الإثنين 4 فبراير 2013
New Page 1

هؤلاء الذين يظنون أن علم الحديث قد اصطفاهم من كثرة لا قيمة لها، هم في حقيقة الأمر من استخدموا علم الحديث لأغراضهم (غير العلمية).

 

لن تحتاج إلى كثير إمعان نظر في الألباني كي تلاحظ أن فيه ما هو أكثر من مجرد (عالم حديث يوقَّر لأجل علمه)، هذا الرجل ينطوي على سر لا يمت لعلم لحديث بصلة، سرا يجعل النمط السلفي يفضله حتى على من يفوقه في مجاله مثل أحمد شاكر.

 

بإيجاز: حاجة السلفيين إلى الألباني ليست موصولة مباشرة إلى علمه، بل إلى براعته في تمثّل البعد النفسي للعلم، إلى قدرته على تحويل علم الحديث إلى سرداب نحو الماضي. إحكام المعايشة المتخيلة لبيئة علم الحديث قديما بكل ما فيها من عوارض ليس لها علاقة بالعلم ذاته ولكن بالسياق التاريخي له، في النهاية: تحقيق المقصود بالمغادرة الزمنية للمجتمع. قيمة علم الحديث عند الدعوة السلفية تكمن في صلاحيته (لاستمساخ) بيئة علم الحديث قديما.

 

*

انتبه مثلا إلى استدعاء النمط السلفي لشكل العلاقة بين العالم وطالب العلم قديما، صورة (المؤدِّب والمتأدب)، بما تنطوي عليه تلك الكلمة من معاني الزجر والسب والاعتداء البدني أحيانا، تلك الصورة التي تجسدها حكايات «الأعمش» مع طلابه وكيف كان يضع لهم كلبا ببابه، وكيف كان ابن خزيمة ينهر ابن حبان قائلا: «تنحّ عني يا بارد»، وكيف قام عبد الرازق الصنعاني برفس طالب علمه يحيى بن معين.. إلخ.

 

إنها صورة مبررة تاريخيا في ضوء الوضع الاجتماعي للعلوم الشرعية، لقد كانت أهم وسيلة من وسائل الوجاهة والنفوذ، بحيث كان الانخراط فيها قديما يناظر حاليا الانخراط في سلك القضاء أو الشرطة أو العمل الديبلوماسي، مما وضع العلماء في مواجهة مع طوفان من طلبة العلم الشرعي لأغراض دنيوية، فكان على العالِم القيام بعملية فرز مستمرة لهؤلاء بقصد تمييز أهل الدنيا عن أهل الدين. أيضا تعزيز العالم لنفسه كانت وسيلة خلقها المجتمع العلمي آنذاك نتيجة لعدم وجود مؤسسات كالجامعات تضمن للعالم نوعا من المكانة المطلوبة لمزاولة دوره. كل ذلك انعكس على طابع (الجفوة) من العالم مع طلبة العلم واعتبار قبولها فضيلة.

 

والشيخ الحويني نفسه يقرر الوضعية التاريخية لتلك التصرفات، فيقول جوابا عن سؤال: هل كتم الأعمش رحمه الله تعالى العلم في معاملته الشديدة لتلاميذه؟ فيقول: «لم يكتم علماً،.... لكنه كان بعد أن يشتد عليهم يعود فيحدثهم، ....كان يقول: «لو كنت بقالاً لاستقذرتموني إنما رفعني الله بهذا العلم»، فهو كان يحدث، وما كان يكتم علماً، ولكن كان يؤدب. فالأخ يقول: نخشى أن يقوم بعض الشباب بنفس هذه الأفعال، فيقال: لا. نحن ضربنا المثل بهذا لنعلل لماذا كان يسلك هذا المسلك، وإلا فلكل مقامٍ مقال، وأحياناً بعض الناس لا ينفع معه إلا الشدة، وبعضهم لا ينفع معه إلا اللين، فكلما كان هناك إقبال على الشيخ وكان طلابه يحتملون منه جاز له أن يفعل مثل هذه الأشياء، لكن إذا كان الإنسان متروكاً، أو ليس له تعظيم في قلوب الناس إذا عمل هذا العمل تركه الناس، فالإنسان يستخدم ما يسميه المتقدمون بالفقه النفسي، والله أعلم»

 

ثم يجيب عن استدراك للسؤال: هل يقال في هذا إنه من باب عدم إذلال العلم؟: «نعم. فيما مضى كان العلماء يتعففون أن ينتقلوا بكتب العلم إلى أحد، .... وكان الأمراء يوقرون أهل العلم؛ لكن الآن أنت تحمل علمك على كتفك، وتترصد الطلبة لعلهم يقبلون منك، وهذا بسبب اختلاف الأحوال، فلو وضع الإنسان رجلاً على رجل، وقال: من أراد العلم فليأتني فلعله يفوت الناس الكثير، فهو يأخذ هذا العلم ويمضي به إلى الناس يعلمهم، وطبعاً اختلاف الأزمان والبيئات له علاقة في الحكم بلا شك»

 

ورغم إدراك الحويني للوضعية التاريخية النسبية لشكل العلاقة بين العالم وطلبة العلم، إلا أنه يتنازل عن إدراكه ذلك لمصلحة النمط، فيحاكي، وبشكل يصلح للإضحاك، شكل العلاقة القديمة، ويثبت أنه ليس خليفة الألباني في العلم، بل في براعته في استخدام العلم لتبرير معايشة الوهم، فيتحدث عن معاناته في الارتحال إلى الألباني لطلب العلم وعزوف الألباني عن قبوله وإلحاح الحويني في عرض نفسه عليه مهما تعرض من صد، فيقول: «وأوضحت له حالي أنني رجل فقير وطالب علم صغير واستلفت ثمن التذكرة وكل هذه الرحلة بالدَّيْن عليه وأنا لم أحضر للعمل ولا لدنيا أنا ما أتيت إلا لك ، فأنا أريد أن أخدمك ولكن بشرط أن أخذ من علمك وتعطيني الفرصة وتشرفني أنني أخدمك، فقال: «ليس عندي وقت»، فقلت له: آخذ أي وقت أعطني ساعة في اليوم ، فقال: «ليس عندي وقت» فقلت له: أعطني خمس دقائق، فقال لي: «ليس عندي وقت» ، وأنا الآن لما استرجع هذا الموقف لو أنا من أبلغ الناس لا أستطيع أن أعبر بقلم عما كان في صدري آنذاك، تخيل إنسان يكاد عنقه يندق من العطش ثم جيء به على شاطئ النهر ولا يقدر أن ينحني لكي يشرب .... فقلت له: يا شيخ أنا ما خرجت من بلدي إلا إليك، فإن كنت أخلصت النية فعلًا فسيفتح الله قلبك لي وإن كنت لم أخلص فكفاني عقابًا عاجلًا أن أرجع بخفي حنين بما قلت لي وهذه الكلمات أنا قلتها للشيخ والحقيقة الشيخ انصرف وأنا بت ليلتي مهمومًا وعندي غم وهم .»

 

وتكتمل الحبكة الفنية حين يرضى الألباني عن الحويني بعد طول عذاب، وما أبرعهما في تمثيل البعد النفسي لعلم الحديث، فيقول الحويني: «فالتقيت به في صلاة الفجر فسلمت عليه وقبلت يده فتبسم وقال: «لعل الله استجاب لك»، طبعا أنا لا أريد أن أقول لك أن قلبي رفرف لما قال لي هذه الكلمة ، فقلت له: «يا شيخنا أنا عندي أسئلة كثيرة جدًا فما هو الترتيب الذي تراه فضيلتك أنني أعمله»، فقال:«بعد الفجر لما تقعد معي بعد الصلاة خمس دقائق الذي أنا قلت له أعطني خمس دقائق فقط فقال: خمس دقائق».

 

هكذا.. خمس دقائق يمنحها الألباني للحويني ويعتبر تلك الدقائق الخمس استجابة من الله لتوسلات الحويني بقبوله عند الألباني طالب علم!.

الحقيقة أنه موقف مسرحي قاما به معاً بإتقان، فالألباني قد عُرف عنه أنه يجلس بالساعات في المسجد يجيب عن كل سؤال، وواقع حاله أن تلك الدقائق الخمس لا تصلح كمنحة لأنها متاحة بالفعل، لكنها المحاكاة، محاكاة غير واعية لموقف الأعمش مع طلابه.

 

ثم يستطرد الحويني فيحكي عن حوار دار بينه وبين صديقه أبو حمزة حين غاب الألباني فيه عن ميعاد الدرس يوما، فقال: «قلت له يا أبو حمزة أنا حزين على هذا اليوم فماذا أعمل؟ فقال لي: ماذا سيعمل فينا الشيخ، تعالى لنذهب إليه، فذهبنا إلى هناك وطرقنا الباب وأنا الحقيقة مستحضر في ذهني قصة قرأتها في معجم البلدان لياقوت الحموي فذكر حكاية عن ابن حبان وكان ملازمًا لشيخه ابن خزيمة صاحب الصحيح أيضًا وكان ابن حبان يسأل ابن خزيمة وكان لا يجعله يأخذ نفس، فأثقل ابن حبان على ابن خزيمة في الأسئلة فقال له ابن خزيمة: «تنح عني يا بارد»، فكتب ابن حبان الجملة: «تنح عني يا بارد»، فقال له زميله:«ما هذا الذي كتبته؟ وما الذي ستستفيده من هذه الكلمة؟ ولما كتبتها؟» قال له: «لا أدع كلمة للشيخ إلا كتبتها»، فأنا الحقيقة مستحضر هذه القصة في رأسي، وقلت إن ذهبت للشيخ ولو قال لي «انصرف يا بارد» أعتبرها من فوائد هذا اليوم».

 

*

الأصل الأعجمي للألباني استُثمر بشكل لا شعوري لخدمة النمط بتكميل السمات القديمة للبيئة العلمية واستدعاء ما لوحظ من (الأصل الأعجمي لمعظم علماء الحديث)، ففي عدة مواقف يتماثل الألباني للنمط بأصله الأعجمي على نحو غير مباشر، مثل أن يرد على مخالف في مسألة ما، فيقول: «فإن قلت إنني أعجمي لا أحسن العربية... إلخ»، رغم أن أحدا لم يشكك في إتقانه للعربية أصلا.

 

أما الحويني فيلتقط الفكرة ويقوم بتأكيدها بشكل أكثر صراحة، فيؤكد أن الشيخ لم يعرف باسمه الألباني إلا بعد ما صارت له مؤلفات، يقول: «أي صار له شأن وصار يدرس للطلبة وبدأ ينشر المنهج السلفي الذي يعتقده في الشام فبدأ يعرف باسم الألباني، وطبعًا الألباني هذا دلالة على العجم الذين دخلوا الإسلام وكيف أن كثيرا من العجم لهم فضلٌ عظيم عندنا، لأن الأئمة الستة كله وهم البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة أعاجم ليس منهم عربي إلا مسلم وهو عربي وكثير من أئمة الحديث وأئمة الفقه والتفسير واللغة كلهم أعاجم بعد ما دخل الإسلام وفتح الدنيا دخل كثير من هؤلاء إلى الإسلام وحملوا راية العلم، فهذا طبيعي مسألة أن الشيخ أعجمي ومع ذلك علم الدنيا كلها وكان له فضل على العرب قبل العجم».

 

*

صراع الديكة بين شيوخ السلفية ليس سوى استمساخ لبيئة الجرح والعديل قديما، أنه صراع لا يزعج النمط ولا يهدده، بل على العكس من ذلك، يدعم ما نهض عليه النمط من أساس، إنه اقتطاع آخر للواقع لحساب البيئة المتخيلة.

 

*

عادة قراءة أحد الطلبة السلفيين على شيخه كتابا معينا من كتب السنة، ليست سوى محاكاة لآلية ضبط النص شفويا قديما، وهي آلية نسختها المطابع وحلت محلها تحقيق المخطوطات.

 

*

لقد تجاسر الألباني على البخاري ومسلم فضعّف بعض ما ورد فيهما من أحاديث، رغم ما عرف عنهما الإمامين، ورغم ما قاله السلف في علم الحديث نفسه أنه «نضج واحترق»، الألباني هنا يتصرف لا طبقا للعلم، بل طبقا لاحتياجات النمط التي ظهرت الحاجة عنده ماسة إلى استعادة نفس أهمية علم الحديث كما كانت قديما، فأراد الألباني أن يثبت بكل وسيلة أنه ما زال في الجعبة ما يقال، أراد أن يقول: «انشغلوا بعلم الحديث، لا زلنا بحاجة إليه، لقد اكتشفت ضعف أحاديث كان الجميع يظنها صحيحة، ونسبت لكم كل موبقات الأمة إلى الأحاديث الضعيفة، إن عالم بني أمية لا زال حيويا بيننا لم نغادره بعد». أليس الألباني هو القائل: «من السياسة ترك السياسة»؟.

 

*

لقد أحسن الجيل الثالث للحركة الإسلامية حين أبدى نوعا من اللامبالاة بـ (نموذج الألباني)، فقد أدرك أن هذا النموذج  أمينا لا في خدمة الحركة الإسلامية، بل في خدمة النمط الذي يرعاه، ولن يستقيم لهذا النموذج خدمة سيدين. فنحن نتشكك في ترعرع ذلك النمط أصلا بين الأنظمة العربية الفاسدة دون أي إزعاج بينهما، بل ولم نر غير فتاوى وجوب دعم تلك الأنظمة في ملاحقة (الغلاة والخوارج)، وفتاوى أخرى سفيهة ليس آخرها فتوى الألباني بوجوب هجرة الفلسطينيين من بلادهم.

إننا، وبكل عرفان لما اكتشفوه من أحاديث ضعيفة، نصرح لهم أننا لم نعد بحاجة إليهم.

 
 
   Bookmark and Share      
  
 البناء النفسي للشخصية السلفية (الجزء الخامس)

متابع - مصر الثلاثاء 5 فبراير 2013 18:14:18 بتوقيت مكة
   سبحان الله
تدبرت الكلام فوجدت أكبر شاهداً عليه ماآل إليه حال الأمة وبين ظهرانيها هذا الكم من العلماء .. فلو صدق إحدهم لقام بالأمة قيام العز ابن عبد السلام بها
 

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7