الرئيسة قراءة في كتابالأنا والآخر من منظور قرآني
 
الثلاثاء 13 أكتوبر 2009

الأنا والآخر من منظور قرآني .. الرؤية الغربية قلَّصت بذرة الحرية والمساواة في تعاملها مع الآخر  

منذ بداية عصر الدولة القومية في منتصف القرن السابع عشر، أجمعت التيارات الفكرية على ثنائية: الأنا الغربي (المتحضر) والآخر غير الغربي (المتوحش)، وتولدت عنها إفرازات مفتعلة تتسع قائمتها يوماً بعد يوم. كما وقعت الدولة القومية في مفارقة الفصل بين السياسة والدين، ودعوة غيره إلى ذلك، واتفق الليبراليون والمحافظون، ومعظم التيارات الغربية، على أن الاستعمار وتفكيك الأنظمة الثقافية للشعوب غير الغربية، وفرض الوصاية عليها هو رسالة مقدَّسة. ووظّف الأوربيون الدين والعلم معاً لخدمة نظريتهم الاستعلائية تجاه الآخر. وتبدو أن فكرة (الآخر)- كما تجسَّدت من المنظور الغربي- تنبع من مصدرين لا ثالث لهما، هما: الخوف من المجهول، والسعي إلى تحميل (الآخر) بكل عيوب (الأنا) وسلبياته، بدلاً من السعي للتعرف عليه من واقع منطقه الذاتي. ونتيجة لذلك فإن (الأنا) الحديث يرسم صورة ذهنية مصطنعة للآخر، يحكمه فيها مبدأ الغاية تبرر الوسيلة. وغاية تلك الصورة الذهنية هي تسويغ الهيمنة على (الآخر) والصراع في مواجهته.

فما هو السبيل إلى التخلص من هذا الناظم الغربي؟ وكيف يمكن استعادة الناظم الجامع بين الإنسان من جهة، وبين الإنسان وكل ما في الكون من جهة أخرى؟ أسئلة سعى للإجابة عنها الدكتور السيد عمر في كتابه (الأنا والآخر من منظور قرآني)، فقرأ في الفصل الأول الرؤية الكونية الإسلامية للأنا والآخر، ساعياً إلى رسم خريطة أولية للرؤية الكونية الإسلامية للأنا والآخر، عبر استقراء ركائز العلاقة التوحيدية، وأهم مضامينها السياسية ذات الصلة. حيث تنصب ركائز العلاقة حول التغاير والتواصل في آن واحد بين الإنسان وخالقه من جهة، وبين الإنسان وبقية ما في الكون من مخلوقات من جهة ثانية. مشيراً إلى أن  العلاقة بين الإنسان والإنسان تقوم على مبدأ المساواة المطلقة والتواصل والتراحم. ويرتكز المؤلف في استقرائه لنظريته هذه على سبعة محاور، هي: انفراد الله سبحانه وتعالى بالآخرية المطلقة، وبوصف الأنا المطلق، والعهد الإلهي المؤسس كنواة للمنظومة العلاقية الكونية، و شبكة العلاقات الكونية، و العلاقة التوحيدية بين الإنسان والكون، و شمول الناظم التوحيدي لمن في الكون وما فيه من مخلوقات، ومنظومة النصيحة. هذه المحاور يعتبرها، من أهم خصوصيات الأمة التي تتخذ من التوحيد ناظماً لها، على صعيد شبكة علاقاتها مع ذاتها ومع الآخر. مشيراً إلى أن الأمة الإسلامية ذات طابع عالمي جامع، وتؤهلها هويتها الإسلامية لأن تكون قطباً ناظماً جامعاً للبشرية كلها عبر الزمان والمكان. فهذه الهوية تصبغها بصبغة الله التي تجعلها ذات طبيعة خاصة من أهم سماتها:

-         رفض التمركز حول العِرق: فكل إنسان في المنظور الإسلامي يعتبر عضواً مفطوراً على الإسلام، من حقه الدعوة والبلاغ ما دام حياً. ولا يعترف الإسلام فقط، بالأنساق المجتمعية الدنيا، بل يحرص عليها، وينظم الخلافة الفرعية في كل منها. ويرفض جملة وتفصيلاً أن يكون أي من هذه الأنساق هو السقف الأعلى للأمة، أو المعيار الأعلى للخير والشر.

-         وهي أيضاً، أمة صاحبة رسالة: لتحقيق إرادة الله في الأرض، لكنها ليست غاية بحد ذاتها.

-         وأخيراً هي أمة جامعة: يتطلب التوحيد من الإنسان أن يتفاعل مع الموجودات، ويسعى إلى التفعيل الإسلامي لها، متجاوزاً حبَّ الخير لنفسه إلى أن يحب لغيره ما يحبه لنفسه.

وباعتبار أن الأمة الإسلامية، بوصفها أمة خلافة فإن شبكة علاقاتها البينية تتسم بخصائص لا قوام لها إلا بها مجتمعة:

أولاها، إجماع الرؤية: حيث يتأسس هذا الإجماع على الاجتهاد في التعرف على جوهر القيم التأسيسية المعبرة عن الإرادة الإلهية، والسنن الكونية ذات العلاقة بها. والغاية من إجماع الرؤية إقامة النموذج الإسلامي في أرض الواقع.

ثانياً، إجماع الإرادة: والمراد به أن تكون إرادة الأمة موافقة للإرادة الإلهية، حيث يتعين أن تكون الهوية الإسلامية الجامعة هي أساس الوعي الفردي والجماعي للخلافة، وأن تصبَّ كل الهويات الأخرى في وعائها وتنتظم بنظامها، وهذا ما يستدعي –حسب المؤلف- منظومة مفتاحها الفرد المسلم الواعي بالقرآن والسنة وسيرة السلف الصالح، المرتبط بالجامع والجماعة.

ثالثا، إجماع العمل الصالح: بوصفه تجسيداً لما انعقدت عليه رؤية الأمة وإرادتها، فلا بد أن يكون هو الآخر عملية دينامية لا تنتهي بالنسبة إلى الإنسان المكلَّف إلا إذا فاضت روحه إلى بارئها. وموضوع العمل الصالح هو إشباع للضروريات والحاجيات والتحسينيات المادية والمعنوية للفرد والأمة، فيما يتعلق بحفظ مقاصد الشريعة الخمسة ( الدين والنفس والعقل والمال والنسل) وتوسيع آفاق تحقيق المشيئة الإلهية.

رابعاً، استعادة التوازن في الرؤية الإنسانية للمادي والروحي: فعمق السلام الإسلامي هو التغيير من أجل إقامة حياة أفضل لكل البشر مؤسسة على عمل صالح بنية خالصة لله.

خامساً، اعتبار الدين ناظماً للذات وللآخر النسبي: لأن الإسلام لا يعترف بناظم لأي أمة غير دينها. وهو يدعو أصحاب كل دين أن يحذوا حذوه في جعل دينهم ناظماً لحياتهم. ويحدد الإسلام التنافس بين البشر في ظل الأخوة الإنسانية الجامعة، ووحدة الخلق، وأحدية الخالق، في إثبات كل أهل دين قدرتهم على الإجابة عن الأسئلة الحياتية الكبرى على نحو يحقق العمران والسعادة للإنسانية جمعاء من خلال دينهم.

وفي الفصل الثاني من الكتاب يتحدث الدكتور عمر عن أنماط العلاقة بين الأنا والآخر، وفيه يقدم عرضاً لأهم أنماط العلاقة بين كل أنا وذاته، وكل أنا وآخر، في نطاق أُمتي الإجابة والدعوة، كما يقدم الأنا المسلم بشقيه، نمط الأسوة الحسنة للمرسلين المعصومين، ونمط المجتمع الإسلامي، ثم يقدم نماذج لأنماط العلاقة المنحرفة بين الأنا والآخر. مستعرضاً الإشكالية التي وقع فيها العقل العربي بين ما يسميه (الذات) و (الآخر) و (الآخر الجديد)، فيضعنا أمام أبعاد ستة لهذه الإشكالية، أولها- انبهار فئة من المثقفين المسلمين بفكر النهضة الأوربية إلى اليوم، رغم تجاوز أوربة له، وتزايد مظاهر الوعي في الغرب بما أفرزه ذلك الفكر من تدمير وسلبيات. وثانيها- أن فئة من المثقفين المسلمين تجتهد من أجل التواصل مع رؤية (الآخر) من أرضيته، وعبر رؤيته، لتكتشف لاحقاً أن ( الآخر الغربي) يرفض الاعتراف إلا بذاته. وثالثها- مفارقة جمع المنتمين إلى الإسلام بين الرفض العقيدي للرؤية الكونية الغربية للآخر، وقبولهم السلوكي لمخرجاتها باستهلاك منتجها الفكري دون إخضاعه للتفكيك والتحليل. رابعها- رفض الغرب بما يملكه من قدرات أكاديمية وإعلامية وسلعية وخدمية أن يسمح للآخر المسلم بهامش لإنتاج مسار حضاري منفصل عن المسار الحضاري الغربي. وخامسها- أن المسلمين أصبحوا- نتيجة معطيات الحقبة الاستعمارية وحالة التبعية التي تلتها لعدم لجوئهم إلى بديلهم الإسلامي- أقرب أن يكونوا جزءاً هامشياً من الذات الغربية، وليس (الآخر) للغرب. وسادسها: أن الاستشراق الغربي كان ولا يزال يمارس وظيفته من داخل ما يسمى بأقسام دراسات المستقبل للجامعات الغربية والدائرة في فلكها، والمتمثلة في إنتاج فكر عملي غايته السيطرة على (الآخر الشرقي) بأدنى تكلفة ممكنة، وإقامة علاقة قهر مؤسسي مع الآخر. وبذلك صار العالم الإسلامي أمام (آخر غربي) يروج لفخ فكري جديد يسمى بالقرية العالمية يسعى من خلاله لاقتلاع الأسرة، وتفكيك المجتمعات، وتكريس التبعية، وآخر صهيوني هو أبشع منه، وهما يعملان معاً بيد واحدة في فلسطين والعراق. ولن نكون مخطئين إن قلنا في العالم أجمع.

وأفرد الكاتب ملحقاً خاصاً عن نية مفهوم الأنا/ الآخر في السياق القرآني، محاولاً أن يبني مفهوم الأنا/ الآخر بتحديده في نطاق الآيات التي ورد فيها، وبيان كيفية تطبيق منهاجية التحليل السياقي عند تجاوز الحد الأولي، فعرض البنية الأولية لمفهوم الأنا، والبنية الأولية لمفهوم الآخر، وأخيراً الروافد المفتاحية لبنية أنماط الأنا/ الآخر في السياق القرآني.

من هنا، يستنتج الكاتب، أن الرؤية الغربية قلَّصت بذرة الحرية والمساواة في تعاملها مع الآخر. وركز المستشرقون على الإيحاء بأن تاريخ البشرية لم يعرف الدين إلا لماماً، وأن الدين ارتقى بالتدريج، والإصابة بداء الاستكبار والعلو في الأرض لم يقتصر على الحالة المعاصرة القائمة على تأليه الناظم القومي في الغرب أولاً، ثم في بقية العالم. ويهدد هذا الداء البشرية الآن بشكل غير مسبوق في ظل ما يسمى بالصراع بين الخير والشر، والحرب على الإرهاب، ومشروع إصلاح الشرق الأوسط الكبير، وإعادة رسم خريطته.

 
 
   Bookmark and Share      
  
 الأنا والآخر من منظور قرآني .. الرؤية الغربية قلَّصت بذرة الحرية والمساواة...

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7