الخميس 18 أبريل 2013
رغم أن الأستاذ سيد قطب هو أكثر ا

رغم أن الأستاذ سيد قطب هو أكثر الشخصيات تأثيرا في الحركة الإسلامية من الناحية الفكرية، إلا أن «القطبيون» هم أكثرهم انزواءا وضآلة عددية، هذا يؤكد لنا ما ذكرناه آنفا من أننا حين نتعامل مع نمط فنحن لا نتعامل مع شعاراته إطلاقا إذ الأمران مختلفان تماما، أو بمعنى أدق، فالعلاقة بينهما هي علاقة استخدام، يمكن القول بأن سيد قطب هو (شعار) النمط القطبي، لكن النمط نفسه شيء مختلف، تماما كما أن نقدنا للدعوة السلفية ليس له أي علاقة إطلاقا بفكرة اتباع السلف نفسها. بإيجاز: إننا لا ننتقد المقولات التي ارتبطت بالأستاذ مثل «العزلة الشعورية» أو «المفاصلة» أو «الجاهلية» بل نلقي الضوء على الدوافع النفسية المضمرة التي استعانت بتلك المقولات في وجودها.


*


الحقيقة أنه لا يسعنا تجاهل المعنى المشترك بين مفهوم «العزلة الشعورية» الذي صكه الأستاذ سيد قطب واهتم به القطبيون، وبين الإفراط في التخفّي والذي ميز أبناء ذلك الفصيل. صحيح أن «العزلة الشعورية» هي حالة نفسية تصف العلاقة بين الشخصية الإسلامية وغيرها، وأن التخفي هو آلية للاحتراز من رقابة الدوائر الأمنية المحلية أو العالمية، إلا أن مظهرا واحدا يجمع أحدهما إلى الآخر، وهو «زوال الرؤية» بين التيار القطبي وبين المجتمع ، لدرجة أن الأمر يدعو إلى التساؤل: هل مصطلح العزلة الشعورية قد تم توظيفه لأغراض نفسية؟ هل كان المطلب الحقيقي هو العزلة الاجتماعية؟ وهل النظرة التآمرية والإفراط في الأمنيات مجرد تبريرات لتمرير تلك العزلة وذلك الاختباء؟


*


يتبدى «زوال الرؤية» في مشهد قطبي آخر ولكن من اتجاه معاكس: «المجتمع لا يراني.. وأنا أيضا لا أرى المجتمع» وهو مشهد «المثالية والترف الفكري»، (المثالية هنا بمعنى اللاواقعية)، الطبيعة العمائية للمفاهيم المجردة تنبع من زوال تفاصيل المشهد، حين تعبئ المجتمع في وصف «الجاهلية» فأنت لن ترى مخططات بعينها، أو سترى فقط المخططات (الكبرى.. الدولية.. إلخ)، لن ترى تمايزا بين ألوان تلك الجاهلية، لن تشعر بطيفيتها أو تشعباتها أو درجاتها، كذلك الأمر مع كل المفاهيم المجردة.


تعبئة الوقائع والأحداث في مفاهيم مجردة مثل الجاهلية والقوى العالمية هو نوع من إخفاء الواقع والعزوف عن رؤية تفاصيله ومواجهتها، جاهلية المجتمع (وهي حق لا شك فيه) أصبحت وسيلة لإخفاء ذلك المجتمع وتعيناته وانحناءاته وانكساراته. أصبحت (فكرة لإخفاء المجتمع). «كل ما حولي هو مفاهيم مجردة مثل مفهوم الجاهلية، مفهوم لا أرى تفصيلاته السخيفة، ولا أريد أن أراها، طالما أنا لا أرى المجتمع فالمجتمع لا يراني، ثم إن المجتمع لا يراني أصلا لأني أحلق لحيتي فلا أبدو أمامه كإسلامي متآمر ضده»


*


موقف القطبيين من الحركات الإسلامية المسلحة هو موقف سلبي على طول الخط، ودائما تلك الحركات موصوفة عندهم بالغوغائية والارتجالية، وفي ميدان التحرير لاحظت أنه لا يظهرون ارتياحا لرفع الرايات السود الشهيرة، ووصفها بعض رموزهم بأنها «بدعة»، هذا رغم أن (الشعارات) القطبية محفزة جدا على الجهاد: مفاصلة.. جاهلية.. حاكمية.. إلخ. الحقيقة أن هذا الموقف مفهوم من خلال روح النمط القطبي أيضا، الحركات المسلحة تحتم قدرا كبيرا من الظهور السافر، والنمط القطبي ضد ذلك الظهور تماما، «زوال الرؤية».


*


ضآلة حجم القطبيين تعود إلى رغبة الشخصية القطبية في أن تكون منتشرة، لنفس السبب، الانتشار نوع من الظهور، ليس للقطبيين مساجد يعرفون بها رغم اهتمامهم بـ «التربية»، في لحظة ما يتوقف اهتمام الأفراد بتكثير عددهم تبعا لمتطلبات النمط الذي يمثلونه.


*


إلى أي مدى يمكن أن نعقد صلة بين نمط «الاختفاء من المجتمع» وبين شخصية الأستاذ سيد قطب؟ هل كان مصطلح «العزلة الشعورية» عند الأستاذ يخفي، ولو إلى حد ما، رغبة نفسية في الاختفاء؟ لقد سجلنا عبارة من عبارات الأستاذ حسن البنا وهي: «لا تصادموا نواميس الكون فإنها غلابة، واستخدموها وحولوا تيارها واستعينوا ببعضها على بعض، وترقبوا ساعة النصر وما هي منكم ببعيد»، ورأينا كيف أن تلك العبارة قد سيطرت، وبشكل مكثف ومُكبّر، على النمط الإخواني كله فيما بعد، بل ووصل الأمر في النهاية إلى نوع من (اللامبدأ)، فهل تكررت تلك العلاقة مع النمط القطبي؟ أن يكون المؤسس دائما به من روح النمط بقدر طفيف؟


هل بقاء الدكتور محمد قطب في المملكة العربية السعودية دون أي تفاعل مع المجتمع المصري يخفي هو أيضا (قرارا باللاواقعية).

 
 
   Bookmark and Share      
  
 القطبيون

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7