الرئيسة قراءة في كتاب لاهوت الغلبة.. التأسيس الديني للفلسفة السياسية الأمريكية
 
الثلاثاء 13 أكتوبر 2009

عزيزة سبيني

لاهوت الغلبة.. التأسيس الديني للفلسفة السياسية الأمريكية  

يقول الكاتب الأمريكي (هرمان ملفيل): «لا نستطيع إراقة قطرة واحدة من الدم الأمريكي من دون أن يُراق دم العالم كله. دَمُنا نحن أشبه بطوفان الأمازون. إنه دم مؤلف من مئات التيارات النبيلة المترافدة في مجرى واحد. نحن لسنا أمة، بمقدار ما نحن عالم. فما لم نكن قادرين على أن نزعم أن العالم كله هو لأبينا وسيدنا، مثل ملك إبراهيم، يبقى نسبنا ضائعاً في الأبوة الكونية الشاملة».

على مثل هذه الروح تتكئ الأيديولوجيا الأمريكية، التي هي روح رسولية يشترك فيها السياسي والديني، والغيبي والأرضي، من دون تفاوت. وهي روح لا تزال مستمرة وسارية في الزمان والمكان منذ عهد الاستيطان. ولو عدنا إلى وثيقة ماي فلاور لعام 620، لرأينا كيف شبه أول حاكم لمدينة بوسطن مدينته بالقدس الجديدة!!.

وبعد قرون انكشف الخطاب الأمريكي عن رسولية مزعومة لا تفاجئ أحداً، إذ على الأمريكيين "حمل مشعل الأخلاق السياسي والعسكري في قانون القوة، كما عليهم أن يصبحوا قدوة للشعوب". من هذه الفكرة بدأت  أمريكا بالأيديولوجيا لتؤسس الدولة بالفكرة، ثم لتحيي فكرة الأمة بالعقيدة، حتى جورج بوش الذي دخل مغامرته ليخوض حربين عالميتين بعد الحادي عشر من أيلول، سوف يحفر في سر الإشكال ويقول:"لا يوجد عرق أمريكي بل عقيدة أمريكية".

من هذه المقولات وغيرها من الأفكار، انطلق الكاتب محمود حيدر في كتابه (لاهوت الغلبة) ليعرض التأسيس الديني الفلسفي الذي بنيت عليه السياسية الأمريكية، ساعياً إلى تظهير حاضرية الدين في تشكيل الهندسة العامة للأطروحة الأمريكية بأحيازها الأيديولوجية، والثقافية، والاقتصادية، والسياسية، والإستراتيجية.

 مشيراً إلى مساحات الفعل اللاهوتي المسيحي البروتستانتي في نشوء أمريكا. فعل يمكن معه القول، إن هذه الأخيرة إنما هي ظاهرة دينية بامتياز. ورفقاً لهذا المسعى، فقد قسم كتابه إلى فصول سبعة وخاتمة.

 

طبائع أمريكا الأولى- فلسفة الولادة

في الفصل الأول يشير إلى طبائع أمريكا الأولى وفلسفة الولادة، عارضاً العامل الديني، كعامل حاسم ومكوّن في بلورة فلسفة الولادة وتظهيرها. ممهداً للعناصر التأسيسية التي نشأت عليها الأطروحة الأمريكية من خلال بيان الدور الذي اضطلعت فيه النخب الطهرانية الإنكليزية بصيغتها الأمريكية، لجهة بلورة ديانة عملية من سماتها، جمع اللامتناهي الديني، إلى الخرائط التفصيلية لبناء العالم الجديد. وتقوم فلسفة الولادة الأمريكية على الجمع بين شيئين متعاكسين، هما التدين والحرية. حيث كان لدى الأمريكيين الأوائل المشبعين بفنون تسييل الميتافيزيقيا داخل قنوات السياسة والاقتصاد وأنماط الحياة الأخرى، القدرة على ممارسة إجراءات الوصل والفصل بين العلمانية والدين، كلما اقتضت شرائط مشروعهم الحضاري ذلك.

 

أمريكا بما هي دولة دينية- مثلث الأصولية والليبرالية والإنجيلية

يظهر في الفصل الثاني أن أمريكا بما هي دولة دينية، إلا أنها تبدو كمثلث، أطرافه (الأصولية والليبرالية والإنجيلية)، باعتبارها التيارات الدينية الرئيسة في التاريخ الأمريكي، مركزاً بصفة محورية على المرجعية البروتستانتية، التي لم تكن في الحقيقة سوى (الدين المسيحي الجديد) الذي سيؤسس للميتافيزيقيا الثقافية والسياسية للأمة الناشئة، وأن مجمل الظواهر والفرق والطوائف الدينية، إنما هي وليدة الحراك الإجمالي للتجديد البروتستانتي، الذي حدث داخل الكنيسة المسيحية الكاثوليكية، الذي أدى بدوره إلى جدل عميق في العلاقة بين التدين والعلمنة، هذا الجدل نتج عنه ولادة أول جمهورية علمانية في العصر الحديث.

 

فلسفة المكان – مفارقات النزعة القومية الأمريكية

يسلط الكاتب في هذا الفصل الضوء على النزعة القومية في أمريكا وعناصرها المكوّنة. حيث أشار إلى أن المكان (الأرض لساكنيها الجدد) ينبسط كعنصر مؤسس في الفلسفة السياسية الدينية الأمريكية. فلا تغادر الجغرافيا التي حلَّ فيها المهاجرون، مقاصدها الرسالية، وأبعادها الميتافيزيقية. فيتحول المكان إلى قلعة مقدسة تفيض بما فيها من فضائل على العالم كله. وفي محور آخر يرى أن التاريخ الأمريكي يظهر كمشهد إيديولوجي متصل الأطوار والأحقاب. ولنتمكن من معرفة تاريخ الولايات المتحدة يفترض بالضرورة الفهم العميق للنزعة القومية، التي تكونت بشكل أساسي على قواعد تمتزج فيها تلك النزعة بالعقيدة الدينية، ثم ليشكلان معاً البناء الأيديولوجي للتاريخ الأمريكي. كما ولّدت عقيدة (المصير الظاهر) أو (القدر المتجلي) حقلاً معرفياً خصيباً لتوليد عناصر تسديد إضافية للوعي القومي الأمريكي. حيث ضاعفت هذه العقيدة من الرغبات الجامحة للتوسع والاحتلال.

 

تأصيل لمعنى أمريكا الإسرائيلي

تأصيل لمعنى أمريكا الإسرائيلي، أي العودة للجذور اللاهوتية والفلسفية التي اتكأ عليها المؤسسون الأوائل لصوغ البناء المعرفي للأطروحة الأمريكية. وهو يسعى بذلك –أي المؤلف- إلى بيان المشترك المعنوي للنشأتين الأمريكية والإسرائيلية، بما هو مشترك يقوم على بعدين يُظهران وحدة المصير والسلوك والممارسة والغاية، فيتمثل البعد الأول، في السمة الاستيطانية لكلا الولادتين. ويتجلى البعد الثاني، في السمة اللاهوتية التوراتية، التي تبرز الوجه الميتافيزيقي للظاهرتين الأمريكية والإسرائيلية. مع ما لهذا الوجه من أثر حاسم في ترسيخ الطابع الرسالي لكل منهما. فكما أن الدين حاضر في تكوين الولادة الأمريكية، هو حاضر في المثال المعاصر للدولة اليهودية في فلسطين. وعلى اعتبار أن هاتين الظاهرتين جاءتا من نفس واحدة، فستؤولان حتماً إلى غاية واحدة، ومصير متشابه.

فلسفة الحرب

يشير في هذا الفصل إلى فلسفة الحرب باعتبارها، واحدة من أبرز مكونات التجربة التاريخية الأمريكية، التي ترتب عليها منظومة قيمية وأخلاقية وتربوية، خلاصتها، النظر إلى الحرب كحامل حضاري مآله استنقاذ العالم كله من ظلمة الجاهلية!؟. وقد اكتست الحروب الأمريكية رداءً لاهوتياً ورسالياً غمر الممارسات الحربية بدفء كلماته. وعلى قوام التأويل الفلسفي لماهية الحرب، سوف يتكثف تعريف الأصل الروحي لأمريكا، بأن الحرب ضد السكان الأصليين –في أمريكا- هي حرب ضد الساكن الأصلي. ويخلص المؤلف، بأن فلسفة الحرب في الظاهرة الأمريكية، تبدو وكأنها مكتفية بذاتها. فهي تقوم على حكم ميتافيزيقي يقضي بنفي وإقصاء ما يخالفه باعتبار فعله فعلاً إلهياً لا شِيَةَ فيه.

 

الفوضى الدائمة

الفوضى الدائمة ، أو التمرينات الأخيرة للمحافظين الجدد، هي ما يقرأه المؤلف في هذا الفصل، ساعياً إلى استقراء التحولات التي شهدتها الاستراتيجيات الأمريكية العليا مع وصول تيار المحافظية الجديدة إلى السلطة في السنوات الأولى من القرن الواحد والعشرين، وستبدو الولايات المتحدة في هذه المرحلة، أدنى إلى مرآة تعكس أكثر إفصاحات الإمبريالية الدينية عن نفسها، وعن مقاصدها الخارجية. مشيراً إلى نظرية الفوضى الخلاقة، باعتبارها نظرية متأتية من لاهوت سياسي يفترض وجود خطر وشيك من عدو يتهدد أمريكا في كل لحظة. أو كما يقوم على افتراض ألا يكون التهديد حاصلاً بالضرورة من جانب دولة، أو منظمة إرهابية بعينهما. فيكفي لدى الإدارة الأمريكية أن يتم التصور، أو الظن، حتى يؤخذ القرار بشن حرب!!. ولئن كانت نظرية الفوضى تتأسس نظرياً على ثنائية التفكيك والتركيب فذلك يعني أن اللاهوت الاستراتيجي الأمريكي بصيغته الراهنة، لم يعد يأتيه اليقين إلا وسط عالم تكون الفوضى فيه سبيلاً لإعادة تشكيله على نصاب يوافق المهمة الأمريكية من منظورها الديني.

 

نقاد الإمبراطورية المعصومة

يتناول في هذا الفصل بالنقد أحد أهم المآلات المنطقية المعاصرة لـ "لاهوت الغلبة". حيث شهدت مسارات الحروب الأمريكية على العالم، ذروة احتدامها في أواخر القرن الماضي، وبدايات القرن الواحد والعشرين. مشيراً إلى الجدل الداخلي حول الإخفاقات التي تعرضت لها حروب أمريكا في ميادين الجغرافيات الإسلامية و العربية، بعد أحداث الحادي عشر من أيلول/سبتمر. من خلال استعراضه لأهم مفكريهم الذين ابتدعوا مصطلحات تتناسب مع طموحات حكومتهم (صموئيل هانتيغون، زبيغنيو بريجنسكي، فرانسيس فوكوياما، هنري كيسنجر)، فضلاً عن مواقف عدد ممن ينتسبون إلى تيار المحافظين الأمريكيين.

وأمريكا اليوم تريد أن تحكم العالم. وهي تعكف على إنجاز هذه المهمة, بآليات وأساليب وذرائع لا حصر لها. إلا أن مثل هذا الهدف يراوح بين الافتراض والحقيقة. وضمن هذه البرهنة الإنتقالية ستسعى أمريكا إلى تكييف العالم مع رحلتها المدوية. ولا يمكننا إلا أن نذكر كيف قُيض لها أن تملك " الحظ التاريخي" في عمليات التكييف ولو إلى حين. فالولايات المتحدة التي وصفها هانتيغون، بأنها مجتمع من الطراز الذي كانت تحكمه أسرة (تيودور)، قد تحرز نجاحاً في عالم يشبه عصر الملكة إليزابيت الأولى بصورة جديدة، فيه صراعات شبه دينية، ودولة قَبَلية، ومغامرون في التجارة، وأساطيل حربية، وقتلة.....

 
 
   Bookmark and Share      
  
 لاهوت الغلبة.. التأسيس الديني للفلسفة السياسية الأمريكية

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7