الرئيسة قراءة في كتاب العولمة والإسلام رؤيتان للعالم

 
الثلاثاء 13 أكتوبر 2009

غازي دحمان

العولمة والإسلام رؤيتان للعالم  

-الكتاب: العولمة والإسلام رؤيتان للعالم

-المؤلف: د. سيف الدين عبد الفتاح

-تحرير: د.منى أبو الفضل، د. نادية محمود مصطفى

-عدد الصفحات: 175

-الناشر: دار الفكر, القاهرة

-الطبعة: الأولى/2009

أثارت العولمة منذ ظهورها ردود أفعال ومساجلات متباينة الاتجاهات، ذلك لأن للعولمة نموذجا معرفيا ورؤى خاصة تتعلق بالكون والعالم والإنسان والحياة، حاولت أن تمكنها وتروج لها باللين أحيانا وبالعنف أحيانا أخرى، ما خلق أنواعا من التصادمات مع حضارات أخرى راسخة بالقيم والعقائد والثقافة والمعرفة.

والإسلام برؤيته المبنية على الاختلاف والتنوع والتعدد والتعارف كان ممن تعامل مع العولمة، وتراوحت ردود أفعاله بين القبول والتسليم والرفض والتنافر.

يحاول هذا الكتاب الذي بين أيدينا لمؤلفه الدكتور سيف الدين عبد الفتاح إعادة النظر في العولمة في محاولة لفهمها وتشريح بنيتها الفكرية والمعرفية، لكي يمكن التعامل معها بوعي ودراية، للإفادة منها وتطويعها لنماذجنا، وتطويع معرفتنا ورؤيتنا للعالم، بما يتلاءم مع العصر.

القراءة في الدواعي ودواعي القراءة

يؤكد المؤلف أن العولمة تتطلب مواجهة بما تمثله من تحديات، من جنس حركتها وتصوراتها نفسه، فالقضية ليست في تسجيل المواقف أو تبني توجه بعينه أو الدخول ضمن توجهات النقاش المحتدم حول العولمة في كل المجالات الاقتصادية والاتصالية والاجتماعية والسياسية والثقافية، بل المطلوب هو إمكانية محاكاة علم عمل العولمة، وكذلك التعلم أن العمل القليل الدائم هو خير عناصر المواجهة.

ويرى المؤلف أن الخروج من سياق التبشير بمفهوم العولمة أو التهوين من أثاره والمترتبات عليه لا يتم إلا من خلال الدراسات العلمية والعملية، فالعولمة ليست قدرا محتوما، بل هي تصور أعقب عمليات للعالم وللإنسان والكون والحياة، تهدف من خلال ذلك التصور وتلك العمليات إلى عمليات تضييق الاختلافات والتنوعات والتمايزات والخصوصيات، وذلك عن طريق التنميط، ونحن نؤمن بسنة الله تعالى أنه خلق الإنسان في سعة الاختلاف والتمايز والتنوع، ليشهد الكون تفاعلاً إيجابيا وتعارفا متميزا، فإذا ضاق الأمر اتسع والنافع للناس هو الذي يمكث في الأرض.

إذن فالعولمة، بما تمثله من كونها رؤية ومفهوما ونموذجا ومنظومة فإنها قبل كل ذلك عملية، بينما النظر إلى الإسلام يمكن أن يكون على مستوى الأوصاف الأولى من دون الحديث عنه على أنه عملية، إلا في منظوره التاريخي، إلا أن الغرب وبما يحمله مشروع العولمة على تفاوت بين أركانه وعمده، وعلى تفاوت بين حجم الإدراكات لا أصل التصورات، يرغب وبشكل منهجي في تصور الإسلام عملية دون أدنى تمييز بين الإسلام وعالم المسلمين.

قراءة التشريح والترشيح

يرى المؤلف أن الحديث عن علاقة الإسلام بالعولمة أو موقفه منها يجب أن يتجاوز التوفيق بين الإسلام والعولمة، ليندمج في هذا العالم الجديد ويقوم برسالته من خلال تطويره وتجديده بالاجتهاد، وليس كما يتم التكرار دائما في المنتديات الفكرية والدفاع عنه ضد تهم التخلف، وإنما علينا أن نسأل ما إشكاليات العولمة مع الإنسان والمجتمع، لأن الإسلام في جوهره رؤية للعالم بما يشتمل على رؤية للإنسان والمجتمع الإنساني، ومقاصده هي مقاصد حفظ إنسانية هذا الإنسان وتماسك هذا المجتمع، وذلك في الزمان وعبر التاريخ كل لا يتجزأ ومنظومة مترابطة معادية للتفكيك موالية للإنسان.

ويقول المؤلف إنه إذا كانت العولمة تتحدى ذلك الإنسان وتفتت المجتمع وتنشئ التجمع على أنقاض المجتمع ليعيش الإنسان في مدن كبرى، لكن بروح فردية وجماعية هي بقايا وفتات، فالقضية ليست رفضا أو قبولا إنما الإشكالية الكبرى هي إدراك طبيعة العولمة التي نتحدث عنها، طبيعتها الحقيقية لا المتوهمة، حتى نستطيع التعامل مع قضاياها بوضوح وبشكل متفاعل ونقدي وتوليدي وبناء، بدلا من التعامل مع أسطورة. فمن يجرؤ على التفكير والفهم والتفسير والتحدي وتقديم البديل، البديل الإنساني الإسلامي.

وبناء على ذلك يقترح المؤلف الاهتمام بجملة قضايا منها:

الأولى: الحالة البحثية والأكاديمية والعلمية للخطاب العربي المعاصر حول قضية العولمة.

الثانية: إجراء عملية تصنيف للاتجاهات والمواقف المتعددة في معظم تشكيلاتها الفكرية والبحثية.

والثالثة: دراسة العولمة نموذجا ومفهوما ومذهبية وعملية، ذلك أن الخطاب العربي حينما يتعرض لهذه القضية يدخل ضمن تفاعلاته للبحث عن مكان وموقف وعلاقة الكيان الاجتماعي والحضاري العربي والإسلامي وموضوعه من قضية العولمة لهذه الرؤية النقدية.

الرابعة: النقطة الأخيرة التي يمكن الاهتمام بها هي: هل يمكن أن تسهم رؤية إسلامية في هذا النقاش الدائر حول الموضوع، هل يمكن أن تقدم عناصر رؤية نقدية ومراجعة لقضية العولمة؟

وهنا يرى المؤلف أن للجماعة العملية في عالم المسلمين دورا مهما في إطار ظاهرة العولمة، فهذه الجماعة من المفترض فيها خوض غمار هذه القضايا الصاعدة وجودا وتأثيرا بطرائق مأمونة ومتميزة فضلا عن اتسامها بالعلمية والمنهجية.

ويشير الباحث هنا إلى ضرورة الاهتمام بالمفهوم الذي يتعلق بالعولمة تشريحا وترشيحا، تشريحا لمكوناته، وترشيحا لما اختلط به، ذلك أن حسن إدراك الشيء فرع عن تصوره، ومن هنا كان مهما لتلك الجماعة أن تكيف العولمة وطرائق النظر إليها:

هل العولمة نموذج معرفي صاعد؟ هل العولمة ظاهرة؟ هل العولمة مفهوم جديد؟ هل العولمة جديدة أم قديمة كظاهرة؟ هل العولمة عملية؟ هل العولمة قبل هذا تشكل نظاما للقيم؟ وهل العولمة تشكل بعد كل شيء رؤية للعالم؟

قراءة ناقدة كاشفة فارقة

يسعى المؤلف في القسم الثالث من الكتاب للكشف عما يسميها شبكة الارتباطات بين موضوعات مثل حوار الحضارات وتصادمها وظاهرة العولمة، وينبه المؤلف إلى عدم إغفال العلاقة بين العولمة بصفتها ظاهرة وعملية من جانب وحوار الحضارات وتصادمها بوصفها آليات توظف ضمن سياقاتها.

فهذه العلاقة تشكل دالة مهمة على حوار الحضارات المأزوم الهادف إلى تنميط البشر خروجا على سنة الاختلاف وحقائق التنوع والتعدد الثقافية، وصدام الحضارات المزعوم القاصد إلى تصنيف الأعداء والخصوم داخل الدائرة الحضارية المتنوعة الهادفة إلى إشاعة أشكال التهديد والردع بين حوار الحضارات أسيء استخدامه آلية، وبين صدام للحضارات يلقي الأوصاف جزافا على الحضارات، ويحدد الموقف منها مصنفا إياها في دائرة الأعداء والخصوم، تأتي العولمة تفترس الخلق بما يسمى (القرية الكونية) و(الثورة الاتصالية والمعلوماتية) ضمن قشرة حوارية تشير إلى معاني الحوار الزائف للحقيقة، وأيديولوجية صدامية تعنى (بصناعة العدو).

وصار الأمر متفاعلا في علاقة متفاعلة ومستطرقة في أن واحد، ذلك أن تلك العمليات ترتبط بالعولمة، والحوار الخالي من الشروط الابتدائية والأساسية والمقاصد الكلية، يفقد جوهره ومغزاه وفعاليته، وصدام حضاري مفتعل يقوم على صناعة العدو يهيئ المعمورة لصراع قادم تستفز فيه الحضارة الغربية طاقاتها ضمن صناعة الخطر، (الخطر الأخضر) الذي يتمثل في الحضارة الإسلامية، كل ذلك يشير إلى الفجوات بين الشعارات والممارسات والقيم، بين القيم المدعاة وتطبيقاتها، بين (عالمية الاستخلاف) و(عولمة الاستئثار).

هذه الفجوات تشير إلى افتقاد عمليات العولمة إلى البنية الأساسية التي تؤكد عليها الرؤية الإسلامية ضمن عالمية الاستخلاف، التي تجعل من مفهوم (تعارف الحضارات) والعمليات المترتبة عليه، والمقاصد المرتبطة به والآليات التي تشتق منه خروجا على افتراس العولمة ومقصدها في تنميط البشر، وحوار حضاري لا يعدو أن يكون مثل قشرة حضارية حوارية، ظاهرها الرحمة وباطنها الهيمنة والسيطرة والطغيان.

ضمن سياقات هذه الرؤية يقدم المؤلف رؤية نقدية أولية للعولمة في سياق بناء نموذج كلي يقوم على عرض مقولات وعمليات العولمة على معايير حفظ الكليات (الدين والنفس والنسل والعقل والمال)، وضمن ترتيب عناصر أولويات تسهم في نقد واقع العولمة (الضروريات والحاجيات والتحسينات).

وضمن هذا السياق الذي يشير إلى تعارف الحضارات على أنه محوري في الرؤية الإسلامية والمقاصد الكلية التي تقدم رؤية نقدية للعولمة وعملياتها، يرى المؤلف أنه من المهم تأصيل معنى التعارف الحضاري ومتطلباته وتوابعه وارتباطاته المعرفية والقيمية التي تتولد عنه.

فتعارف الحضارات ليس إلا واحدا من قسمات رؤية العالم من منظور الرؤية الإسلامية، وعالم المسلمين مدعو للإسهام بفعالية في بناء النسق القيمي الحاكم والضابط للعلاقة بين الحضارات، صحيح أنه قد لا يستطيع أن يسهم في البناء المادي (التقني)، إلا أن عليه أن يسهم برؤيته في تعارف الحضارات ليرشد المسيرة الحضارية.

يطرح المؤلف في نهاية بحثه جملة من الأسئلة من قبيل: هل نحن أمام رؤيتين للعالم؟، وهل نحن جوهريا أمام عالميتين: عالمية الاستخلاف والتعارف، وعولمة الاستئثار والغلبة؟

لا شك أن الأمر يحتاج إلى دراسات تراكم في هذا المقام: )فأمَّا الزبد فيذهبُ جُفاءً وأما ما ينفَعُ الناسَ فيمكثُ في الأرض( الرعد 19.

المصدر: الجزيرة نت

 

 
 
   Bookmark and Share      
  
 العولمة والإسلام رؤيتان للعالم

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7