الرئيسة قراءة في كتابالأنثى المقدسة وصراع الحضارات.. المرأة والتاريخ... مستقبل وبدايات
 
الثلاثاء 13 أكتوبر 2009

عزيزة السبيني

الأنثى المقدسة وصراع الحضارات.. المرأة والتاريخ... مستقبل وبدايات  الكتاب: الأنثى المقدسة وصراع الحضارات

المؤلف: محمد إبراهيم سرتي

الناشر: دار الأوائل/ دمشق 2008

لم يكن الجدل حول المرأة، وليداً للحظة، بل لم يسبق له أن توقف منذ أن عرف الإنسان لنفسه تاريخاً على وجه الأرض، فالرجل لم يعتبر المرأة –يوماً- مخلوقاً مثله، لأن مسألة الأمومة رسخت في قناعته، أنه مخلوق من الأنثى، فهي الكل المتكامل، وهو جزء منها. وفي العصور القديمة كانت المرأة – الأنثى- بالنسبة للرجل، هي الإله المعبود، وهي الشمس، فهي أكبر الكواكب، وأكثرها إشراقاً، وضياء. والأرض أنثى.. والشجرة أنثى.. وفي العبادات نراه يعبد الشمس، رمز القوة الأنثوية العظمى، وبناتها من الكواكب السيارة اللاتي تعكس كل منهن جزءاً من أشعتها، وضيائها، وسُميت هذه الكواكب بالهياكل. فارتبطت عبادة الهياكل بعبادة كل أنثى، كما ارتبطت أيضاً، بثالوث مقدس، فالذكر ضروري لعملية اللقاح، و تتكفل الإلهة الأنثى بكامل ما تبقى من عملية الخلق وحدها، لكن أمومتها لا تكتمل إلا بوجود الابن، الذي هو نتاج لعملية الخلق. وهكذا لقح القمر الإلهة الشمس، ليخرج من جوفها كوكب الزهرة (عشتار)، ربة الحب والخصب والأنوثة الكاملة. وقد حيكت حول عشتار الكثير من القصص الرمزية، والأساطير المقدسة، التي كانت بمثابة أسفار مقدسة، لا يفهمها سوى كهنتها.

أما عبادة الهياكل فقد اتخذت أشكالاً عدة، ووضعت لها أسماء ورموز مختلفة باختلاف ثقافة الشعوب التي عبدتها، وباختلاف الأماكن والأحداث الدراماتيكية، التي تجلَّت من خلالها، تلك الهياكل بقدراتها الإلهية، وتجسدت في صور أشخاص خارقين كما يدعي عُبادها. وكان من أشهر تلك الهياكل، وأكثرها تجلَّياً في عالم البشر، كوكب الزهرة، الذي تجسد في هيئة امرأة خارقة، شديدة الجمال، عظيمة السحر والفتنة.

ولو تتبعنا معظم الأساطير التي نُسجت حول الأنثى المقدسة، والطقوس والمراسم التعبدية التي مُورست في معابدها، لوجدنا أن جانب الخوف في عبادة الأنثى يطغى كثيراً على جانب الرجاء.

وفي اليهودية، نجد التوراة تفرد سفراً كاملاً للاحتفاء بأستير، مستعيرة شخصية عشتار، وتصورها على هيئة فتاة يهودية ذات صفات خارقة، تتمازج في شخصيتها آيات الحُسن والجمال مع جبروت الخبث والدهاء والمكر الأنثوي، الذي استطاعت –من خلاله- السيطرة على مملكة الشرق بأكملها، لتحول الإمبراطورية الفارسية عن بكرة أبيها إلى دولة يهودية صرفة، بعد أن أسرت فؤاد الإمبراطور الفارسي، وامتلكت قلبه وكيانه بسحرها الأنثوي الناعم، لتجعله بإشارة منها يمارس في حق شعبه من غير اليهود مذابح هولوكوستية غاية في الوحشية.

وفي الديانة المسيحية تظهر عقيدة عبادة الأنثى –بشكل أكثر وضوحاً- حيث إن المتتبع لتاريخ نشوء المسيحية، يدرك أن المسيحية لم تولد إلا من رحم الديانة اليونانية القديمة، التي تمحورت حول عبادة الأنثى في صيغة تقديس الشمس العظمى، التي كانت تعد ربة الأرباب، وأماً لجميع الآلهة. ولم تكن الشمس وحدها، هي رمز الآلهة عند اليونان، بل ظهرت الكثير من الآلهة، والتي اتخذت أسماء متعددة، ترمز إلى الحب والجمال، فيسرد المؤلف أسطورة عشتار، وأدونيس، وفينوس، وإيزيس، وغيرها من الأساطير الدينية الإغريقية الرومانية- التي تتحدث عن آلهة تهبط إلى عالم البشر، وتظهر على الأرض بهيئة إنسان!!.

ومع إعلان المسيحية ديانة رسمية للدولة الرومانية، تمَّ تثبيت وإقرار لديانة عبادة الأنثى المقدسة في القارة الأوربية.

الأنثى المقدسة بين الأمومة والإغراء

لم ينظر الرجل إلى المرأة على أنها كائن بشري طبيعي، فتلك الصفتان اللتان تمتلكهن المرأة، لطالما شكّلت للرجل لغزاً صعب حلّه، أو إدراك كوامن أسراره. أما الصفة الأولى؛ فهي صفة الأمومة، ومايتبعها من ألغاز، وما تتمتع به حاسة الأم السادسة، هذه الصفات وغيرها، جعلت الرجل يضفي على المرأة طابعاً إلهياً. وما يزيد هذا الطابع تأكيداً، تلك الصفة الثانية من صفات الأنثى، والتي لا تقل في غموضها وأسطورية قدراتها عن صفة الأمومة، وهي صفة الإغراء، تلك القوة اللامرئية التي تصدر عنها. وفي ذلك انقسم العالم إلى قسمين، الجزء الشرقي من العالم، حيث الثقافة الهندية، التي تركز على الجانب الأمومي للأنثى، و الذي هيمن على الحياة الفكرية والدينية. وهذا ما أدى إلى انتعاش المؤسسة الزوجية. وفي الجانب الأدبي ، نراه يميل بشكل واضح في تعامله مع الجانب الإغرائي للأنثى – إلى الوصف الخارجي البريء، والغزل العذري، الذي كان يقف عند حدود الكلمة، ولا يتعداها. في الوقت الذي نجد فيه المرأة الغربية، وقد اختارت الاتجاه المعاكس تماماً، واسترسلت في الإشباع الكامل لغريزتها الإغرائية، لدرجة أصبح فيها البغاء، هو الصفة الأكثر ملازمة لشخصية المرأة في الفكر الغربي، بل إن الثقافة الغربية، قد ذهبت إلى أكثر من ذلك، عندما جعلت صفة البغاء هي أكثر الصفات بروزاً في شخصية إلهة الغرب، التي هي أكثر معبوداتهم قداسة "أفروديت".

كما عرفت أوربا في تاريخها القديم، نظام تعدد الأزواج، حيث عُرف اصطلاحاً- باسم "الهيتيرية"، وهو نظام ينفي إمكانية تقديم أي دليل على النسب الأبوي، فكان تقرير النسب يتم من جهة الأم.

من هنا يبدو أن شخصية الأنثى المقدسة كان لها جانبان متناقضان، جانب الرجاء، وجانب الخوف. فبينما كان الرجاء يتمثل في معاني الأمومة، وهو الجانب الغالب في الثقافة الشرقية، نجد أن مصطلح الأنثى عند الغربيين، يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالسلطة الإغوائية، التي –دائماً- ما تكون مصحوبة بالمكر والخبث والغدر والخيانة. وهي النظرة التي تبنتها الكنيسة، التي لم تتورع يوماً عن وصف المرأة، بأنها سبب الفساد والدمار، وسلاح الشيطان الأقوى، وأنها الطريق الأقصر المؤدي إلى جهنم.

الإسلام آخر معاقل الإمبراطورية

استفاد الإسلام في شبه الجزيرة العربية من النزعة العرقية القبلية باستخدامها في تدعيم جذور المؤسسة الزوجية، وتقوية أساساتها، وبناها الهيكلية، ليجعل الإسلام من المؤسسة الزوجية البُنية التحتية الأولى، التي بنى فوقها صرحه التشريعي، بكل ما يحويه من أنظمة وقوانين اجتماعية ربانية. وفي سبيل ذلك أقرّ الإسلام كل ما من شأنه تقديس الجانب الأمومي للمرأة. وتقديس المؤسسة الزوجية، تقديساً ليس له علاقة، أو ارتباط، بأي مفهوم عرقي، أو عنصري.

لقد جعل الإسلام من المؤسسة الزوجية، قناعة استراتيجية، وفلسفة عقائدية، غرست جذورها في أعماق البنية الفكرية والتركيبية الثقافية لكل فرد من أفراد الأمة الإسلامية، لتدفع به إلى الاستماتة في الدفاع عن هذه المؤسسة، وحفظها من كل ما من شأنه أن يهدد وجودها، أو يمس سلامتها. ومن هنا جاء، تشريع الحجاب، ليحمي المؤسسة الزوجية، هذا البناء الاجتماعي من الأخطار، وكل ما من شأنه أن يعكر عليه الصفوة، أو يثير الشبهة من حوله.

واستعرض المؤلف في هذا الجانب الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية، التي تدعو إلى حماية الأسرة، والدفاع عن تماسكها، وتآلف أفرادها. مؤكداً على الحجاب، والجلباب، وأبناء الإماء. على الرغم أن هناك الكثير من الآيات القرآنية التي تبحث في جوانب مختلفة من واجبات المرأة تجاه أسرتها، لم يتطرق إليها، وهذا ما دفعه إلى جملة من التساؤلات حول واقع المرأة المسلمة. منها، لماذا يُحرم على المرأة المسلمة الزواج بغير المسلم، بينما يجوز للرجل المسلم الزواج بالكتابية؟

لماذا تُمنع الفتاة المسلمة التي تبلغ السادسة عشر، أو الثامنة عشر، أو أكبر من ذلك، من الاستقلال بنفسها، والخروج من بيت أهلها لتعيش في بيت مستقل بمفردها دون محرم، أو ولي من الرجال؟

لماذا تخضع الفتاة المسلمة، للوصاية والمراقبة الشديدة من قبل أهلها لجميع تصرفاتها، الأمر الذي لا يُطبق على الشاب المسلم؟

أليست هذه التساؤلات، أو الدعايات ، هي ما دعا إليه الغرب، ولا يزال، من أجل حرية المرأة، واستقلالها ؟

أليست هذه التساؤلات هي التي أوصلت المرأة الغربية إلى حالة من الاستهلاك، مارست معها كافة أشكال الانهيار الأخلاقي والجسدي؟

ماذا لو أمعن المؤلف النظر- كما فعل في التلموديات والأساطير اليونانية- في الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، التي أعطت للمرأة الكثير من الحقوق، كحق التعليم، وحق العمل الذي يتلاءم مع أنوثتها، ويصون جسدها وإنسانيتها، وحقها في امتلاك مالها، وحرية التصرف به. وغيرها كثير.... ربما استطاع حينها إيجاد الإجابات الكافية عن أسئلته، وأن يخرج بقناعة لا تستدعي أن يطرح هكذا تساؤلات.

 
 
   Bookmark and Share      
  
 الأنثى المقدسة وصراع الحضارات.. المرأة والتاريخ... مستقبل وبدايات

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7