الرئيسة قراءة في كتابقراءة في كتاب العلمانية والمذهب المالكي.
 
السبت 9 فبراير 2013


قراءة في كتاب العلمانية والمذهب المالكي

المؤلف: أبو سفيان مصطفى باحُّو السلاوي المغربي

الناشر: جريدة السبيل، المغرب

الطبعة: الأولى، 1433 هـ - 2012 م

عدد الأجزاء: 1

عدد الصفحات: 201 صفحة.

ــــــــــــــــ

«إنَّ مِنْ قَواعدِ دينِنا أنَّ العالِمَ حاكمٌ على المَلك، لا العكسُ: أَنْ يكون ما تضمَّنه الظهيرُ الشريفُ معروضا على نُصوصِ الشريعةِ الثابتةِ، فيُردُّ الظَّهِيرُ للنصوص، ولا تردُّ النصوصُ للظهير، إلا لو كان الملكُ حاكِما على الشرع، والأمرُ بالعكس، ولو قِيل بذلك لَبَطَلت الأديان جُمْلَة، وصار المدارُ على الملك، وهو خلاف الواقع» (1).

فهذا الكتاب الذي بين أيدينا هو الكتاب الثالث للمؤلف/ أبو سفيان مصطفى باحُّو السلاوي المغربي. من سلسلة بحوث في العلمانية، والكتاب الأول للمؤلف اسمه: «العلمانية، المفهوم والمظاهر والأسباب» وهو الذي جعله طليعة للسلسلة. وقد طبع في الرباط، ونشرته جريدة «السبيل» المغربية في غشت 2011.

والكتاب الثاني: «العلمانيون العرب وموقفهم من الإسلام». وقد طبع في المكتبة الإسلامية بمصر.

وهذا الثالث للمؤلف الذي بين أيدينا يبحث فيه المؤلف عن موضوعين هامين، لهما ارتباط بموضوع العلمانية؛ الموضوع الأول: العلمانية والمذهب المالكي.

والموضوع الثاني: ماذا يعني تطبيق الشريعة في المذهب المالكي؟

وبين المؤلف أنهما موضوعان مترابطان متداخلان يكمل أحدهما الآخر، فتطبيق الشريعة الإسلامية يعني رفض العلمانية، والعكس صحيح؛ ومن أجل ذلك جمع بينهما المؤلف في هذه الرسالة.

وقد قسم المؤلف الكتاب إلى عناوين.

ففي العنوان الأول: العلمانية والمذهب المالكي.

فتحت هذا العنوان بين المؤلف أن للمالكية عناية كبيرة للشريعة الإسلامية بأبوابها المتعددة، ابتداء من الصلاة وباقي الأركان الخمسة ومرورا بأحكام البيوع والزواج والطلاق وانتهاء بأحكام الجهاد. فأحكام الشريعة عند المالكية كل لا يتجزأ، ويجب الإذعان لها والامتثال لأحكامها.

بل ومن شرط الإمام عندهم كما في تفسير القرطبي (1/ 272) إقامة كتاب الله وسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.

وبين فيه أن الشريعة الإسلامية قد ظلت حاكمة في المغرب لقرون طويلة ونقل ذلك عن المؤرخ/ عبد السلام بن سودة الفاسي في إتحاف المطالع بوفيات أعلام القرن الثالث والرابع.

ووضح المؤلف تحت هذا العنوان أن العلمانية تهدف إلى الحد من حاكمية الشريعة الإسلامية وسجنها مشلولة الحركة داخل المسجد.

وأن العلمانية لها شق عقائدي إيديولوجي، (موقفها من الغيب والميتافيزيقا)، واعتبارها كل المفاهيم الغيبية الدينية أساطير خرافية من ثقافة القرون الوسطى.

ولها شق تشريعي يتجاوز كل التشريعات الدينية كما وكيفا وفي شتى المجالات المختلفة.

وبين أن العلمانية عندما ترفض مثلا الحدود الشرعية فإنها ترفض المذاهب الأربعة وتعتبرها متجاوزة لأنها اتفقت على وجوب تطبيق الحدود الشرعية والحفاظ على الشريعة، بل اعتبروها أحد الأسس التي تقوم عليها الإمارة والحكم الإسلامي.

ثم أخذ بعد ذلك يبين ويستدل لما قاله نقلا عن علماء الفقه المالكي.

ثم شرع المؤلف في العنوان الثاني، باسم:" المذهب المالكي عبادة وشريعة".

وبين المؤلف في هذا الكتاب أن المذهب المالكي عبادة وشريعة، علاقة بين العبد وربه، وعلاقة بين العبد ومحيطه، وأنه لا حجة عند المغاربة على مر تاريخهم إلا في الشريعة، ولا مرجع إلا هي، وأنه لا يجوز التحاكم عند المالكية إلا إلى القرآن والسنة. وأن السياسة إذا لم تتقيد بالشريعة فهي مرفوضة، وأن المذهب المالكي ظل يحكم المغرب في شتى مجالات الحياة: السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية، إلى أن جاء الاستعمار فغيَّر وبدَّل وأوقف العمل بأحكام الشريعة في عدة مجالات.

ثم وضع المؤلف عنوانا باسم: " إنكار المالكية للحرية بمفهومها العلماني"

ووقف في هذا العنوان مع نصين هامين يبرزان وعيا واضحا لعلماء المغرب لمسألة هي لب العلمانية وجوهرها: الحرية المطلقة. التي تهدف إلى التحرر من الأديان والثوابت والأعراف الاجتماعية والمطلقات:

طرحت إشكالية «حرية العقيدة في المغرب» من طرف اليهودي الإنجليزي السير موسى مونتفيوري، إذ وفد على المغرب عام 1280/ 1864، وحظي بمقابلة السلطان محمد الرابع وطلب منه الحرية ليهود المغرب.

وبين أن العلامةُ الناصري قد بحث تلك المسألةَ في الاستقصا (3/ 114 - 115) وانتقد بشدة الحرية المطلقة التي تهدف إلى التحرر من جميع الضوابط وتتجاوز الأديان والأعراف.

وبين أن الحرية يجب أن تضبط بضوابط الشريعة، والحرية المطلقة بمفهومها الغربي من وضع الزنادقة.

ثم وضع عنوانا باسم: " السياسة إذا لم تتقيد بالشريعة فهي مرفوضة".

ووضح أن هذا هو ما قرره العلامة المالكي ابن خلدون رحمه الله في أثناء كلامه عن الخلافه؛ حيث قد قسم ابن خلدون رحمه الله الحكم إلى: ملك وسياسة وخلافة.

ثم أتبع ذلك بعنوان:" الحفاظ على الأحكام الشرعية أهم واجب على السلطان عند علماء وسلاطين المغرب":وبين كيف أن الحفاظ على الأحكام الشرعية أهم واجب على السلطان عند علماء وسلاطين المغرب.

تحريم المالكية التحاكم إلى غير الكتاب والسنة:

تحت هذا العنوان بين فيه المؤلف أن علماء المالكية قد نصُّوا على وجوب الرجوع للكتاب والسنة واعتبارهما المصدر الوحيد للتشريع، وقد اشتد إنكارهم للتحاكم إلى غير الكتاب والسنة.

وقد أنكر العلامة المالكي محمد بن جعفر الكتاني على المسلمين عامة والمغاربة خاصة الأخذ بالقوانين الوضعية.

إنكار المالكية لتبديل الزكاة بالضريبة:

تكلم المؤلف تحت هذا العنوان عن عناية السلاطين العلويين بالزكاة الشرعية وإلغاء المكوس، وإنكار المالكية لتبديل الزكاة بالضريبة، وأنه وَقَفَ خَلْفها دول غربية على رأسها فرنسا وإنجلترا.

وأنه لا زالت الزكاة تجمع في المغرب وتدفع للسلاطين عبر تاريخ المغرب كله إلى عهد السلطان عبد العزيز العلوي الذي أبطلها واستبدلها بنظام ضريبي يسمى الترتيب بإيعاز من الإنجليز كما سنرى. وكان إقراره للضريبة بدل الزكاة أحد أسباب عزله من قبل علماء مراكش وفاس.

تطبيق الحدود الشرعية في عهد الدولة العلوية.

بين المؤلف تحت هذا العنوان أن الدول التي حكمت المغرب كانت حريصة على تطبيق الشريعة ومن ضمنها الحدود الشرعية. بل إن بعض الحكام مثل يعقوب المنصور كان يقيم الحدود حتى في أهله وعشيرته الأقربين.

وظل هذا دأب الدولة العلوية الحاكمة في المغرب منذ نشأتها إلى ما قبل الحماية ودخول الاستعمار، حتى أنكر السلطان العلوي محمد بن عبد الله تبديل الحدود الشرعية بالقوانين الوضعية وقال: وذلك من المنكر الذي لا يرضاه الله ورسوله والمؤمنون، لأنه خرق للشريعة وإبطال لأحكام القرآن.

ثم أردف الكلام عن الخمر، وبين أن الخمر ظل ممنوعا طوال تاريخ المغرب، ولم يرخص لغير اليهود والنصارى ببيعه وشربه، ولم يعرف أن الدولة المغربية أعطت ترخيصا لمسلم لبيع الخمر إلا بعد مجيء الاستعمار.

وتكلم فيه أيضا عن الدعارة:

وبين أن المغرب لم يعرف الدعارة كنشاط مكثف إلا مع الاستعمار. وقد دعم الفرنسيون الدعارة وشجعوها وهم أول من أحدث المواخير، وجند لذلك مجموعة من عملائه المغاربة الفاسدين كالتهامي الجلاوي الذي دعمه الفرنسيون بمجموعة من المومسات الفرنسيات.

فكانت هذه أول بوادر الفساد المجتمعي في المغرب تحت إشراف وتمويل وتشجيع من المستعمر.
عناية الدولة العلوية بجمع الجزية من اليهود.

تحت هذا العنوان قد تكلم المؤلف عن عناية الدولة العلوية بجمع الجزية من اليهود. ومناهضة علماء المالكية للبنوك الربوية. وأن الربا لم يدخل في صورة منظمة ومؤسسة إلا لما سقط المغرب فريسة للتدخلات الأجنبية، في عهد السلطان عبد العزيز. وكان إحداثه للبنك الربوي أحد أهم أسباب خلعه وتعيين السلطان عبد الحفيظ مكانه.

الظهير البربري أهم مظاهر العلمنة في المغرب وموقف المغاربة منه

في هذا قد تحدث المؤلف عن علمنة القانون في تاريخ المغرب وبين فيه أن الظهير البربري أهم مظاهر العلمنة في المغرب. وأن المحاكم الإسلامية المعتمدة على المذهب المالكي كانت تشمل جميع المخالفات سواء كانت الأحوال الشخصية أو الجنائية أو غيرها. وأول من فصل بين القضاء الشرعي المعتمد على الشريعة والقضاء الجنائي وغيره هو المقيم العام ليوطي.

وفي ظل الاحتلال والحماية الفرنسية تم إقصاء الشريعة الإسلامية وإحلال القانون العلماني الوضعي محلها.

وفي ظل الاحتلال والحماية الفرنسية تم إقصاء الشريعة الإسلامية وإحلال القانون العلماني الوضعي محلها.

وبين كذلك أن أهم أهداف السياسة البربرية هي:

1 - فرنسة البربر.

2 - إخراجهم من الإسلام والقضاء على القرآن.

3 - تنصيرهم.

ثم تكلم المؤلف عن ماذا يعني تطبيق الشريعة في المذهب المالكي؟ من الناحية السياسية والإعلامية والاجتماعية والقانونية والاقتصادية. ونقل نصوص المالكية في ذلك.

وذكر أهم الشبهات التي يعتمد عليها العلمانيون تجاه تطبيق الشريعة الإسلامية، ومن إبرازها:

اتخاذ الأقليات أداة اعتراض على حاكمية الشريعة واستعملوها ورقة ضغط وعقبة في وجهها. مع أن الشريعة ظلت تحكم خلال قرون عديدة، ولم تشكل مسألة الأقليات أية مشكلة أو عائق في وجه الشريعة. ولم تنتقص الشريعة شيئا من تدين هذه الأقليات؛ لأن شرائع هذه الأقليات ليس فيها فقه معاملات مدنية.

فالشريعة الإسلامية ليست بديلا لشريعة مدنية نصرانية، وإنما هي بديل للقانون الوضعي العلماني الذي جاء به الغزاة القاهرون للأغلبيات والأقليات جميعا.

ثم بين معنى تطبيق الشريعة في المذهب المالكي، وبين أنه:

من الناحية السياسية:

يعني تطبيق الشريعة أن يكون الإسلام هو دين الدولة الرسمي. كما قال تعالى: {إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللهِ الإِسْلاَمُ} [سورة آل عمران الآية: 19].

وأن تكون أحكام الشريعة الإسلامية والفقه المالكي خاصة المصدر الأساس للتشريعات القانونية. كما قال تعالى: {فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَاوِيلاً} [سورة النساء الآية 59.].

ومن الناحية الإعلامية:

أن يكون الإعلام هادفا ومحافظا على السلم الاجتماعي وعلى الطابع الإسلامي للمجتمع. وأن ينضبط بضوابط الشريعة ومقاصدها، وأن يكون هدفه نشر الفضيلة والدعوة إلى الخير بالكلمة الطيبة والموعظة الحسنة.

ومن الناحية الاجتماعية:

الحفاظ على مؤسسة الأسرة وحمايتها، وتشريع القوانين الضرورية لتحقيق فلسفة الإسلام في ذلك، القائمة على احترام الوالدين وإشاعة ثقافة الاحترام والتوقير للأكبر سنا وللأعمام والعمات والأخوال والخالات وغيرهم.

ومن الناحية القانونية:

تعتبر أحكام الشريعة الإسلامية فوق جميع الأحكام وأسماها وأعلاها.

ومن الناحية الاقتصادية:

يهدف الاقتصاد الإسلامي إلى تحقيق العدالة الاجتماعية، بتوزيع الثروة توزيعا عادلا. كما قال تعالى: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَاسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ}.

وذكر أن الاقتصاد الإسلامي ويقوم على مقومات وخصائص أهمها:

1 - تسخير ما في السماوات وما في الأرض للناس على السواء.

2 - حرية الكسب والتحصيل بطرق شرعية.

3 - مراعاة المصلحة الفردية.

4 - مراعاة مصلحة الجماعة، التي هي مقدمة على مصلحة الفرد في حدود العدل والإنصاف.

5 - محاربة الفوائد الربوية بشتى طرقها.

ثم عقد المؤلف مقارنة بين مسألة الزكاة وإبدالها بالضريبة. وضرب مثلًا بالإنتاج المغربي من بعض الأصناف مثل البطاطس والحبوب وجمع مقدار الزكاة منها وكانت الحصيلة مذهلة وهي: 2822 مليون درهم. ومن زكاة المواشي، كانت الحصيلة: 539 مليون درهم. ومن زكاة المعادن 7.6 مليار درهم.

وأما مجموع 300 مليون درهم.

والمجموع العام التقريبي للزكاة في المغرب أكثر من: 11 مليار درهم. ولاشك أن هذا الرقم هائل، لو خصص للفقراء سنويا لما بقي فقير في المغرب.

ثم ختم المؤلف رسالته بملحق قد ذكر فيه:

1-قرارات مجمع الفقه الإسلامي.

2-قرار بشأن تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية.

3-وقرار بشأن العلمانية.

4-وقرار بشأن الإٍسلام في مواجهة الحداثة الشاملة.

5-قرار بشأن القراءة الجديدة للقرآن وللنصوص الدينية.

وفي الختام جزا الله المؤلف خير الجزاء على ما قام به من جهد عظيم؛ وبيان لأهم الأمور التي قد تخفى على كثير من المسلمين اليوم.

ـــــــــــ

الهوامش:

(1): من جواب قاضي الجماعة بفاس محمد بن عبد الرحمن العلوي المدغري (باسم السلطان الحسن الأول بعد استشارة العلماء المعنيين بالأمر، وذلك عام 1297 هـ /1880 م.

 
 
   Bookmark and Share      
  
  قراءة في كتاب العلمانية والمذهب المالكي.

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7