الرئيسة قراءة في كتاب من أجل صهيون – التراث اليهودي – المسيحي في الثقافة الأمريكية
 
الإثنين 22 يوليو 2013

من أجل صهيون – التراث اليهودي – المسيحي في الثقافة الأمريكية.

 

اسم الكاتب د/ فؤاد شعبان.

 

الناشر: دار الفكر دمشق.

 

ـــــــــــ

 

أول ما يلفت انتباه القارئ للكتاب , تلك العبارة التي صدرها المؤلف على غلاف الكتاب من الداخل وتحت العنوان مباشرة , لتكون عنوانا عريضا واختزالا لثقافة الرجل الأمريكي بشكل عام , ورجل الدين بشكل خاص , والتي أوحت للكاتب باسم كتابه والله أعلم (من أجل صهيون لن نلزم الصمت , ومن أجل القدس لن نخلد إلى الراحة ) رجل الدين الأمريكي هيمان همفري (موعظة : أرض الميعاد 1819)

 

ولعل في العبارة غمز لموقف العرب والمسلمين من قضية القدس الشريف , ذلك الموقف الذي ظل دون المستوى المطلوب منذ احتلال إسرائيل لفلسطين , وإجراءاتها المستمرة لتهويد القدس وهدم المسجد الأقصى لبناء الهيكل المزعوم , بدافع ديني تلمودي صهيوني بات معلوما ومكشوفا للجميع , بينما لا يزال المسلمون حتى اليوم يخجلون من طرح قضية القدس بنفس ديني عقائدي إسلامي .

 

وقد جاء الكتاب في خمسة أبواب في كل باب عدة فصول , وقد عنون للباب الأول: (قبل أمريكا) , تكلم فيه عن الأهداف الحقيقية الدينية لرحلة كريستوف كولومبوس مكتشف القارة الأمريكية – بغض النظر عن صحة ذلك - فقد بثت قناة تلفزيونية أمريكية (history international) فلما وثقائيا عن أمير البحار المسلم الصيني تشنغ خه كمكتشف حقيقي لأمريكا - حيث لم يكن المال والشهرة هما الدافع الحقيقي والوحيد لهذه الرحلة , بل ما صرح به صامويل ابليوت موريسون بقوله : ( إيمان كولومبس بأن الله قدر له أن يكون وسيلة لنشر الدين – المسيحي – كان أقوى من رغبته بالثروة والشهرة ) , وهو ما صرح به كولومبس نفسه بمقولته التي صدر المؤلف بها الباب : ( القدس وجبل صهيون يجب أن يتم بناؤهما على يد المسيحيين كما أعلن الله على لسان نبيه في المزمار رقم 14 )

 

ومن خلال هذه الأهداف الدينية المعلنة , استطاع كولومبس إقناع ملك وملكة إسبانيا فريديناند وإيزابيلا بتمويل رحلته , وليست المغامرة وحب الاكتشاف , ولا حتى الشهرة والمال , فقد قدم للملوك والأمراء قبل ذلك وعلى مدى سبع سنوات وعودا مغرية لتمويل رحلته دون جدوى .

 

ولكنه حين تكلم باسم الدين استجيب لطلبه , فقد كتب لملك إسبانيا وملكتها بأنه يريد أن يكتشف ممالك ومدنا جديدة يضمها للتاج الإسباني , ويهدي شعوبها إلى الدين المسيحي , ثم يجندها فيما سماه ( حرب الحياة أو الموت ضد امبراطورية محمد ) , واستعادة القدس ومهد المسيح تمهيدا لنزول مملكة الله على جبل صهيون .

 

لقد أصبحت هذه الرسالة خطة عمل كولومبس ومنهاج حياته حتى نهايتها , كما أصبحت برنامجا ايديولوجيا للأوربيين في حملاتهم الاستكشافية الاستعمارية والتبشيرية , حيث أعيدت طباعة الرسالة عدة مرات منذ عام 1493 م .

 

في إطار هذه التفكير يمكننا اعتبار كولومبس في طليعة أجيال متعاقبة من المبشرين الغربيين , الذين انتشروا منذ ذلك الوقت وحتى الوقت الراهن في جميع أنحاء العالم , والذين نشطوا في العالم العربي والأراضي المقدسة , وذلك قبل قيام الحركة الإصلاحية الدينية بقيادة مارتن لوثر , أي قبل نشوء الكنائس المسيحية البروتستانية المتطرفة .

 

ومن هنا يمكن تصور التطرف اليهودي المسيحي التي زاد ونما بعد ظهور هذه الحركة (حركة مارتن لوثر), والتي كانت قاعدته وأرضيته موجودة وممهدة من أيام كولومبس , الذي ختم حياته بكتابه الوحيد الذي سماه : كتاب النبوءات أو الرؤيا .

 

لقد كان من النتائج الهامة لحركة مارتن لوثر الإصلاحية البروتستانتية , إعادة صياغة العقيدة المسيحية في أوربا , وكان لتلك العملية أثر كبير في دعم وتطوير التراث اليهودي المسيحي في العالم الغربي , أي ما سمي فيما بعد بالمسيحية الغربية أو المسيحية الصهيونية , التي تعتبر مؤسسة غربية المنشأ والتطور , مما جعل بعض المفكرين يقولون :

 

(إن الغرب قد اختطف المسيحية وعمل على تشويهها وتحريفها عبر القرون لكي تستجيب لظروفه وأطماعه الآنية والمستقبلية ) وقد عبرعن ذلك الدكتور جرجي كنعان بقوله : ( إن أكبر عملية تزييف في التاريخ تتم بصمت وتآمر هي عملية تهويد المسيحية )

 

في الباب الثاني الذي عنونه المؤلف : أمريكا والتراث اليهودي المسيحي , والذي افتتحه بمقولة توماس ايليوت : ( ثقافة الغرب تستقي من ثلاثة مصادر رئيسية هي : أثينا وروما وإسرائيل ) في إشارة إلى تمازج الثقافة اليهودية المسيحية , حيث وصل التغلل والتحكم اليهودي بالمسيحية إلى درجة حضور الرئيس الأمريكي لقداس تنصيبه في الكاتدرائية الوطنية في واشنطن , في إشارة واضحة لدور الدين في الحياة والثقافة الأمريكية , حيث شبه الواعظ غراهام تنصيب بوش بتنصيب الله للملك داود ملكا على قبائل إسرائيل في مدينة إبراهيم الخليل , مذكرا الحضور بأن أعداء إسرائيل هم أعداء الله , وأن أحباء إسرائيل هم أحباء الله .

 

ثم ينتقل المؤلف لبيان الأثر الكبير لمعتقدات الطهوريين على الفكر الأمريكي الديني والدنيوي , وفي مسيرة التاريخ الأمريكي بصورة عامة , فإذا كانت البروتستانتية تمثل التطرف واليمين المسيحي , فإن الطهوريون يمثلون اليمين البروتستانتي , حيث كانوا من أوائل المهاجرين الإنكليز إلى أمريكا الجديدة , معتقدين أنهم شعب الله الذي اختارهم للهرب من فساد العالم القديم وآثامه , لإنشاء مملكة الله في الأرض (أمريكا) , التي يعتقدون بأنها موجودة في عقل الله لأهداف محددة منذ بداية الخلق , وأنهم على علاقة تعاهدية مع الله لتنفيذ مهمة خطيرة عاجلة و محددة .

 

وقد ركز المؤلف على الرؤى التوراتية الألفية التي تتحدث عن نهاية العالم , والتي تهتم باليهود وقدسيتهم ووجوب عودتهم إلى أرض الميعاد لاكتمال النبوءات , والتي باتت ميدانا و سباقا لنشوء مذاهب وكنائس غريبة مريبة .

 

ومن بين هذه الكنائس المورمون التي أنشئت في النصف الثاني من القرن التاسع عشر , وما هي إلا سنوات حتى أصبح أتباعها (140000) عضوا يتوزعون على (350) مستوطنة وبلدة , مع أن كتاب المورمون المقدس عبارة عن خليط غريب من نصوص العهد القديم والأساطير الشعبية والمعتقدات المعاصرة الرائجة , وبلغ التوغل اليهودي في أمريكا بتدخله بشكل واضح في شعار الولايات المتحدة الأمريكية المعتمد حتى الآن .

 

في الباب الثالث يتحدث المؤلف عن دور الدين وتأثيره على الأمريكيين , بادءا بحادثة 11 أيلول 2001م , التي تظهر وبشكل واضح تأثير المعتقدات اليهودية المسيحية في أمريكا , والتي لم تقتصر على المناسبات الداخلية فحسب , بل تعدتها للعلاقات الخارجية والسياسية , حيث صرح بوش الابن في الكاتدرائية الوطنية : ( إن مسؤوليتنا تجاه التاريخ أصبحت واضحة جدا : أن نرد على هذه الهجمات ونخلص العالم من الشر ) ضمن إطار رؤية الله الكبرى للكون .

 

فالدين في الولايات المتحدة – كما يبين المؤلف – يحتل مكانة رئيسية في الحياة اليومية للأمة الأمريكية , ويخطئ من يظن أن الدين في أوربا مشابه للدين في أمريكا , فتأثيره ونفوذه في الأخير أكثر وأقوى , يدل على ذلك كثير من الحوادث : ففي الحرب الأهلية بين الشمال والجنوب كان رجال الكنيسة في حركة دائبة مع الجنود , وفي أعقاب أحداث 11 أيلول ردد بوش كلمات المزمار 23 : ( في وادي ظلام الموت لا أخشى أي شر لأنك معي )

 

إن التطلع المثالي للرئيس الأمريكي كنيدي لفصل الدين عن الدولة فصلا تاما لم يكتب له الاستمرار فيما تبقى من القرن العشرين , بل على العكس من ذلك , فمنذ أن ازدادت أعداد المنظمات المسيحية اليمينية وقوتها , دخل اليمين المسيحي معترك السياسة بصورة علنية , وأصبحت الكنائس أشبه بمراكز حملات المرشحين الانتخابية , وخاصة في انتخابات رئاسة الجمهورية .

 

إن اليمين المسيحي رغم ظهوره بشكل ملحوظ على مسرح الأحداث منذ العقد الثاني من القرن العشرين , إلا أن جذوره كانت موجودة في أمريكا منذ البدايات , حيث هاجر الطهوريون الذين يدعون أنهم تطهروا من كل مظاهر طقوس الكنيسة البابوية الانكليكانية الإنكليزية , وغادروا مجتمعا فاسدا – إنكلترا – لينشئوا مجتمعا جديدا مثاليا سيكون قدوة لإصلاح أجزاء العالم المسيحي بأسره .

 

ورغم أن الأصولية اليهودية تحتقر كل من هو غير يهودي , إلا أنها تحالفت مع أؤلئك المسيحيين الذين يعتقدون بدورهم أن دعم الأصولية اليهودية ضروري للتعجيل بالمجيء الثاني للمسيح .

 

أما موقف اليمين المسيحي من الإسلام فهو العداء الشديد , حيث لم تتوقف الهجمات المحمومة بدء من الحروب الصليبية إلى الحملات الاستكشافية لاستيطان العالم الجديد , ثم حملات التبشير في العالم الإسلامي ودعم إسرائيل اللامحدود , وهذا عداء غير مستغرب , فالقضاء على الإسلام في عقيدة الألفيين , خطوة لا بد منها للتعجيل بالمجيء الثاني للمسيح أيضا .

 

في الباب الرابع يتحدث المؤلف عن أمريكا وتوقعات آخر الزمان , والتي (سقطت فيه أمريكا منذ ولادتها بحلة الألفية ولم تخرج منها قط ) كما يقول ريتشارد لاندز ,  تلك النصوص المقدسة التي تتحدث عن الرؤيا الألفية التي تأتي في نهاية الزمان , (سفر دانيال 7 – 9 ) التي تبين خطة الله للكون , ويحكم فيها المسيح مملكته الأرضية الأبدية عند مجيئه الثاني .

 

وقد راجت هذه الفكرة بشكل كبير في نهاية القرن العشرين , حيث اجتاحت بسببها موجة من التوقعات في أمريكا بمنتصف ليلة 31 / 12 / 1999 م , فترددت أقاويل وإشاعات بتعطل ملايين أجهزة الكمبيوتر في كل أنحاء العالم , وسوف يبشر ذلك بالحكومة العالمية التي جاءت بها النبوءات كمقدمة للأيام الأخيرة بزعمهم , والتي كثرت فيه المؤلفات والمطبوعات التي ذكر المؤلف منها الكثير .

 

وفي الباب الخامس والأخير يعرض المؤلف لثلاثة ملاحق في غاية الأهمية وخاصة الأول منها , والذي خصصه لشرح المصطلحات والأسماء المستعملة في الكتاب , كاليمين المسيحي والمعمدانيون والأصوليون والألفية وبعض الكنائس كالكنيسة الكاريزماتية و غيرها , بينما جعل الملحق الثاني تعريفا مختصرا لبعض أسفار الكتاب المقدس المتعلقة بكتابه , والملحق الثالث لبعض الأمثلة على نبوءات نهاية الزمان ومجيء المسيح الثاني مرتبة حسب التسلسل التاريخي .

 

جزى الله تعالى المؤلف على هذا الكتاب القيم , الذي يعتبر بحق لبنة مهمة وخطوة لا بد منها لكل مسلم يريد معرفة سر ذلك العداء الشديد لدى أمريكا والغرب للإسلام , وسر ذلك الدعم اللامحدود لإسرائيل , رغم اضطهادهم لنبي الله عيسى وكثير من الأنبياء عليهم السلام .

 

 

 

 
 
   Bookmark and Share      
  
  من أجل صهيون – التراث اليهودي – المسيحي في الثقافة الأمريكية

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7