الرئيسة قراءة في كتاب الخطاب القرآني القرآن مرجعية للخطاب النهضوي
 
الثلاثاء 13 أكتوبر 2009

عزيزة السبيني

الخطاب القرآني القرآن مرجعية للخطاب النهضوي  

الكتاب: الخطاب القرآني/ القرآن مرجعية للخطاب النهضوي

المؤلف: د.سعد كموني

الناشر: المركز الثقافي العربي/الدار البيضاء- بيروت2008

عدد الصفحات: 182 صفحة

هل يمكن أن يكون القرآن مرجعية للخطاب النهضوي العربي؟

سؤال طرحه الكاتب الدكتور سعد كموني، في كتابه الخطاب القرآني، ساعياً للإجابة عنه من خلال استقرائه للنص القرآني، ليؤكد أن هذا النص –أي القرآني- الأكثر تأثيراً في الفكر العربي، فهو الذي جعل للعرب قوة كبيرة، وهو ليس فكراً يخص الإسلاموّية، وليس إيديولوجيا، بل هو تعبير عن القدرة على تجاوز الضعف، وهو حاجة لكل عربي، سواء كان مسلماً أو غير مسلم، متديناً أو غير متدين. ذلك أن الاتجاهات النهضوية العربية المختلفة، قد انطوت على وعود، وتطلعات كثيرة، لكنها سرعان ما أُصيبت بنكسات كبيرة، سواء كانت من تصادم هذه الاتجاهات، أو من الانشقاقات، أو من الانحرافات، أو من أوهام القوة، أو من الاستهدافات العدوانية الاستعمارية، فهي مظاهر متعددة لمرض واحد هو التخلف، فلم يستطع العلم القضاء على تخلفنا، ولا العمل الحزبي، ولا المساجد، ولا الكنائس، ولا الصحف ولا المذياع ولا التلفاز، ولا أي شيء آخر!!.

فهل نحن أمة أعطت كل ما لديها، ولم تعد تملك أي شيء؟ وربما يكون مصيرنا كمصير السيف الذي لم يعد له أي دور في عصر أسلحة الدمار الشامل، سوى أنه يعلق على جدران القصور دليل عراقتها، أو في أفضل الحالات، يستعمل لتقطيع الحلوى في الأعراس!؟.

 

القرآن الكريم كتاب الله إلى الإنسانية جمعاء

هذه الإشكاليات دفعت المؤلف للتأكيد على المرجعية القومية للعمل النهضوي العربي سواء كانت أفكار العمل علمانية، أو إسلامية، أو ماركسية، أو ليبرالية.... فالقرآن الكريم حاجة كل عربي في ميادين الحضارة الإنسانية المعاصرة، وذلك، لكونه النص الذي أحدث الانقلاب المنهجي في الحياة العربية، ولا يزال تأثيره مستمراً متمثلاً في لغتنا، وعاداتنا، وتقاليدنا، وتعبيراتنا، وإبداعاتنا، وقيمنا سواء قبلنا بهذا أم لم نقبل، وعلى الرغم من أن القرآن الكريم كتاب الله إلى الإنسانية جمعاء، لكنه لا يتناقض مع كونه مرجعية قومية، وأن سوء واقعنا القومي على المستويات كافة- ولا نبالغ بذلك- يحيلنا إلى العودة للنص والخطاب القرآني، لأن فيه شيء من الحصانة القومية الضرورية في التعامل مع الماضي والحاضر والمستقبل، لكونه النص الأعلى من مكنوناتنا الثقافية، فضلاً عن قداسته عند أكثرية العرب، بوصفه نصاً مرجعياً للثقافة المنتشرة في البلاد العربية بخاصة، وفي العالم الإسلامي عامة. وقد سعى الكاتب إلى رصد عدداً من الآيات القرآنية التي تتعلق بالفكر الدعوي النهضوي محددها بثلاثة محاور هي: منهج الدعوة إلى الله، والدعوة إلى الله، وأسلوب الدعوة إلى التعامل مع الآخر الذي ينقسم بدوره إلى: دعوة الأقربين، ودعوة الخصوم، الأمر والنهي، خُلق الداعية. وقد تتداخل الدعوة إلى الله في الآيات الكريمة، مع الدعوة إلى الدين، مع الدعوة إلى التعامل مع الآخر أو الذات. لكون النص القرآني نصاً محكماً، متلائماً في ترتيب بناه مع طبيعة مقاصده في المجتمعات الإنسانية، إذ لا فصل بين الدعوة إلى الله، والدعوة إلى رفع الظلم، أو الإيمان بقيمة الإنسان فوق كل قيمة في الوجود.

 

الرؤية الشاملة تجعل الحركة التاريخية في مسارها الصحيح

ويرى المؤلف أن سبب فشل المشروع النهضوي العربي، ينطلق في الأساس من حالة التردي التي تعاني منها المجتمعات العربية، وهنا كثرت الاجتهادات في تشخيص الفساد، وتحديد مصادره، وأن أي حركة تغييرية أو إصلاحية يجب أن تشمل في رؤيتها التناقضات والجذور، والتداعيات والمتعلقات، ولا يجوز استسهال أو إهمال أي جانب من الجوانب، فالرؤية الشاملة هي التي تجعل الحركة التاريخية في مسارها إلى قصدها التاريخي بخطى واثقة. وهنا يأتي دور الداعية في رصده للتناقضات على مستوى العلاقات الاجتماعية أو الاقتصادية للجماعة، أو على مستوى المواقف النفسية والوجدانية أو الفكرية للفرد الاجتماعي، وعليه تكون رؤية الداعية رؤية شاملة، وتلامس الجذور الحقيقية للسلوكيات التجارية والاجتماعية، أو السلوكات الفكرية والنفسية. لذلك لا تبدو الإجابة صعبة عن السؤال الذي طرحه الكاتب أعلاه، لأن الروابط بين القرآن الكريم والعرب أقوى من أن يشار إليها بكلمات أو جمل، لكن السؤال الأهم يكمن في معرفة أسباب نجاح الدعوة المحمدية في نقل العرب من واقع إلى واقع. وهو سؤال يقتضيه تعثر العمل النهضوي العربي المعاصر.

وبالعودة إلى النص القرآني والسيرة المحمدية، نجد أن القرآن الكريم قد وضع أمام محمد( ص) تجربة شعيب (عليه السلام) مع قومه، كونها تجربة دعوية نموذجية عمادها الكلام، والمقصود بذلك أنها وصلت إلى محمد (ص) نصاً متماسكاً بموضوعه وصرفه ونحوه، ما يعني أنها تؤدي معنى لا يؤديه سواها، إضافة إلى كونها علاقة إيعاز من شعيب (عليه السلام) إلى قومه، لتغيير سلوكهم الاجتماعي نحو سلوك آخر ينسجم مع إيمان شعيب، فهي إذاً نتاج علاقة بين طرفين مختلفين، يتم التواصل بينهما، وهي أخيراً، تقدم ذاتها عن طريق اللغة، ما يعني أنه ينبغي أن تحصل تلك التجربة عن طريق التحليل اللغوي، الذي يتعامل مع اللغة بوصفها علامات صوتية، أو بصرية تحيل إلى مقتضاها في علاقة الإنسان بالمكان، والزمان والمجتمع. ومن شأنها أن تكون نموذجية لكل حركة تهدف إلى تغيير واقع الحال.

 

نحتاج إلى حوار إبراهيم (عليه السلام) في الحوار مع أهل السلطة

و يشير الكاتب أيضاً، إلى الآيات القرآنية المتعلقة بسيرة إبراهيم خليل الله (عليه السلام) في سورة البقرة، التي تقدم لنا نموذجاً للمواجهة بين الداعية إلى التوحيد ومدعي الشراكة مع الله عز وجل، فكان الخطاب يتدرج بلطف، حتى بلغ المبلغ الذي أعجز الكافر من دون أن يؤذي إنسانيته، أو يحط من قدر ملكه، بل وضعه الموضع الملائم، وترك له الباب مفتوحاً ليعيد النظر بمغريات السلطة، ومدى تأثيرها على نظرة الإنسان إلى نفسه، ومخاطر ذلك على الملك، ودوره في سياسة أمور الناس على أسس من العدل والاستقامة.

والأمر اللافت في لغة إبراهيم (عليه السلام)- حسب الآية الكريمة- هو ما نحتاجه اليوم، فهي لغة لا تعتمد على التهجم على الآخر، أو الاستخفاف بمعتقده، بل تعتمد الاجتهاد الحثيث لإظهار قدرات ربه في الكون بما يتلاءم مع قدرات الخصم على الفهم والاستيعاب. وهذا ما نحتاجه اليوم في دعواتنا إلى ما نعتقد أنه السبيل الصحيح نحو التقدم والعمران، كما أننا نحتاج إلى حوار إبراهيم (عليه السلام) في الحوار مع أهل السلطة، علنا نبلغ الأسباب الحضارية، ونرقى إلى الموضع الذي يجعلنا نعود إلى الإسهام من جديد في بناء الحضارة الإنسانية، من موقع الاقتدار والثقة بالنفس والتاريخ والمستقبل.

 

 
 
   Bookmark and Share      
  
 الخطاب القرآني القرآن مرجعية للخطاب النهضوي

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7