الرئيسة قراءة في كتاب اليهودية والغيرية.. غير اليهود في منظار اليهودية
 
الثلاثاء 13 أكتوبر 2009

عزيزة سبيني

اليهودية والغيرية.. غير اليهود في منظار اليهودية  

الكتاب: اليهودية والغيرية

المؤلف: ألبيرتو دانزول

ترجمة: د.ماري شهرستان

الناشر: دار الأوائل/دمشق

تاريخ النشر: 2009

هناك بشر غير قادرين على مقاربة الله. هذا ما عبّر عنه الكاتب الفرنسي "ألبيرتو دانزول" الذي يتمتع بخلفية ثقافية علمانية، محاولاً إلقاء الضوء على هيكلية خفايا التفاسير اليهودية والتلمود التي شكّلت شخصية اليهودي حتى غدا أشد المخلوقات عداوة لبني البشر.

وفي كتاب اليهودية والغيرية، يبحث "دانزول" في علاقة اليهودي بالآخرين من خلال مقاربته للنصوص اليهودية القديمة متبعاً الحاخامات الذين بالنسبة لهم لا يمكن لأي نص توراتي أن يُفصل عن معناه الحرفي مع تبيان الأثر المشؤوم لبعض النصوص التوراتية عن العلاقات التاريخية لليهودي مع غير اليهودي.

اليهودية والغيرية في القرن الأول

يقدم الكاتب في هذا الفصل لمحة سريعة عن اليهودية والآخر في القرن الأول، اعتماداً على مصادر يهودية، وأخرى غير يهودية، الأولى تؤكد الثانية والعكس صحيح. فحسب "ارنست رينان" كانت اليهودية في العصر الروماني تحتوي على مبدأ ذي شكلية ضيقة، وتعصب مطلق، ومحتقر للأجنبي. ويصادق "فيلافيوس جوزف" على أقول "رينان" فيكتب أن الحرب التي قامت بين اليهود والرومان من 66إلى 74، كان سببها رفض قبول الهبات والتضحيات الآتية من الأجانب، ويبدو أن هذا المنطق قد طبع تياراً كبيراً في المجتمع اليهودي للقرن الأول، وهو يفسر، المقاومة اليهودية للسيطرة الأجنبية، والحرب التي تبعته. ويبين- أيضاً- ثبات انشقاق الرسول بولس. لأن هذا المجتمع بدا، وقتها، أنه قد انغلق على نفسه، وأخذ ينشط عملية إقصاء واستبعاد الآخرين. كما يظهر الغليان الديني في تلك الفترة- وكما يشهد به جوزف- حركة انغلاق على التوراة تتكون بشكل موازي لهذه الإدارة الانفصالية واستبعاد الآخرين، ومن المؤكد أن هناك علاقة بين هاتين الظاهرتين، وبين الانفصال الذي يأخذ شرعيته من النصوص التوراتية القديمة. ويؤكد "جول إسحق" بهذا الصدد: " لقد قلنا سابقاً لماذا هذا الانفصال الذي يفرضه الإيمان اليهودي (بيهوه) و (يُحتمه)، وكذلك الاعتقاد بالتوراة".

مجتمع محوجب (محوجز)

يشير المؤلف إلى أسباب الفصل في المعبد بين الرجال والنساء، فهو مرتبط بأسباب دينية وروحية، وهذا يمكن فهمه في الأديان بشكل عام، أما أن يكون الفصل بين الرجال أنفسهم فهذا ما لا يمكن فهمه، حيث إن الشريعة التوراتية تؤكد على ضرورة الفصل بين الكهنة، والرجال، والعاجزين والجذاميين، والخدم وغيرهم...

فكيف تنظر الديانة اليهودية للمرأة، والرجل غير الكاهن؟.

استناداً إلى المصادر القانونية والدينية اليهودية، فإن تعليم المرأة التوراة هو نوع من الفجور، والمرأة عندهم مرتبطة بالفنون السحرية، وإن إكثار النساء هو إكثار الإسحار، والموقع الاجتماعي للمرأة هو –بدون شك- الانعكاس الدقيق لموقعها الديني، فالمرأة هنا، قاصر أبدي، معزولة عن الحياة العامة، وقضائياً، هي ثروة ملك الرجل. والرجل هو الذي سمى المرأة، وهذا يشير إلى أنه امتلكها. ومنذ السقوط لم تعد المرأة العون المساعد، إنما الخادمة لزوجها. أما بالنسبة للعاجز والمريض فإنه لا يستطيع أن يصل ويدخل إلى الكهنوتية، حتى لو كان من عائلة كهنوتية، فالأمراض، والعاهات، والمهن المحتقرة، أو الأوضاع الشائنة يمكن أن تشكل دافعاً للإبعاد. أما العبيد فهناك مقاطع عديدة في التوراة تظهر خضوع شعوب بأكملها بالقوة لخدمة أبناء إسرائيل ( الغابانيون، المؤابيون، الأدوميون). والأمور بالنسبة للعبد تسير مثل كل الأمور الأخرى، فاختلاف المنشأ يحدد اختلاف المعاملة. إذ إن العبراني –حتى لو كان عبداً- فهو كائن مقدس ومنذور لخدمة الله، وذلك على عكس الأجنبي، الذي يمكن أن يكون في خدمة اليهودي، وذلك في بعض الحالات.

ومن موسى إلى جوزف، يبدو فوبيا الآخر في المجتمع اليهودي مدعومة بشريعة توراتية مقدسة. وقد فضح "سيبوزا" في القرن السابع عشر هذا البغض للأجنبي المفروض عند اليهود وكأنه واجب مقدس، وذلك في مؤلفه(تراكتا توس).

هذا المجتمع اليهودي ذو فوبيا الآخر يبدو، وكأنه مجتمع متضامن، وفي آن واحد محوجب، وذلك حتى لا تختلط فيه أصناف الأفراد المختلفة التي تكونه، ومنفصل حتى لا تتدنس مملكة الكهنة والأمة المقدسة بالاحتكاك بالشعوب الدنسة، فهي مؤلفة من أفراد متواجدين على مفترق سلالة ذات عهد مقدس، فاليهودي يصنف نفسه بنسبه، فهو ابن إبراهيم، وبتدينه، فهو كاهن يهوه، هو إذاً حسب رؤيته- ثمرة طبيعية بيولوجية وثقافة دينية ممزوجتان بشكل صميمي: لذلك، لكي تكون يهودياً – بشكل كامل- ينقصك، دوماً، شيء ما، وإلا كنت متيهوداً!!.

ومهما كان من أمر، فإن فكرة العنصرية التوراتية المحركة بدوافع دينية لا تصمد أمام ما تورده النصوص، وإذا كان النسب والانتماء العرقي يبرران الإبادة لبعض الشعوب، ونبذ بعضها الآخر. فإقصاء الأجنبي مثلاً في كتاب "إيسدراس"، يتم دون الاهتمام بمعتقداته الدينية، بينما على العكس من ذلك، فإن الإسرائيلي يكون دمجه ممكناً بمجرد أن يثبت نسبه وسلالته، وليس إيمانه بالمشهد الذي يجسد عودة اليهود مع زورو بابل إلا مثال لهذا الاهتمام العنصري قبل كل شيء.

وهنا يمكننا أن نفترض أن فوبيا الآخر، كانت عاملاً تاريخياً هاماً، حتى لو أنه من الصعب تقييمها بدقة. ويبدو أنه من المحتمل أنها كانت الثابتة الحاسمة في الاختيارات السياسية لليهود في اليهودية، أو في تصرفاتهم الاجتماعية في الشتات، ومهما يكن، فإنه لا يمكن أن نقيم اقتصاد هذا العامل (فوبيا الآخر) الغيري المرضي في دراسة حفظ الديانة والهوية اليهودية حتى يومنا هذا.

 
 
   Bookmark and Share      
  
  اليهودية والغيرية.. غير اليهود في منظار اليهودية

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7