الرئيسة قراءة في كتاب سموم الاستشراق والمستشرقين في العلوم الإسلامية
 
الإثنين 5 أغسطس 2013

سموم الاستشراق والمستشرقين في العلوم الإسلامية .

اسم الكاتب: أنور الجندي .

اسم الناشر: مكتبة التراث الإسلامي للطباعة والنشر .

ـــــــــــــــــــــ

 

تكمن أهمية الكتاب الذي بين أيدينا في أنه يكشف عن المخططات الإلحادية التي استهدفت الإساءة للإسلام , وتقويض المجتمع المسلم , وتشويه البطولات الإسلامية , ووضع مفاهيم كثيرة على أنها إسلامية وهي غير صحيحة , إلى غير ذلك مما تزخر به بعض الكتب الاستشراقية .

 

و يبرز الكاتب محاولة المستشرقين الغربيين تشويه صورة الإسلام من خلال إبراز نقاط الضعف فيه , وإغفال نقاط القوة , فقد وضعوا في مؤلفاتهم أباطيل كثيرة , كالقول بأن لليهود في فلسطين آثار وتاريخ , وبأن العرب كانوا يعيشون مرحلة انحطاط حتى جاءت الحملة الفرنسية فنهضت بهم , والزعم بأن الفكر الإسلامي يستمد مقوماته من الفلسفة اليونانية , وغيرها الكثير من هذا القبيل .

 

وقد حرص المؤلف على أن يقدم للقارئ المسلم نماذج من الكتب الخداعة الزائفة , التي تثير الريب حول الإسلام , وهي منتشرة ومشهورة بسبب تسليط الضوء عليها دائما في وسائل الإعلام , على أنها مراجع في أبوابها واختصاصاتها .

 

ومن أمثلة هذه الكتب : كتاب الأغاني الذي لا يعدو كونه رسما لصورة أهل الغناء والسفه واللهو , و كتاب ألف ليلة وليلة وكليلة ودمنة , وهما كتابان هنديان فارسيان في الأصل , أضيف إليهما بعض الأساطير والخرافات , وكتاب الإمامة والسياسة الكتاب اللقيط مجهول النسب كما وصفه السيد محب الدين الخطيب , والمنسوب (لابن قتيبة) وهو بريء منه , و كذلك كتاب المضنون به على غير أهله , والمنسوب كذبا للغزالي .

 

أما كتاب : رسائل إخوان الصفا , فهم في الحقيقة جمعية سرية باطنية , ظهروا في القرن الرابع الهجري بالبصرة , تكونت من المجوس والزنادقة والحاقدين على الإسلام , ولهم صلتهم المريبة بالحركات السرية التي عملت على تقويض المجتمع الإسلامي , وبخطورة هذا الكتاب بالذات ينهي الكاتب الفصل الأول من كتابه , والذي عنونه : أخطار المراجع الزائفة .

 

وفي الفصل الثاني يورد المؤلف التحفظات على كتاب دائرة المعارف الإسلامية , والمنجد والموسوعة العربية الميسرة , والتي كتبت لهدف واضح , هو تغريب الفكر الإسلامي وتزييف مفاهيمه , وإثارة الشبهات حول حقائقه .

 

ويتمثل هذا الخطر في عدد من دوائر المعارف التي نجدها بين أيدينا , في كل المكتبات العامة والجامعية , ميسرة في أيدي الشباب في كل وقت , وهي في الحقيقة مسمومة في كثير من موادها , وتفتقر إلى المفهوم الصحيح الذي يمثله الإسلام , وقد أشار العلامة فريد وجدي إلى ظاهرة خطيرة في هذه الموسوعوات , ألا وهي سيطرة البدع الدخيلة في الإسلام على مواد الموسوعات , حتى ليظن القارئ أنها من أصول الإسلام وثوابته .

 

وفي قاموس المنجد (معجم الآداب) إعداد فردنيال توتل , وهو قاموس حافل بالأخطاء والشبهات , والذي عرض له العديد من الباحثين , وفي مقدمتهم العلامة عبد الله كنون , الذي عرض أكثر من 400 خطأ تاريخي وعلمي فيه .

 

وتكمن الخطورة الكبرى في أمثال هذه الكتب , أن شباب المسلمين يقرؤون هذه الكتب على أنها فكر إسلامي خالص , ومراجع علمية أو تاريخية أو أدبية أوفلسفية إسلامية , وأنها جديرة بالقراءة والاهتمام أكثر من غيرها , وقد قام المؤلف – جزاه الله خيرا – بتفنيد هذه الكتب , وبيان ما فيها من شبهات وأكاذيب وسموم , لا بد أن يتحاشاها المسلمون .

 

في الفصل الثالث يعرض الكاتب لخطر تفسير التاريخ الإسلامي بمقاييس مادية وافدة , مما يطلق عليه : (التفسير المادي للتاريخ) والذي يعتبر تاريخ البشرية تاريخ للبحث عن الطعام , وأنه لا يوجد فيه قيم أصيلة أساسها الدين أو الأخلاق أو التقاليد , ويتجاهل الجانب المعنوي والقوى الذاتية للشعوب تجاهلا تاما , ومن أبرز نماذج من فسورا التاريخ تفسيرا ماديا : النصارى والهندوكية والمادية الجدلية .

 

لقد حاول الغرب تقديم تفسير مغلوط لوقائع كثيرة في التاريخ الإسلامي الحديث المعاصر , فصوروا عصر ما قبل العصر الحديث بأنه عصر الانحطاط , و صوروا حركات التبشير للسيطرة على بعض الدول الإفريقية واحتلالها على أنه نوع من الكشف الجغرافي العلمي , كما ادعوا كذبا أن المسلمين هم من أحرقوا مكتبة الاسكندرية , بينما الحقيقة أنها أحرقت قبل الإسلام بمئتي عام .

 

كما حاول الكتاب الغربيون أيضا تصوير بعض الأحداث في التاريخ الغربي المعاصر بصورة تتعارض مع صورتها الحقيقية , فصوروا الماسونية (الحركة اليهودية الاستعمارية الخبيثة) على أنها حركة تحرير , لخداع المسلمين في الدخول والانتساب إليها , كما صوروا الثورة الفرنسية على أنها حركة إخاء وحرية ومساواة , وهي في الحقيقة ثورة على الدين , وإحلال الوطن بدلا عنه , حتى أعلن كمال أتاتورك نفس الشعار لحركته الانقلابية ضد الخلافة الإسلامية , وكل ذلك في الفصل الرابع من الكتاب .

 

في الفصل الخامس من الكتاب أثار الكاتب قضايا مهمة في ضوء التفسير الإسلامي للتاريخ , فرد على كثير من الشبهات والأكاذيب المثارة في هذا الإطار , كوصف حركة القرامطة الباطنية المعادية للإسلام , بأنها حركة عدل اجتماعي في الإسلام , كما أشار لذلك طه حسين في مجلة (الكاتب المصري) , ورد كذلك على وصف ثورة الزنج بأنها حركة تقدمية ثورية , بينما هي في الحقيقة ثورة على الإسلام ومبادئه وثوابته , وعمل قذر لهدم كيانه وتقويض أركانه .

 

كما رد الكاتب على دعوى أن الإسلام أراد إقامة حكومة دينية (ثيوقراطية) , بينما الحقيقة أن الإسلام لم يقم دولة دينية على المفهوم الذي عرفه البابوات في حكمهم لأوربا , فالدولة الإسلامية تجعل المواطنين جميعا متساوين أمام القانون في الحقوق والواجبات , ولكل منهم حرية العبادة والدين .

 

كما رد الكاتب على مفهوم الفتح الإسلامي التاريخي , ومفهوم البطولة الإسلامية .

 

في الفصل السادس يتحدث الكاتب عن التحفظات الإسلامية على مناهج دراسة العلوم الكونية , فمنهج دراسة العلوم في كليات الطب والعلوم وغيرها فيه نقص وانحراف عن المنهج الإسلامي , أما النقص فهو العجز الواضح عن (تأصيل المناهج) بإثبات دور المسلمين وأسبقيتهم في بناء العلوم وتقديم المنهج التجريبي , وأما الانحراف فهو في اعتبار فروض ونظريات دارون ولامارك حقائق مسلم بها , خاصة في مسألة خلق الكون والإنسان , بينما الحقيقة أن العلم لم يستطع أن يصل في شأنها إلى أي شيء .

 

في الفصل السابع من الكتاب , يطرق المؤلف باب مناهج الإسلام في العلوم السياسية والفكر السياسي الإسلامي , فهي للأسف تدرس في الجامعات دراسة غربية خالصة , بينما الحقيقة أن الإسلام دين ودولة , وهو سباق في هذا المجال من خلال السياسة الشرعية المعروفة , ويبين المؤلف الفوارق العميقة والجوهرية بين الشورى الإسلامية والديمقراطية الغربية .

 

واستكمالا للكلام السابق , يأتي المؤلف بالفصل الثامن ليتناول القانون الوضعي في مقابل الشريعة الإسلامية الغراء , مؤكدا على ضرورة إعادة النظر في مناهج القانون والاقتصاد والسياسة والتربية والتاريخ , لتحريرها من التبعية , وكشف وجوه أصالة الفكر الإسلامي فيها , لتعود الأمة الإسلامية إلى منابعها الأصلية , التي تحقق لها امتلاك الإرادة والتمكين في الأرض , والقدرة على دفع غزوات الصهيونية والشيوعية والاستعمارية الغربية .

 

ولا يغفل المؤلف ملف التعليم في البلاد الإسلامية , والذي تعرض لحملة تغريب عنيفة , أدت إلى القضاء على الذاتية الإسلامية المتسمة بأخلاقها وإيمانها بالله تعالى , كما قضت على الفصاحة العربية المستقاة من القرآن والسنة , إضافة إلى القضاء على الإحساس بعظمة العطاء الحضاري المتميز الذي قدمته الأمة الإسلامية للبشرية , مما يستدعي وبشكل عاجل , التحول بالتعليم في البلاد الإسلامية , من علمانيته إلى إسلاميته , والذي جعله المؤلف في الفصل التاسع .

 

في الفصل العاشر يعلن المؤلف حقيقة ولادة علم الاجتماع من رحم المدرسة الإسلامية , وذلك من خلال العودة للتاريخ الإسلامي الذي يثبت ذلك , على أيد إسلامية كابن خلدون في مقدمته , و الدكتور مصطفى محمد حسنين في كتابه : ( نحو علم اجتماع إسلامي)  مطالبا المسلمين القيام بتأصيل العلوم باستمدادها من منابعها الإسلامية , بعد أن عاشوا خلال فترة طويلة يتعلمون ويطبقون مناهج وافدة غريبة عن بيئتهم وعقيدتهم .

 

وفي الفصل الحادي عشر يستعرض المؤلف الدراسات الحديثة في النفس والأخلاق , والتي تقوم الجامعات في العالم الإسلامي بتقديمها للشباب المسلم , من خلال مجموعات من النظريات الفكرية الغربية , والتي هي في الحقيقة تمثل التحديات التي يواجهها المجتمع الأوربي والأمريكي في العصر الحديث , ولا تمثل أبدا تحديات المجتمع الإسلامي , ولا النظرة الإسلامية في هذه المسائل والقضايا .

 

في الفصل الثاني عشر ينتقد المؤلف فكرة غربية في غاية الخبث والكذب , مفادها أن مفهوم (الحضارة) المطروح في مناهج الدراسات الجامعية , يدور كله في فلك الحضارة الغربية , ويقوم على مجموعة من المسلمات التي يراد فرضها على العقلية الإسلامية , على نحو يخلق تبعية عقلية واجتماعية , وتفترض المسلمات القول : بأن هناك حضارة واحدة عرفتها البشرية , بدأت من أرض اليونان وانتهت اليوم بالحضارة الغربية , وكل حضارة ظهرت بين ذلك هي في الحقيقة امتداد وجزء منها , وأن الحضارة الإسلامية ما هي إلا رافد من روافد تلك الحضارة , فشتان في الميزان بين حضارة التوحيد وحضارة الوثنية .

 

ويعرض المؤلف في الفصل الثالث عشر النظام الإقتصادي الإسلامي في مواجهة النظام الرأسمالي , وهو النظام الاقتصادي الذي يدرس لشبابنا وبناتنا , وكأن آدم سميث وجون ستوارث مل هما المنطلق الوحيد لفهم الاقتصاد العالمي , بينما يجهل شبابنا كل ما يتصل بالمفهوم الإسلامي للاقتصاد , الذي كان له قدم السبق في هذا الميدان , عبر كتاب الخراج لأبي يوسف , منذ منتصف القرن الثاني الهجري .

 

ويتابع المؤلف في الفصل الرابع عشر المواجهة بين النظام الاقتصادي الإسلامي والنظام الاشتراكي الشيوعي , الذي قام على أفكار ماركس وإنجلز , معتبرا الماركسية متممة لدور الرأسمالية في مواجهة النظام الاقتصادي الإسلامي , وأن الماركسية ما هي إلا ردة فعل عن الرأسمالية الغربية .

 

وفي الفصل الخامس عشر والأخير , يرد المؤلف على دعوى خضوع الفكر الإسلامي للفكر اليوناني , وأنه مصدر الفلسفة العربية , كما يرد على دعوى القول بأن المسلمين أخذوا الفلسفة اليونانية وبنوا عليها مفاهيم ومصطلحات في الفقه والنحو والبلاغة , تلك الدعاوى التي روج لها أتباع الغرب من المسلمين , من أمثال طه حسين ولطفي السيد .

 

ويختم المؤلف كتابه بعبارة مختصرة : وهكذا تبين الرشد من الغي وسقط منهج الاستشراق .

 

الكتاب بحق موسوعي في بابه , جمع فيه الكاتب أباطيل ودسائس وسموم المستشرقين الغربيين وأذنابهم في العالم الإسلامي , في مختلف المجالات التعلمية والتاريخية والاجتماعية والاقتصادية والفكرية والثقافية واللغوية والأدبية , مع ضرب الأمثلة على ذلك , مما أثرى قيمة الكتاب العلمية والفكرية , وجعله كتابا دسما مليئا بالمعلومات والملاحظات المهة لطالب العلم والباحث والمفكر الإسلامي .

 

ولذلك أنصح بقراءة الكتاب كاملا , وعدم الاكتفاء بهذه القراءة ؛ لأنها في الحقيقة لا تغني عما احتوى الكتاب من كنوز وجواهر.

 
 
   Bookmark and Share      
  
  سموم الاستشراق والمستشرقين في العلوم الإسلامية

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7