الرئيسة قراءة في كتابنقد التسامح الليبرالي
 
الإثنين 20 مايو 2013
New Page 1


كتاب: نقد التسامح الليبرالي

تأليف: الدكتور محمد بن أحمد مفتي

دار النشر: مجلة البيان

ــــــــــــ

اختار الدكتور محمد بن أحمد مفتي في كتابه "نقد التسامح الليبرالي" قضية فرعية من القضايا التي يدور حولها الجدل والنقاش بين أنصار الفكرة الليبرالية ومناوئيهم من مفكري التيار الإسلامي، وهذه القضية هي قضية "التسامح"، حيث سعى الكاتب إلى بيان ماهية هذا التسامح وشروطه عند المنظرين له من الليبراليين، ثم الموقف الإسلامي منه.

حيث ارتبط التسامح بقيم الليبرالية والديمقراطية والعلمنة، وأصبحت المناداة بالتسامح مطلباً يتناغم وينسجم بالكلية مع مطالب الليبرالية الأخرى، وأصبح الحديث عن الآخر وحقوقه جزءاً لا يتجزأ من نشر ثقافة التعددية والتحرر من القيم العليا والحرية الدينية، كما أوضح الكاتب ذلك في مقدمة كتابه.

وبين الكاتب كذلك أن هذه الفكرة قد تلقفها كتاب وباحثون حاولوا توطين التسامح عن طريق ربطه بقيم الإسلام العليا، فأصبح التسامح إسلامياً كما الليبرالية الإسلامية والديمقراطية الإسلامية والتعددية كذلك، ولربما تصبح اللادينية (العلمانية) بعد حين ذات صبغة إسلامية عند أولئك المنساقين خلف ثقافة الغرب ومفاهيمه عن الحياة.

ومن هذا المنطلق جاء هذا الكتاب ليؤكد على أن التسامح الليبرالي يقوم على قواعد أساسية تشكل منظومة فكرية متكاملة يحتاج قيامها إلى توافر شروط أساسية ينتفي التسامح بغيابها أو فقد أحدها، حيث لا يعود التسامح معبرا عن قيمة ليبرالية محددة وتتمثل هذه الشروط في:

أولا: العلمانية (اللادينية).

ثانيا: النسبية.

ثالثا: التعددية والديمقراطية

وقبل الحديث عن هذه المحاور قدم الكاتب عددا من التعريفات لتحديد معنى التسامح، ومن هذه التعريفات تعريف القاموس الأمريكي للتسامح بأنه "تحمل أو التدرب على قبول طبيعة ومعتقدات وسلوك الآخرين دون منع أو معارضة، سواء اتفق معها أو اختلف".

ومن هذه التعريفات تعريف أمين الريحاني للتسامح بقوله: "التساهل هو التسامح بوجود ما يخالفك، وهذا تحديد عام، أما الخاص فهو إجازة العقائد والطقوس التي تخالف العقائد المألوفة، فالتساهل الديني هو الاعتبار والاحترام الواجب علينا إظهارهما نحو المذاهب المتمسك بها آخرون من أبناء جنسنا وإن كانت هذه المذاهب مناقضة لمذهبنا".

وفرق الكاتب بين التسامح والحرية بأن التسامح يفرض على المرء تقبل الآخرين والرضا التام بما يفعلونه وإن كان أمرا شاذا عقديا وأخلاقيا، كما فرق بين التسامح واللامبالاة، التي تعني انعدام الشعور حيال أمر ما، فانعدام الشعور ليس تسامحا، واللامبالاة في هذه الحال تشبه الانزواء، فكلاهما ليس تسامحا بالمعنى الليبرالي، وكذلك فرق الكاتب بين كل من التساهل والحيادية من جانب وبين التسامح من جانب آخر، ليبين تفرد لفظة "التسامح" وخصوصية المعنى الذي تعبر عنه.

ثم تحدث الكاتب عن نشأة التسامح الليبرالي وبين أنه نتاج الثورة على التعصب المذهبي في أوروبا، حيث أدى التعصب المذهبي- الكنسي- في أوروبا إلى بروز اتجاهين فكريين:

الاتجاه الأول: دعا إلى اتفاق حول الحد الأدنى من أساسيات الاعتقاد العام في إطار كنيسة "شاملة" مع بقاء الاختلاف في المعتقدات غير الأساسية وفي أشكال العبادة القائمة بين النصارى.

أما الاتجاه الثاني: فقد رفض مفهوم الكنيسة "الشاملة" ومن ثم طرح أفكاراً تدعوا إلى التسامح لكل المعتقدات النصرانية، وقد قويت شوكة هذا التوجه في الجزء الأخير من القرن السابع عشر.

التسامح وفضل الدين عن الدولة: في هذا الحور بين الكاتب أن كتابات "جون لوك" قد أسهمت بشكل مباشر في تقديم رؤية للتسامح تنطلق من ضرورة فصل الديني عن السياسي والتي أصبحت فيما بعد شعارا ليبراليا قائما بذاته، بمعنى أن التسامح الليبرالي يتطلب قيام مجتمع علماني(لا ديني) يتم فيه فصل الدين عن الدولة، كما هيأ نقد "لوك" لسلطة الكنيسة الفرصة للكتابات الناقدة للدين حيث خطت الكتابات التي تلت كتابه عن التسامح خطوة أبعد من المناداة بفصل الدين عن الدولة إلى المناداة بنقد الدين الذي أصبح ينظر إليه بوصفه أحد المسببات الرئيسة للتعصب.

التسامح والنسبية: تنطلق النسبية من التأكيد على أن المعتقدات والمبادئ، خاصة القيمية منها، ليست لها وثوقية عالمية سرمدية بل تعتمد صحتها على العصر الذي جاءت فيه أو على الجماعات والأفراد الذين يؤمنون بها، فالحقيقة نسبية ليست لها صفة العمومية، والحقائق الأخلاقية إن وجدت فإنها تتفاوت بتفاوت الزمان والمكان والظروف المحيطة بالفرد والمجتمع، ومن ثن فليست هناك حقائق مطلقة تفرض على الأفراد والمجتمعات.

ولهذا بين الكاتب أن منطق التسامح الليبرالي يفرض على أبناء الفكرة الليبرالية ترك ا~لأفراد وما يعتقدون دون تدخل من أي جهة أخرى، وذلك لأن المعتقدات نابعة من الفرد ذاته.

التسامح والتعددية الديمقراطية: في هذا المحور بين الكاتب أن التعددية مفهوم ليبرالي ينظر إلى المجتمع على أنه متكون من روابط سياسية وغير سياسية متعددة ذات مصالح مشروعة متفرقة، وتنقسم هذه التعددية إلى دينية وثقافية وعرقية وسياسية، وقد تم الربط بين التسامح والتعددية الديمقراطية في وثيقة إعلان مبادئ التسامح الصادرة عن اليونسكو في 16/نوفمبر/ 1995م، والتي نصت على أن التسامح يعني:

أولاً: الاحترام والقبول بتنوع واختلاف ثقافات الأمم والشعوب.

ثانياً: التسامح ليس تنازلاً أو مجاملة للآخر، بل هو موقف ينبع من الاعتراف للآخر بحقوقه وحرياته الأساسية، والتسامح ينبغي بناءً على ذلك أن يطبق من قبل الأفراد والمجتمعات والدول.

ثالثاً: التسامح مفتاح حقوق الإنسان والتعددية (بما فيها التعددية الثقافية) والديمقراطية.

رابعاً: تطبيق التسامح يعني ضرورة الاعتراف لكل طرف بحقه في حرية اختيار معتقداته (حرية العقيدة) والقبول بأن يتمتع الآخر بالحق نفسه، كما يعني كذلك أنه لا يجوز لأحد فرض آرائه على الآخرين.

وقد خلص الكاتب في نهاية كتابه إلى أن قبول التسامح الليبرالي يعني تقبل المنظومة الفكرية المتكاملة المبنية على أسس معرفية وفلسفية غربية للحياة وجعل المرتكزات الأساسية التي تقوم عليها تجربة الغرب الحضارية ذات صبغة عالمية، مع أن المنظومة الفكرية الغربية التي نشأ التسامح الليبرالي في أحضانها تقوم على:

- إحلال الطبيعي محل الإلهي.

- إحلال العقل محل الوحي.

- إحلال الإنسان محل الله.

- إحلال القانون الوضعي محل القانون السماوي

 
 
   Bookmark and Share      
  
 نقد التسامح الليبرالي

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7