الأربعاء 13 فبراير 2013
New Page 1

تحرير مفهوم الماضوية والاغتراب

تحرير مفهوم الماضوية.

من الضروري جدا فهم العلاقة المعقدة التي تربط الظاهرة الإسلامية بالتاريخ أو بالتراث أو بالماضي.

الظاهرة الإسلامية عموما والدعوة السلفية كأحد فصائلها، كل منهما يمثل له (التاريخ) معنى مناقض للمعنى الذي يمثله للأخرى، أي أننا أمام معنيين متناقضين لـ (التاريخ) كل منهما متمثل في ظاهرتين متداخلتين أصلا.

الظاهرة الإسلامية العامة هي (نمط هجومي) انبثق من جسم الأمة كحركة رفض للهيمنة الغربية واكتسب صفته الإسلامية من توجهه الغريزي نحو التراث، ذلك التوجه الذي كان بقصد الاحتشاد النفسي والتعبئة الروحية للصراع مع الحضارة الغربية. حيث يمثل التاريخ أحد الإمكانيات الهامة في مجال الصراع الحضاري. راجع ما ذكره الدكتور حامد ربيع حول الوظيفة السياسية للتراث التيوتوني والروماني واليهودي عند النازية والفاشية والصهيونية. (التعليق على كتاب سلوك المالك في تدبير الممالك).

أما الدعوة السلفية فهي (نمط هروبي) انشق عن جسم الظاهرة الإسلامية كنزعة انهزامية أمام ضغط المجتمع الرافض للنمط الهجومي الإسلامي العام، (راجع الحلقات السادسة والسابعة والثامنة من سلسلة الحركة الإسلامية بين جوهر الكمال وعوارض النقص للوقوف على أسباب ذلك الرفض).

التاريخ كمهرب يمكنك تمييزه حين تختفي مفردات الصراع مع الآخر تماما أو تكاد، وتميزه أيضا حين تتضخم فجأة مفردات تاريخية ليس لها علاقة بالصراع، أم التاريخ كأداة للهجوم فتطمئن إلى وجوده حين ترى الصراع قائم بالفعل.

هذا التمييز بين «النزعة الهجومية التراثية للحركة الإسلامية» وبين «النزعة الهروبية الأموية للدعوة السلفية» هو بقصد حماية فكرة «إحياء التراث» من أن تختلط بظواهر غريبة عنها ونقيضة لها، ليس هناك إسلاميون بدون تراث، ويستحيل التفكير في نصر حضاري بدون إسلاميين.

الواقع أن النزعتين الماضويتين لم تختلطا فقط نتيجة تداخل الظاهرتين الحاملتين لهما، بل تم الخلط بينهما عمدا وبإلحاح وإصرار من الطرف العلماني، وتحولت فكرة (الماضوية الهروبية للظاهرة الإسلامية) هي أحد أهم مفردات خطابه الدعائي المضاد. وهنا نشير إلى الجريمة غير المقصودة من الدعوة السلفية بحق الظاهرة التي تنتمي إليها، فقد يسرت، بتصرفاتها الصبيانية، على الطرف العلماني فرصة تأكيد مزاعمه تجاه الإسلاميين عموما.

ذلك الخلط العلماني المتعمد بين النزعة الهروبية وبين الظاهرة الإسلامية ليس فقط مجرد استغلال للموقف، الحقيقة أن الخطاب العلماني لم يكن لينتظر الدعوة السلفية حتى يستغل الفرصة، بل إن ذلك الزعم مصدره الأساسي هو البناء النفسي للظاهرة العلمانية نفسها، حيث تلعب آلية (الإسقاط) دورا رئيسيا في ذلك الزعم، فالعلمانية هي أصلا نزعة هروبية أمام الحضارة الغربية قوامها التوحد بالخصم الحضاري بهدف إنكار حالة الخصومة والتحلل من تبعاتها الكفاحية.  

*

تحرير مفهوم الاغتراب

ثم إشكال يتعلق بمفهوم الاغتراب أيضا، لقد نهض فرضنا على أن الأنماط الإسلامية هي وسائل تكيف مع أزمة الاغتراب مع المجتمع، أي أننا بشكل ضمني قد عالجنا الاغتراب باعتباره خلل نشأ عنه أعراض، عرض «محاكاة المجتمع» وعرض «الهروب من المجتمع»، أي النمط الإخواني والنمط السلفي. غير أن الاغتراب في التراث يحمل معنى إيجابي يتعلق بالوضع الطبيعي بين الحق بما عليه من قلة والباطل بما يحظى به من كثرة. كما أن (الغرباء) موعودين ومحفزين بالتمكين في النهاية الدنيوية وبالمصير الحسن في الآخرة. فما هو موضع (الاغتراب) فيما نحن فيه؟.

الحقيقة أن الخلل ليس في أصل وجود الاغتراب، بل في بنيته ذاتها، دعونا نفرق بين اغترابين، (الاغتراب الإيجابي) الذي تكون فيه الذات قادرة على إدانة المجتمع ووضعه بين قوسين، والذي يعكس ثقة بالنفس وصلابة في الإيمان، وينشأ عنه شعور بإدانة المجتمع ووضعه بين قوسين، «أنا غريب عن المجتمع الذي لا خير فيه إلا بأن يتخلص مما هو عليه، أنا محظوظ لإني لست مثل هؤلاء المساكين»،  أما (الاغتراب السلبي) فهو الذي تدين فيها الذات نفسها أمام المجتمع واضعة نفسها بين قوسين أمامه، والذي يعكس شعورا بالذنب والعار والخجل، «ما بال هذا المجتمع يرتاب فيّ ويستغربني بهذا الشكل، لا بد أن أعثر على وسيلة أتخلص بها من تلك النظرة القاتلة»، هكذا يبدو الاغتراب السلبي، ومن هنا تنشأ الأنماط المشوهة.

الاغتراب الإيجابي هو نتيجة للركون إلى الله كملجأ وملاذ أعظم وأجلّ وأعزّ من المجتمع، ركون تتولد به القدرة على إدانة المجتمع ومسائلته، وتتوفر به إمكانية السخرية منه: «إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون» (هود /38)، أما الاغتراب السلبي فهو نتيجة طبيعية لمخالفة المجتمع دون التحلل من سطوته، حيث تتلقى من المجتمع انتقامه دون أن تقدر على صد العدوان، فتتحول باغترابك إلى وسائل خيالية تلعق بها جراحك، فتحاكي المجتمع أو تفر منه مستغرقا في الاختلاف.

وفي هذا الصدد يمكننا الحديث أيضا عن الاختلاف الهروبي والاختلاف الاستعلائي، الاختلاف الأخير هو مطلب شرعي أساسا، ومنه مخالفة اليهود والنصارى، ويكون بقصد حماية الذات من التشابه مع من هم أقل منها، أما الاختلاف الهروبي فيكون بقصد نفي موقف المقارنة أصلا، ويكون بقصد حماية الذات ممن يمثل أمامها كتهديد.

ربما كان علينا أن نلجأ إلى الله لجوءا صادقا ونستمد منه الطمأنينة واليقين قبل أن نفكر في معاداة المجتمع، والفرصة لا زالت سانحة.

 
 
   Bookmark and Share      
  
 تحرير مفهوم الماضوية والاغتراب

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7