الرئيسة قراءة في كتابالصليبيون الجدد (الحملة الثامنة) دراسة في أسباب التحيز الأمريكي والبريطاني لإسرائيل
 
الإثنين 12 أغسطس 2013
New Page 1

الصليبيون الجدد (الحملة الثامنة) دراسة في أسباب التحيز الأمريكي والبريطاني لإسرائيل

يوسف الطويل

الناشر : مكتبة مدبولي

ـــــــــــــ

 

قبل ثمانية وعشرين عاما من الآن , وتحديدا في مستهل فبراير 1985 م , وقف نتنياهو أثناء صلاة الصباح التي يقيمها المسيحيون الأمريكيون لإسرائيل , حيث كان سفيرا لإسرائيل هناك , ليعبر عن تعجبه من دهشة كثير من الجهال من الدعم والتأييد الذي يقدمه الإنجيليون المسيحيون الأمريكيون لإسرائيل , معتبرا أن أولئك الذين يعرفون التاريخ الحقيقي للانخراط المسيحي العميق في الحركة الصهيونية , لا يجدون أي مدعاة لأية دهشة أو تساؤل بشأن الدعم القوي الذي يقدم لإسرائيل من قبل كل المسيحيين المؤمنين في العالم .

 

بهذه المقدمة يمهد الكاتب لإثبات حقيقة الصراع بيننا وبين اليهود في فلسطين المحتلة , وأسباب احتلالهم لفلسطين وتوطينهم فيها , والذي صوره الفكر القومي العربي على أنه إمبريالي رأسمالي , هدفه ضرب الأنظمة الثورية المعادية للإمبريالية في المنطقة العربية , بينما هو في الحقيقة صراع ذو بعد ديني وعقدي بالدرجة الأولى , وليس سياسيا كما روج ذلك الغرب وأمريكا والقوميين العرب .

 

وعن أسباب التحيز الكامل من قبل الغرب وأمريكا لإسرائيل , لم يقتنع الكاتب بالمصالح الاقتصادية والسياسية التي تبرر هذا التحيز , فالخسارة المتحققة لهذه الدول جراء تحيزها ظاهر وواضح , ومع ذلك لم تغير موقفها , مما يثبت وجود بعد ديني في القضية لا يمكن إغفاله أو إهماله .

 

الكتاب من سبعة فصول , لكل فصل منه دور في توضيح البعد الديني للتحيز الأمريكي والبريطاني لإسرائيل , ففي الفصل الأول أبرز الكاتب التغيير الجوهري في العلاقة اليهودية المسيحية , و التي تحولت من العداء والخصومة التي كانت سائدة بين اليهود و الكنيسة الكاثولوكية , إلى التقارب والتعاطف مع اليهود مع نشأة الكنيسة البروتستانية , ضمن ما سمي حركة الإصلاح الديني على يد مارتن لوثر في القرن السادس عشر , والتي روجت لفكرة أن اليهود أمة مفضلة , مؤكدة على ضرورة عودتهم لأرض فلسطين كمقدمة لعودة المسيح المنتظر .

 

في الفصل الثاني بين الكاتب الدور الخطير للبروتستانية البريطانية في المشروع الصهيوني في فلسطين , والذي بدأ بنشوء (حركة العودة) التي أسسها عالم اللاهوت بريتمان , والذي أصدر أول كتاب عن الصهيونية في لندن 1628 م , ثم وصلت حركة الإصلاح الديني ذروتها في إنجلترا بالثورة البوريتانية (حركة التطهير) التي حولت الأفكار والمبادئ الدينية المتعلقة باليهود والعودة لعقيدة سياسية .

 

ثم غزت فكرة الصهيونية وتوطين اليهود بفلسطين للتسريع بعودة المسيح النتظر عقول المثقفين الإنجليز , لتدخل ميدان الفن والأدب والفلاسفة والعلماء , وحمل القرن التاسع عشر ظهور جماعات بروتستانية  تعتبر عودة اليهود لأرض أجدادهم ركنا أساسيا في عقيدتها , كان من أبرز ممثليها اللورد شافتسبري والكولونيل هنري تشرشل الذي كان قنصلا لبريطانيا بدمشق , والذي كان أكثر حماسا لتوطين اليهود بفلسطين من اليهود أنفسهم.

 

وفي آواخر القرن التاسع عشر تم ربط الأفكار الدينية لعودة اليهود لفلسطين بالمتطلبات السياسية البريطانية , من دخول أهداف سياسية واقتصادية على البعد الديني الأساسي , فتأمين تجارة انكلترا مع الهند المهددة من فرنسا وروسيا , إضافة للحفاظ على ميزان القوى في أوربا دعم توطين اليهود بفلسطين , لإيجاد موطئ قدم لامبراطوريتها في الشرق الأوسط .

 

في الفصل الثالث يزيل الكاتب تلك الهالة التي تضفي صفات العبقرية والدهاء والقدرة على المناورة واستغلال الفرص على الصهيونية اليهودية , ويثبت بالدليل التاريخي الموثق أن الصهيونية غير اليهودية (البروتستانية المسيحية) كانت قد وصلت لأعلى مستويات الفكر والتخطيط الصهيوني , بينما كان اليهود أنفسهم خارج هذه المخططات , بل كان بعضهم يرفضها دينيا ( اليهودية الكاثولوكية والحسيديم وغيرهم ممن يرى أن الرب وحده من يحدد عودة اليهود لأرض الميعاد من خلال المسيح المنتظر , بل اتهموا كل من نادى بالعودة دون إذن الرب بالهرطقة – الكفر -) , فاليهود هم آخر من اكتشف الصهيونية في أوربا .

 

ومع بروز بعض المنادين بعدم انتظار المعجزة الإلهية الغيبية بالخلاص , وأنه لا بد من تمهيد لظهور المسيح المنتظر , والذي يقوم به اليهود أنفسهم , والتي نادى بها أمثال يهودا الكعي و تسفي هيرش كاليشر وليون بنسكر وآخرهم هرتزل , انعقد المؤتمر الأول للصهيونية في عام  1897 م في بازل بسويسرا , بعد أن كان مقررا بميونخ بألمانيا , نظرا لمعارضة اليهود التقليديين الغيبيين بألمانيا لذلك المؤتمر , والذي كان له دور كبير في تغيير النظرة اليهودية من مسألة العودة , والذي أدى فيما بعد لصدور وعد بلفور المشؤوم عام 1917 م , ذو البعد الديني الواضح , نظرا لعقيدة اللورد بلفور البروتستاني المؤمن بعقيدة الألفية والمسيح المنتظر .

 

في الفصل الرابع يبين الكاتب البعد الديني الواضح لانحياز الولايات المتحدة الأمريكية لدعم إسرائيل , حيث كان بن جوريون يعلم عندما أعلن قيام دولة إسرائيل عام 1948 م , بأنه لا بد من وجود حليف قوي يحمي الدولة الوليدة , وكانت الولايات المتحدة الأمريكية الأكثر تأهيلا للقيام بذلك , بعد أن خرجت كأقوى قوة عالمية بعد الحرب العالمية الثانية .

 

وهذا لا يعني أبدا تخلي بريطانيا عن دعم إسرائيل , أو أن أمريكا لم تكن تدعمها قبل ذلك , وإنما يعني أن المتغيرات الدولية فرضت هذا التحول , خاصة إذا علمنا أن أمريكا كبريطانيا , تغلغل فيها الفكر البروتستاني المؤمن بالنبوءات التوراتية الخاصة بوجوب عودة اليهود لأرض فلسطين , كمقدمة لظهور المسيح المنتظر , وذلك قبل ظهور الحركة الصهيونية بفترة كبيرة من الزمن .

 

وفي هذا الإطار يستعرض الكاتب هجرة البروتستانت الأوربيين لأمريكا , نظرا للاضطهاد الديني الذي ساد أوربا في ذلك الوقت , وتكريسهم لفكرة النبوءات التوراتية داخل المجتمع الأمريكي , والذي وصل إلى الساسة الأمريكيين , من خلال دع الرئيس ولسون مثلا لوعد بلفور , وأخذ خلفاء ولسون يلزمون أنفسهم بالموقف الصهيوني , ويبدون تعاطفهم مع الحركة الصهيونية , والذي ما زال ساريا حتى اليوم .

 

ويتابع الكاتب حديثه عن تنامي التيار الديني المسيحي الأصولي في أمريكا في الفصل الخامس , الذي بدأ بالصعود في ثمانينيات القرن العشرين , خاصة مع بعد أن امتد نفوذه إلى عقول وجيوب الملايين , وامتلك شبكة تلفزيونية وإذاعية هائلة وبتقنية متميزة , وصل تأثيرها إلى حد وصف السناتور إيدوار روجر أسباب البركة في أمريكا عبر السنين هو إكرامها ودعمها لإسرائيل , وأن تأييد إسرائيل عمل لاهوتي كما عبر عن ذلك فالويل أحد أشهر المتحدثين باسم المسيحيين المحافظين بأمريكا , وأن إسرائيل مفتاح أمريكا للبقاء كما زعم مايك إيفانس القسيس في تكساس .

 

ولعل أكبر دليل على البعد الديني للدعم الأمريكي البريطاني لإسرائيل , نشوء منظمة السفارة المسيحية الدولية عام 1980 , حيث اجتمع 1000 رجل دين مسيحي من أكثر من 23 دولة على إنشائها , بتمويل ضخم وقدرات هائلة , وقد عقدت مؤتمرها عام 1985 في بازل بسويسرا بنفس القاعة التي عقد فيها المؤتمر الأول للصهيونية بقيادة هرتزل , واتخذت قرارات في غاية الأهمية والخطورة .

 

في الفصل السادس بين الكاتب الكذب الأمريكي الدائم بخصوص ادعائه بممارسة ضغوط على إسرائيل للقبول بحل الدولتين , خاصة إبان حرب الخليج الأولى وعقد مؤتمر السلام بمدريد , الذي لم يزد إسرائيل إلا تعنتا وأمريكا إلا دعما لها وتأييدا , والذي أكده ودعمه نقل سفارة أمريكا بإسرائيل من تل أبيب إلى القدس , لأسباب دينية توراتية صرفة , نظرا لمركز مدينة القدس الروحي للشعب اليهودي .

 

أما الفصل السابع والأخير فيخصصه الكاتب لأسباب فشل السياسة العربية لمواجهة إسرائيل , ذلك الفشل الذي تعزى أسبابه الرئيسية للبعد الديني العقائدي في الصراع العربي الإسلامي اليهودي الصهيوني , وليس لأسباب سياسية واقتصادية كما يريد بعض المفكرين والسياسيين القوميين العرب تصويره للناس .

 

لقد ألقى الزعيم الصهيوني (إسرائيل زانغويل) خطابا في 2 ديسمبر 1917 م , أي بعد صدور وعد بللفور بشهر واحد قال فيه : ( سبع محاولات صليبية إلى الأرض المقدسة , عادت على اليهود بالمذابح , فهل ستؤدي الحملة الصليبية الثامنة إلى استرجاع اليهود لفلسطين؟؟ وإذا كانت صليبية  حقة , فإن تلك الحقيقة بالذات تأتي بمثابة البرهان على النظام الجديد لعالم تسوده المحبة والعدالة ) إنها كلمات تحمل نفس النفس الصهيوني الديني البروتستاني للجنرال غورو الذي وقف أما قبر صلاح الدين قائلا : ها نحن عدنا يا صلاح الدين , وكلمات المارشال اللنبي بعد دخوله القدس في الحرب العالمية الأولى : الآن انتهت الحروب الصليبية .

 

وقد علق الداعية الإسلامي محمد الغزالي على هذه العبارات قائلا : (يظهر أن العالم كله شديد الحساسية بعقائده وآماله الدينية , إلا قومنا وحدهم , فإنهم يتذاكرون بينهم أن الدين رجعية !! إن قضية بيت المقدس وفلسطين منذ فجر التاريخ إلى قيام الساعة قضية دينية عند أصحاب الرسالات السماوية جميعا , فكيف يتجرأ البعض إلى جعلها قضية قومية أو اقتصادية ؟؟

 

فإذا كان الدين وراء كل دعوى لليهود والنصارى , فكيف جاء من أسسموا أنفسهم العروبيين , وجردوا العرب من ردائهم الإسلامي , وأغروهم بجعل القضية صراعا جنسيا أو نزاعا إمبرياليا , أو غير ذلك من الأوصاف المكذوبة ؟؟!!

 

وبوضع ملحق خاص بعقيدة الأرماجيدون أو معركة مجدو يختم المؤلف - جزاه الله كل خير - كتابه القيم الذي أبرز فيه البعد الديني العقائدي للقضية الفلسطينية , والأسباب الدينية التوراتية للدعم الأمريكي البريطاني المتواصل لإسرائيل .

 
 
   Bookmark and Share      
  
 الصليبيون الجدد (الحملة الثامنة) دراسة في أسباب التحيز الأمريكي والبريطاني...

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7