأنه أقل إطلاقا للحرية من غيره!؟.

ألا تتجانس تلك المواقف السابقة مع دعم متطرفي النمط السلفي لـ (أحمد شفيق) صراحة بشكل مباشر وغير مباشر، من (أحمد سعيد رسلان)؟ صحيح أن مواقف (رسلان) و(زهران) مبالغ فيها، لكن متى نؤمن بأن الشيء المبالغ فيه هو شيء أصلا موجود، وأن الحذر منه واجب حتى في الحالات التي لا تحمل مبالغة فيه؟ لقد بالغ (رسلان) و(زهران) في مسألة ولي الأمر، إذا هو داء موجود عند غيره (بشكل غير مبالغ فيه)، أو (بشكل أكثر حذرا).

صحيح أن تلك المواقف لم تأخذ حظها وتم وأدها في مهدها والحمد لله، لكن ألا يدلنا ذلك على أن (الرغبة في الحاكم المستبد) كامنة تنتظر الوثوب؟ ولِمَ تم وأد تلك المواقف المخزية؟ أليس لأننا أصبحنا أكثر رفضا لتلك المواقف، ما المانع من أن يقترن هذا الرفض من جانبنا بوعي بأسبابها ومخارجها من الشخصية السلفية؟ أليس ذلك أدعى إلى السيطرة عليها؟.

أليس تطوير الدعوة السلفية على مدار العقود السابقة لعلاقة بالسلطة الفاسدة هي الأكثر انحطاطا في نوعها، هو أمر جدير على الأقل بالفهم؟ أليست هذه هي (الخبرة) التي يجب على الحركة الإسلامية أن تتزود بها من تاريخها، وما الخبرة إلا وعيا بأسباب ما قد حصل، للسيطرة على ما قد يحصل؟

من أجل ذلك أصر على أن تحليل موقف الدعوة السلفية من الأنظمة الفاسدة، حتى بعد زوال تلك الأنظمة، هو أمر ضروري لازم بلا شك.

أصل الأزمة: المعايشة الخيالية للبيئة البديلة

لكن.. ما الذي يدعونا إلى أن نفترض ذلك الفرض الغريب: أن نمط «مغادرة المجتمع» والمتمثل في السلفية تعتمل داخله الرغبة في الحاكم المستبد؟ أليس من الأولى أن تعتبرهم أساءوا التقدير، أو حتى على أسوأ تقدير: كانوا جبناء؟ ما الذي يجعلنا نقفز فوق هذين الاحتمالين ونقرر أن النمط السلفي يرغب في الحاكم المستبد؟ وإذا كنا قد ذكرنا أن بؤرة النمط السلفي هو «مغادرة المجتمع»، وأن وسيلته في تلك المغادرة هي «إرادة الاختلاف» في المظهر الخارجي، فأي وظيفة تحققها الرغبة في الحاكم المستبد لإرادة «مغادرة المجتمع»؟

الحقيقة أن مسألة «ولي الأمر» عند الدعوة السلفية لا يمكن فهمها في ضوء فعل «مغادرة المجتمع» ذاته، بل من خلال البيئة التي غادر إليها السلفيون، المجتمع البديل الذي اختاروه، أقصد مجتمع بني أمية، حيث استلهموا أبرز الخصائص السياسية لأهل السنة في ذلك المجتمع، وانتزعوها من سياقها التاريخي، وتمثلوها وبدؤوا في محاكاتها دون أدنى اعتبار لاختلاف ملابساتها عن ملابسات الواقع، أعني ما تميز به أهل السنة قديما دون سائر الفرق الأخرى بموقف عدم الخروج على ولي الأمر مهما بلغ من ظلم واستبداد.

السياق السياسي لمسألة ولي الأمر عند السلف قديما

وموقف أهل السنة مبرر ومفهوم في سياقه التاريخي، فبعد موقعة (دير الجماجم) التي قادها (الحجاج بن يوسف الثقفي) ضد الثائرين على بني أمية، وبعد أن راح ضحية ذلك الصراع الآلاف من العلماء ومن حفظة القرآن، خاف أهل السنة على أصل ملتهم من الزوال، فاعتصموا ببني أمية رغم ظلمهم، وكفوا عن مناوأتهم ومعاندتهم، في حين أصرت الفرق الأخرى على ضرورة الخروج على الحاكم لأجل ظلمه، ولم يكن ذلك منهم عن كراهية للظلم، بل كان مكيدة لسلطان أهل السنة وطمعا إرهاق دولة العرب والمسلمين، خاصة وقد تسربت الشعوبية إلى سائر الفرق القديمة. وكلما سعى أهل البدع إلى إسقاط دولة المسلمين بدعوى ظلم الحاكم سار أهل السنة على التضاد معهم حتى أصبحت مسألة ولي الأمر تدون كمعلَم من معالم أهل السنة في كتب العقيدة، فقال الإمام الطحاوي: «ولا نرى الخروج على أئمتنا في هذه البلاد، وإن جاروا وظلموا، ولهم علينا حق السمع والطاعة، وإن جلدوا ظهورنا وأخذوا أموالنا، إلا أن نرى كفرا بواحا لنا فيه من الله برهان».

ومن تقدير الله أننا نعيش بعد الثورة حال شبيه بحال اعتصام أهل السنة قديما بالسلطة تحرزا من وثبة أهل البدع والإلحاد عليها، ذلك أننا اليوم رغم مآخذنا على الإخوان، إلا أننا ندعم وجودهم في السلطة، ونحرص على دعم النظام وتثبيت أركانه، وما ذلك إلا لأننا رأينا تحالف العلمانيين والفلول والنصارى على النظام، وحرصهم على استنزاف طاقة الدولة، واستفراغ قوتها، وتربصهم لكل ما يصدر عن الحاكم، وتشنيع الشعب عليه وإثارتهم ضده، وما ذلك لأنهم ثوريون، بل لأنهم رافضين لوجود الإسلاميين في الحكم. فحالنا اليوم هو أقرب ما يكون من حال السلف مع السلطة قديما، وهذه من تلك.

غير أن موقف السلفية لم يكن يصدر قبل الثورة عن نفس العلة التي نتحدث عنها، بل كان يصدر عن محاكاة غير منطقية ومعايشة تخييلية لواقع أهل السنة قديما، فموقفهم من النظام البائد، لم يكن يُرجى منه الإبقاء على الملة، ولم يكن يُطمع من ورائه في ترسيخ حكم الإسلاميين في مصر. لقد انتزعوا موقف أهل السنة من سياقه التاريخي وحشروه في مجتمعنا دونما أي مراعاة للتباين بين الحالتين، فصار أحدهم كمن يجدف في الصحراء إعجابا منه ببحار متمرس، أو يحرث في الماء إعجابا منه بفلاح خبير.

موقف الدعوة السلفية العريق من الأنظمة الفاسدة لم يكن نوعا من الغباء السياسي، ولم تكن عمالة للنظام وخيانة منهم لأتباعهم، فالكثير منهم زاهد في المال وراغب عن الأضواء والشهرة. لكن الأمر هو أنهم يتعاملون فعلا، على مستوى التخييل، مع بني أمية ومع الحجاج بن يوسف، ويرفضون الخروج على (الوالي) حتى لا يتجرأ الناس على ملة المسلمين!.

الدعوة السلفية  بين أحمد شفيق والحجاج بن يوسف الثقفي

بعض المشاهد بعد الثورة تؤكد الطابع الخيالي لمسألة ولي الأمر عند السلفيين، فالشيخ (أبو اسحاق الحويني) أثناء أزمة جنسية والدة الشيخ حازم أبو اسماعيل، وفي مداخلة له على قناة الحكمة، يتقدم للشيخ حازم بنصيحة غريبة في صياغتها، فيقول له: «لا تقاتل عليها إن لم تفز بها»، وواضح هنا أن الشيخ (أبو إسحاق الحويني) بحديثه عن (القتال!) كان يتخيل نفسه ابن عباس أو ابن عمر أثناء ثنيهما للحسين بن علي عن قتال معاوية (رضي الله عن الجميع).

الدفاع عن بني أمية و(الحجاج بن يوسف) وقائعه متكررة عند السلفية، وغالبا ما يأتي في سياق التصدي للشيعة، فها هو الشيخ (الحويني) يضرب مثلا بـ(الحجاج بن يوسف) لـ الرجل الذي يذكر الله إذا ذُكر به، وهذا (طلعت زهران) صاحب مقولة: «لو تمكن شنودة فهو إمامنا»، يلقي خطبة بعنوان: «كلمة حق في يزيد بن معاوية»، أظلم وأفسق من عرف في بني أمية من حكام. وهذا (محمد بن عبد الرحمن المغراوي) فقد ألف كتابا في الدفاع عن معاوية بعنوان: «من سب الصحابة ومعاوية فأُمه هاوية». وهذا (سعد بن ضيدان السبيعي) فيصنف كتابا بعنوان: «سل السنان في الذب عن معاية بن أبي سفيان».

*

ومن هنا نفهم تلك الوقائع الخاصة بالعلاقة الغريبة التي كان الاستياء منها أسهل من محاولة فهمها، بين الدعوة السلفية وبين (أحمد شفيق)، فرغم أن المتوقع والمنطقي هو أن يدعم السلفيون من هو أقرب إليهم منه دينيا، أي (محمد مرسي)، إلا أن (اللامنطق) الكامن في العقلية السلفية، أقصد الرغبة في الحجاج بن يوسف الثقفي، قد تسربت إلى الأحداث وتجسدت في وقائع غريبة، فبعضهم قد قام بدعمه علانية، وبعضهم قد اكتفى بحرب شرسة ضد منافسه الإسلامي (رسلان في خطبة بعنوان: ماذا لو حكم الإخوان مصر)، وكبيرهم العجوز برهامي وتورطه في فضيحة التواصل سرا معه، وبعضهم أكد أنهم راضون بما تأتي به الصناديق في الوقت الذي كان التهديد بالنزول للميدان لو فاز شفيق (أشرف ثابت)، وبعضهم دعم (محمد مرسي) ولكن ببرود.

علاقة الدعوة السلفية بأحمد شفيق ليس لها أي تفسير سوى أنه، كمشروع مستبد، أكثر تمثيلا للحجاج بن يوسف الثقفي، وأكثر قدرة على مداعبة الخيال المريض للدعوة السلفية التي تربطها بالاستبداد الأموي وشائج يصعب أن تنفصم.

ولنا لقاء آخر مع السلفية أيضا..

تم الجزء الثاني عشر ويليه الجزء الثالث عشر بإذن الله

 
 
   Bookmark and Share      
  
 البناء النفسي للشخصية السلفية (الجزء الثالث)

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7