الأحد 20 يناير 2013

الإرجاء عند السلفية

زعمَت السلفية أنها لا تجيز الخروج على الحاكم لأنه مسلم، وبصراحة كنا سذّج بما يكفي للوقع في الشرَك، فبدأنا نحتشد علمياً لنفي ما زعموه وللتأكيد على كفر الحاكم، لم نكن نتفطن وقتها إلى أمر بديهي: الخروج على الحاكم لا يبرره كفر الحاكم في الأساس، بل يبرره عدم شرعية الحكم ذاته.

بعت أن تحررت من الشرَك فكرت في تفسير موقف من نصبه لنا.. السلفية لم تمتنع عن الخروج على الحاكم لأنه مسلم، بل حكموا بأنه مسلم كمبرر لامتناعهم عن الخروج عليه.

لكن، كيف هم سلفيون وفي ذات الوقت مبتدعون؟ كيف حدث هذا التناقض؟ التناقض بين اتباع السلف وبين اعتقاد أفكار كان يعاديها السلف؟ الحقيقة أنه تعارض بين احتياجات النمط وبين شعاراته، لقد باع السلفيون السلفَ في قضايا الأسماء والأحكام لأن النمط السلفي كان بحاجة إلى تبرير قوي لعدم الخروج على الحاكم، مسائل «جنس العمل» و«العذر بالجهل» كانت كلها موظفة لخدمة النمط السلفي.. نمط «مغادرة المجتمع». النمط أكثر سطوة من شعاراته، وأحكامه أكثر نفاذا من أحكامها.

خدعة سفر الحوالي في تفسيره للإرجاء

قد يبدو غريبا أن يهاجم سفر الحوالي الإرجاء (وهو أحد أعراض النمط السلفي) في حين أن سفر الحوالي نفسه مصاب بأهم أعراض النمط: (لا تخرج على الحاكم.. إياك وأدعياء الجهاد)، أليس ذلك دافعا معقولا لإعادة قراءة كتاب «ظاهرة الإرجاء» مرة أخرى؟.

لقد وضع سفر الحوالي حائلا ذهنيا بين الإرجاء عند السلفية وبين النمط السلفي نفسه، فالإرجاء عنده ليس بدعة قديمة استوردها النمط السلفي وأعاد توظيفها لتبرير الخضوع للحاكم، بل هو ظاهرة في ذاتها ممتدة عبر التاريخ، تشكل مع نقيضها (التكفير) وجهين لعملة واحدة هي الخروج على الحاكم، فكلاهما متلاصقين في التاريخ، وكل منهما مرتبط مع الآخر بوشيجة منطقية هي أن الإيمان كل لا يتجزأ.

وبإيجاز.. فقد قام الحوالي بمساعدة النمط السلفي على التخفي والتنكر، وذلك بتعويم أعراضه الخاصة به والمميِّزة له في بحر التاريخ، بعد أن أخذ القارئ في رحلة تاريخية ممتعة، ثم بعد ذلك، وببراعة يحسد عليها، قام بتفسير تلك الظاهرة العائمة بما يخدم به «نمط مغادرة المجتمع» نفسه. سألخص لك دور سفر الحوالي في خدمة النمط:

يقول لك النمط: «إياك والخروج على الحاكم لأنه مسلم».

أما سفر الحوالي (صبيّ النّمط) فيقول لك: «أخي: حتى لو حدث أنك سئمت من الإرجاء، فإياك والخروج، لأنك بذلك ترتكب نفس خطيئة الإرجاء».

لم يفعل الحوالي شيئا سوى أنه ضحى بأحد أعراض النمط ليُبقي على مضمونه.

يقول: «وعقدة القضية، أن الظاهرة المضادة إنما انبثـقت في الأصل من الظاهرة الأولى نفسها، أي أنهما لم يكونا منذ النشأة منهجين متعاديين، اشتط أحدهما ذات اليمين والآخر ذات الشمال، وإنما هما منهج واحد في الأصل: الخروج، لكن بعضه أشد غلواً من بعض.... وبهذا التطور الذي لم يدرك أبعاده أكثر الباحثين، آل الأمر إلى منهجين متضادين على الحقيقة، وتجاوز الخلاف بينهما حدود الوقائع التاريخية حين النشأة، ليصبح خلافاً نظرياً عاماً مؤصلاً»

هكذا: «التطور الذي لم يدرك أبعاده أكثر الباحثين»!.. اسمحوا لي أن أقرأها، نظرا لنيّتي السيئة، بالطريقة الآتية: «الخدعة التي لم يمارسها غيري». ثم يقول: «وتجاَوز الخلاف بينهما حدود الوقائع التاريخية»! هكذا قفز الخلاف فجأة من إطاره التاريخي وأصبح قائما بذاته! لكن حتى في قفزته العجيبة تلك، ظل محتفظا، بالتلازم بين الإرجاء وبين الخروج، فبينهما، بزعمه، وشيجة (منطقية) هي القول بأن الإيمان كلٌ لا يتجزأ. لكن.. هل تلك التجريدات المنطقية هي أصل حركة التاريخ؟.

إننا لا ننكر أن «نفي ومحاصرة أحكام التكفير» له معنى في ذاته عبر التاريخ، لكنه معنى متعلق بنفي المرجعية الدينية أساسا، وموصول إلى فكرة تأليه الإنسان ونفي ثنائية الخير والشر عنده، وعلاقته بالإرجاء القديم محدودة، كما أن الإرجاء القديم لم يكن عند الدعوة السلفية غير شيء أعيد توظيفه، وبالمناسبة.. فإرجاء النمط السلفي مختلف أيضا في وظيفته عن إرجاء النمط الإخواني.

موقف النمط السلفي من الشيعة

أشك في أن تحفز الدعوة السلفية ضد الشيعة إنما يصدر عندهم عن وعي سياسي أو نفور ديني خالص لم تَشبه شائبة، فمن الناحية السياسية: ألم  يتمثلوا مقولة الألباني (أو عبر لهم هو عن نزعة كامنة فيهم) : «من السياسة ترك السياسة»؟. ومن الناحية الدينية: ألم يكِلوا أمر مخططات التحالف الصهيوصليبي لوليّ الأمر؟ فلم ظهر اهتمامهم فجأة بالخطر الشيعي وليست الشيعة بأقرب من اليهود والنصارى إلى الإسلام؟

وحيث أنه ثم فجوة بين تأخر الوعي السياسي عند الدعوة السلفية وبين صرامتهم تجاه الشيعة، وفجوة بين إلحاحهم في أمر الشيعة وسكوته في أمر التحالف الصهيوصليبي، وحيث أنه قد توفر لنا من البينات والدلائل ما يشير إلى أن الدعوة السلفية تعيش عالم بني أمية بكل خصائصه (وأهمها مسألة ولي الأمر)، وحيث أن مسألة الصراع بين علي ومعاوية (رضي الله عنهما)، وبالتالي: مسالة الشيعة، كانت لها حساسية خاصة في عالم بني أمية، فلا ينازعنا أحد في حقنا في أن نفسر الموقف السلفي من الشيعة بأنه «مجاملة لا شعورية لبني أمية».

علم الحديث عند النمط السلفي

هو من أروع وأهم ما أنتجته الحضارة الإسلامية من علوم، لكن هل علم الحديث حاليا «منهجا لتغيير الواقع؟» كما تصور وصرح الألباني؟

الحقيقة أن «علم الحديث» عند النمط السلفي مثل «التحفز ضد الشيعة»، كلاهما (أمور صائبة في ذاتها)، لكنك لا تستطيع أن تتخلص من ذلك الشعور بأنه ثم في الأمر نوع من عدم الملائمة مع الواقع، الأمر هو أن موقف الدعوة السلفية من علم الحديث تشوبه، إلى حد ما، الرغبة في معايشة الماضي؟ وهذا الشعور بعدم الملائمة نابع من ذلك الاختلاف الطفيف بين الماضي والحاضر في مسألة معينة.

ملابسات الاهتمام بتحقيق الأحاديث في صدر الإسلام لم تعد موجودة الآن بنفس حِدّتها قديما، فأولا: كان نقل الحديث شفاهة قبل اختراع المطبعة وتداول الكتب، وثانيا: كان التدليس على الرسالة هو الوسيلة الوحيدة العملية أمام الزنادقة لضربها وهدمها من الداخل، إذ كانت المرجعية الدينية نفسها أرسخ من أن تناقش.

ويسرد لنا الحافظ الذهبي مشهدا يوضح الموقف تماما، فيذكر أن هارون الرشيد أخذ زنديقا ليقتله ، فقال الزنديق: «أين أنت من ألف حديث وضعتها»، فقال الرشيد: «أين أنت يا عدو الله من أبى إسحاق الفزاري وعبد الله بن المبارك ينخلانها فيخرجانها حرفاً حرفاً»، أما سفيان الثوري فيعبر لنا عن أهمية أصحاب الحديث بقوله: «الملائكة حراس السماء ، وأصحاب الحديث حراس الأرض».

أعتقد أنه من العبث الآن أن نتصور أن ما نعايشه الآن من انحدار السياسي وانحراف الفكري وسيادة للمبدأ العلماني منشؤه الأحاديث الضعيفة، فالمرجعية الدينية ذاتها ليست ثابتة متقررة نافذة كما في السابق، وأعداء الدين ليسوا بتلك الحاجة الملحة إلى وضع الأحاديث.

فأن يكون المثل الأعلى عند النمط السلفي هو الشخص المتبحّر في علم الحديث في مجتمع لا يحول بينه وبين الحق مجرد ضعف الأحاديث المتوفرة له، وأن يكون اكتشاف حديث ضعيف بالنسبة للأخ السلفي هو بمثابة نوع من الانتصار، وأن يُعتبر «علم الحديث» هو ثالث ثلاثة أركان لتغيير المجتمع كما يتصور الشيخ «الألباني»، أي نقد الحديث ونقد العقائد ونقد الأحكام الفقهية، فهذا كله أمر يدعو إلى إعادة النظر في حجم علم الحديث عند الدعوة السلفية.

هل ننكر فضل الشيخ الألباني في علم الحديث؟ أبدا.. لكننا فقط نؤكد أنه فرض كفاية، وأن استنفار فصيل كامل للاهتمام به يحمل في طياته أعراض العيش في الماضي.

 
 
   Bookmark and Share      
  
 البناء النفسي للشخصية السلفية (الجزء الرابع)

محمد - مصر الأربعاء 23 يناير 2013 16:34:6 بتوقيت مكة
   رابط قيِّم عن الإرجاء
http://www.tawhed.ws/c?i=250
 
فارس نبيل - مصر الإثنين 21 يناير 2013 8:55:52 بتوقيت مكة
   كلام جيد
كان الشيخ المقدم له نفس معنى كلامك حول تعليقه على مصطلح السلفيون يتحدثون ..واعترض عليه لنفس السب وهو الانعزال المجتمعى ..ولن يفهم معنى كلامكم الا من درس العقيده بتعمق واصول الفرق والجماعات
 

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7