الأحد 10 فبراير 2013

موضوعات العقيدة عند الدعوة السلفية

حين ترقب اهتمام الدعوة السلفية بموضوع شرك القبور وقضايا الأسماء والصفات، يعتريك شعورا غامضا بأنه ثم خلل ما، اعوجاج لا تستطيع الإمساك به أو الإشارة إليه، فمقولاتهم في تلك القضايا تخلو تقريبا من الخطأ، بل كلها مماثلة تماما لما كان عليه السلف، وكلها حق لا ريب فيه، فأين الخلل؟

 

كثيرا ما تكون أكثر الحقائق وضوحا هي أقلها إلفاتا للنظر، إن تلك (المماثلة مع السلف) نفسها هي ما يجب الوقوف عندها، الدعوة السلفية اكتفت من الحق بكونه وسيلة (للمماثلة) واستغنت عنه كـ (موضوع للصراع).

 

هذه الحالة من الخِدر والطمأنينة التي تشعرك بأنك على ما يرام لأنك (مطابق) لما كان عليه السلف، تعفيك تماما مما يفرضه عليك الحق من كفاح، الهروب إلى عالم بني أمية ألزم الدعوة السلفية بأن يكون اختيارها للحق أساسه هو أن يكون محدود الصلة بالواقع، أي أن يكون (خارج حلبة الصراع).

إن جريمة الدعوة السلفية هي أنها أهدرت (طاقة الالتزام) لدى الملايين من أتباعها على امتداد الدول العربية، وبددت (إرادة الاعتقاد) لديهم، ووجهت هذه الطاقة وتلك الإرادة في غير ما يحتاجه مستقبل هذا الدين.

*

إننا الآن أكثر قدرة وجرأة على الإمساك بالدعوة السلفية من تلابيبها، ولم يعد من الصعب علينا إدراك المغزى الهروبي لموضوعات شرك القبور وقضايا الأسماء والصفات.

 

تضخم اهتمام الدعوة السلفية بقضايا الأسماء والصفات، شأنه في ذلك شأن تضخم اهتمامها بعلم الحديث، كلاهما ممارسة انطوائية وتشرنق داخل زمان بني أمية الذي شهد بدايات الفرق والصراع بين إثبات ونفي الصفات. أما مرادهم من قضايا القبور فهو استلهام بيئة الدعوة النجدية والتي كان موضوع القبور هو الأشهر والأكثر أهمية فيها، تلك البيئة التي تمثل (المسار المكاني) الذي اعتمدته الدعوة السلفية للهروب.

 

اللامبالاة التي تبديها الدعوة السلفية تجاه قضايا الحق والباطل داخل حلبة الصراع، أي داخل الزمان المعاش، هذه اللامبالاة تمنحنا كل ما نحتاجه كمبرر لتجاهل أي اعتراضات متشنجة على كلامنا، فقضايا الحاكمية والولاء والبراء وقضايا الهيمنة الغربية والتبعية السياسية وفساد الأنظمة، لا تتناولها الدعوة السلفية إلا بعد تحويرها وسحبها واختزالها وتبريدها ووضعها في النهاية.. خارج حلبة الصراع.

*

الحساسية الشديدة التي ميزت الدعوة السلفية تجاه «سيد قطب» لن تفهم جيدا إلا في إطار فكرة (الحق الخارج عن حلبة الصراع)، سيد قطب كان مصارعا، كان يضغط على العصب المؤلم في الجسد الإسلامي، إنه المفكر الأول في الحركة الإسلامية، والأقرب إلى روح تلك الحركة والأدق لمسا لوجودها، لقد عبر الرجل عن الظاهرة الإسلامية حقا حين أعلن باسمنا عن عن انتهاء دور «الرجل الأبيض»، وعن ضرورة وحتمية الظهور الإسلامي كبديل حضاري للغرب.

 

لقد أزعجهم سيد قطب مرتين: مرة حين اقترب بفكره من (الواقع)، ومرة حين خالفهم في موضوعاتهم المسكونة بالخيال، فقام بتأويل صفة الاستواء، وتحدث في معاوية وعثمان رضي الله عنهما. هذا هو مكمن العداء بين الدعوة السلفية وبين سيد قطب.

 

إن تقييمنا لمآخذ السلفيين على سيد قطب في قضايا الأسماء والصفات هو كالتالي: لقد أصاب السلفيون وهم نيام، وأخطأ سيد قطب وهو يقظ. هم نيام لأن  أصل اهتمامهم بقضايا الأسماء والصفات يعكس حالة من المحاكاة المتخيلة لزمان لا يعيشون فيه، يمارسون نوعا من الحلم، وما المانع من أن يصيب النائم في حلمه فيتلفظ بما هو حق؟ الحركة الإسلامية ليست حركة إثبات الصفات، وإن كانت تثبتها، ولكنها حركة مواجهة مع الحضارة الغربية، وهذا جوهر وجودنا، وأي انحراف عن ذلك الجوهر بأي شكل من الأشكال هو انبعاج طارئ على صورتنا الاصلية.

 

مصطلح « الفكر الإسلامي» عند الدعوة السلفية

كل ما هو (واقعي مزعج) يتم تعبئته عند الدعوة السلفية في (لفظ غير شرعي)، أنا متصور لتلك الراحة التي شعر بها صالح بن عبد العزيز آل الشيخ بعد أن صرح بأن لفظ (الفكر الإسلامي) غير شرعي، إنه نفس الشعور الذي يشعر به أحدنا بعد أن يغلق الشباك عند نومه منعا للضوضاء، أما بكر أبو زيد فهو رجل منظم، يرتب سريره قبل أن ينام، لقد وضع مصطلح (الفكر الإسلامي) في قائمة (المناهي اللفظية)، وغط في نوم عميق.

 

لاحظ.. (المناهي اللفظية)، الطعن في الموضوع المزعج بمهاجمة اللفظ المعبر عنه، اللفظ، أو الشكل عموما، مجمع الاهتمام السلفي، ألم يختزل الألباني كل التضحيات المبذولة من أجل تطبيق الشريعة في أن (استخدام مصطلح الحاكمية بدعة؟!)، إنه لا يتخلص من المصطلح، بل يتخلص من الضوضاء التي يحدثها له.

 

يقول سيد قطب أن (القرآن ظاهرة كونية)، فيؤكد الألباني أنه لا يعرف مثل هذا اللفظ (الشاعري الإنشائي) الذي يصف به سيد قطب القرآن، ولا يعرف إلا أن (القرآن كلام الله غير مخلوق)، وينصح تلاميذه بأن لا يمنحوا لهذا الرجل الذي لأنه في النهاية مجرد شاعر أديب لا أكثر، أي طريق أقصر وأسهل من هذا ليتخفف الألباني من عناء وإزعاج موضوع تحليل القرآن كظاهرة كونية؟.

 

عداء السلفيين للجهاديين

هناك قاعدة لفهم الأنماط الإسلامية عموما، هي أن النمط دائما ما يتخلى عن شعاراته حين تتعارض مع احتياجاته، من خلال تلك القاعدة فهمنا خيانة الدعوة السلفية للسلف في قضايا الأسماء والأحكام، لقد كانوا بحاجة إليهم لتبرير عدم الخروج على الحاكم، وكانوا بحاجة إلى عدم الخروج على الحاكم لتمثل الحياة القديمة أيام بني أمية، وكانوا بحاجة إلى تمثل تلك الحياة لتأكيد مغادرتهم للمجتمع.

 

المثال الحالي لتضحية الدعوة السلفية بتعاليم السلف، هو موقفهم العدائي من الجهاديين، لكن لن أحكم عليهم بخيانة السلف من خلال أفكار لا يعتقدونها، بل سأفترض معهم أن الجهاديين خوارج، فهل بالفعل موقف السلف من الخوارج على بني أمية هو موقف السلفيين من الخوارج (!) على الأنظمة الفاسدة؟

 

موقف السلف من الخوارج واضح، وهو أنهم لو خرجوا على الظالمين فيجب الامتناع عن إعانة الظالمين عليهم «لأن لهم مقالة»، أي وجهة نظر مقبولة، أما موقف الدعوة السلفية من الجهاديين والذي وصل لدرجة الإرشاد عنهم لأمن الدولة والنهي عن إعالة أسرهم أثناء اعتقالهم، فيعود إلى طبيعة النمط نفسه، والذي اعتبر الجهاديين شكل من أشكال تهديد وجوده.

*

«النبوة.. هل هي وهبية أم كسبية؟»، نموذج آخر للموضوعات التي أثيرت قديما لأسباب تتعلق بسياقها التاريخي، ويعاد إثارتها في البيئة السلفية حديثا رغم زوال سياقها وضرورتها، قديما ظهر في الأمة تيارين متخاصمين مع أهل السنة بخصوص منهج التلقي، تيار الفلاسفة المشائين (الفارابي وابن سينا وغيرهما)، والتيار الإشراقي العرفاني (ابن عربي والسهروردي وغيرهما)، وكان كل منهم يدعي أن النبوة يمكن أن تكتسب من طريقه، التيار الأول قارن بين النبي والفيلسوف، وادعى أن الأخير يمكنه اكتساب النبوة بالرياضة الذهنية، والتيار الثاني قارن بين النبي والولي وادعى أن الأخير يمكنه اكتساب النبوة بالرياضة الروحية، فأكد أهل السنة أن النبوة وهبية لا كسبية. هذا هو السياق التاريخي الذي أثيرت لأجله مسألة أن النبوة (وهبية لا كسبية). حين تحاصر غزة، ويتصادف أن تدخل مسجدا سلفيا للصلاة، فتفاجأ بدرس علم موضوعه هو ذلك الموضوع المذكور، فلا بد أن يدق في ذهنك ناقوس الخطر.

*

كمصممي الشعارات، يتفنن الشيخ السلفي عبد الرحمن البيلي في تكثيف السلفية في لوحة ليسهل استحضارها ذهنيا في كل وقت، فيقول: «المنهج السلفي هو الكتاب السلفي يشرحه الشيخ السلفي بفهم السلف»، لوحة جميلة ولكنها مليئة بالخداع البصري!.

 
 
   Bookmark and Share      
  
 البناء النفسي للشخصية السلفية 6

متابع - مصر الإثنين 11 فبراير 2013 10:51:51 بتوقيت مكة
   .
الله الله في جيل الصحوة الثانية !
 

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7