الرئيسة قراءة في كتاب إشكالية تأثر القرآن الكريم بالأناجيل في الفكر الاستشراقي الحديث
 
الخميس 29 أغسطس 2013
New Page 1

إشكالية تأثر القرآن الكريم بالأناجيل في الفكر الاستشراقي الحديث

د. عبد الحكيم فرحات

===========

يتكون الكتاب من مقدمتين وخاتمة ويُجمل فيهم الكاتب في مقدمته الأولي عن القرآن والأناجيل ومعطيات المقارنة، ويبرز فيها عن الدراسات التأثيرية  في تحقيق العلاقة بين القرآن والأناجيل علي منهج المقارنة بين الموضوعات المشتركة بينهما، ولاسيما قصة المسيح، لتنظر في عناصر الوفاق، فتجعل منه أمارة تأثير؛ تأثير السابق زمناً وتأثر اللاحق زمناً.

يبين الكاتب مدي تركيز الدراسة التأثيرية علي المقارنة بين القرآن الكريم والأناجيل المعتمدة الأربعة لمتّى ومرقس ولوقا ويوحنا علي التوالي وأربعتهم يفترض أنهم من دعاة النصرانية الأولي، اعتمد المجتمع المسكوني الأول الشهير الذي انعقد في نيقيه بآسيا الصغرى عام 325م تحت رعاية الإمبراطور البيزنطي قسطنطين الكبير، وأطلق عليها اسم الأناجيل المعتمدة، ولذاك فهي التي يفترض أنها كانت منتشرة قبيل البعثة المحمدية ويعدها بين نصارى الجزيرة العربية، ومختلف البلدان إلي وقتنا الحاضر.

ويعرض الكاتب عن ماهية الأسفار الثلاثة، متي ومرقص ولوقا، التي تدعي الأناجيل المتوافقة لتشابهها في المواضيع التي تغطيها من سرد لحياة المسيح وكلا من هذه الأسفار جزء يكمل الآخر، ويختلف السفر الرابع، إنجيل يوحنا والذي يتناول الموضوعات اللاهوتية في طياته ومنها الاعتقاد بالوجود والاعتقاد بالجسد وغيرها من الاعتقادات.

يعرج الكتاب إلي وجود توافق بين القرآن والإنجيل في بعض القضايا الخاصة بالمسيحيات؛ ومن ذلك أنه عيسي المسيح أمه مريم الصديقة، ولد من غير أب، له معجزات كثيرة: أحيا الموتى، وأبرأ الأكمة والأبرص، بشر الناس ودعاهم للعودة إلي الله جل وعلا، فكاد له اليهود، ودبروا لهلاكه وصلبه.

ويرجع ضعاف العقول منهم إلي أن هذا التوافق ما هو إلا تأثير النصراني علي الدين الجديد (القرآن الكريم) وارجعوا ذلك إلي انتحال سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام لما ورد في النصرانية.

ـ ويعيد الكاتب المقارنة بين النص القرآني والأناجيل الأربعة، وتظهر جلياً عناصر وفاق، كما تظهر عناصر خلاف جديرة بالتنبيه ولا يمكن إغفالها ومنها ما ورد في القرآن ولم يرد في الأناجيل الأربعة، ومن ذلك قصة أم المسيح مريم عليها السلام، وكلام عيسي في المهد، ونزول الإنجيل عليه، واستنصاره الحواريين ونصرتهم له، كما توجد عناصر ذكرتها الأناجيل ولم يذكرها القرآن الكريم، ومن ذلك مواعظه الكثيرة، وزوج أمه يوسف النجار، وقصة المجوس الذين ترقبوا مجئ المسيح، وخبر النجم الذي ظهر قبيل ميلاد المسيح، وقصة صلبه المزعوم.

ـ ويبرز الكاتب علي الجانب الآخر وجه عناصر في النص القرآن تخالف ما ورد ذكره في الأناجيل الأربعة، كإثبات الإنجيل الواحد، ونفي التثليث، ونفي بنوة المسيح، ونفي أبوة الله للمسيح، ونفي صلب المسيح وقتله، ونصرة الحواريين للمسيح؛ فإذا كان القرآن ناقلاً أو منتحلاً علي حد زعمهم فلِم يقع الخلاف في عناصر أساسية تعطي القصة القرآنية خصوصبة ومعان لا توجد في الأناجيل الأربعة، ولا يقبلها التفسير النصراني الرسمي؟.

ويضيف الكتاب، أن محرري الموسوعة الكاثوليكية الجديدة يؤكدون أن النبي محمداً صلي الله عليه وسلم وقد استقي معارفه من مصادر مختلفة، أهمها النصرانية واليهودية، ثم أصبغها بصبغته الخاصة، مما أعطاها لونا مميزاً، ويفترضون وجود ترجمات عربية للكتب النصرانية واليهودية تخميناً من غير دليل، مع أن علماء ((الكتاب المقدس)) ينفون وجود أي ترجمة عربية لأسفار ((الكتاب المقدس)) بعهديه القديم والجديد في ذلك العصر، بل وبعد ذلك بمئات السنين؛ إذ لا يوجد معطي اثري ولا وثيقة تثبت هذا الأمر.

ويذكر الكاتب إلي أن أول  ترجمة عربية لمجمل (الكتاب المقدس)، تدعي (البروباغاندا) ظهرت في أواخر  القرن الثامن الميلادي، أي بعد 250 عام تقريباً من ظهور الدعوة المحمدية.

وهذا ما جعل كلير تيسدل يؤكد أن دراسة مسألة تأثير النصرانية الرسمية علي القرآن الكريم تثبت أن تأثيرها لا يكاد يذكر، وأن دعوى اقتباس القرآن منها لا تقوم علي دليل نظرا لما عرف من بون في الطرح وتفاوت في الرؤية، يجعل القرآن أقرب إلي المسيحيات غير الرسمية التي تعرف عند النصارى بالبدع والهرطقات، ونصوصها الأبوكريفية، إذ المقارنة بينهما تبين وجود بعض التشابه الذي لا يمكن إنكاره.

ـ وينتقل الكاتب إلي شق آخر من الادعاءات علي  القرآن الكريم، حيث أن يري الأب قزي المستعير لنفسه لقب ((أبو موسي الحريري)) أن القرآن قد تأثر بالفرقو اليهودية النصرانية التي تدعي بالإبيونية وهي فئة من اليهود المتنصرين، سموا أنفسهم بالفقراء، آمنوا بالله الواحد الذي لا يلد، كما آمنوا بالمسيح ككلمة مخلوقة مُرسلة فحسب.

ـ ويتطرق الكاتب إلي المقدمة الثانية وهي: الظرف التاريخي للتأثر القرآني بالأناجيل؛ أي وجود النصرانية في الحيز المحمدي حتى يتسنى الحكم بالتأثير والتأثر؛ لأن مقتضي التأثر هو اعتراف بوجود تفاعل تاريخي بينهما في إطار ظرف تاريخ معين، تبلورت فيه عملية التأثر والتأثير، ولن يكون لمعطيات المقارنة بين الأناجيل والقرآن دلالة تأثير وتأثر ما لم يثبت التفاعل التاريخي، إذ التشابه لا يعني بالضرورة النقل و الانتحال والتأثر، فقد يكون له مصدر آخر.

ويبين الكاتب، الدراسات الناقدة تبين أن الجزيرة العربية كانت ملتقي الأديان الوثنية والسماوية، كما عرفت الجزيرة العربية الديانة اليهودية من زمن وكذلك النصرانية، ويحاول بعض رجال الكنيسة أن يرجعوا بتاريخ دخول النصرانية إلي السنوات الأولي من التاريخ النصراني وهذا عين ما يرفضه النقد التاريخي؛ يقول المؤرخ جواد علي: ((لأن حججهم في ذلك غير كافية، ولذلك فلا يمكن تثبيت تاريخ لانتشارها في هذه الأماكن في الزمن الحاضر)). ومهما يكن الأمر فلا يمكن تحديد تاريخ دخولهما إلي جزيرة العرب.

ـ ويضيف الكاتب إلي أن دخول الديانة النصرانية إلي الجزيرة العربية بفعل القوافل التجارية، والدعوات الدينية، والشتات النصراني عقب الاضطهادات الدينية المتوالية، وتجارة الرقيق من الجنسين، فدخل العبيد الذين يقرءون، كما دخل الرقيق الأبيض الأوروبي من الروميات والصقليات والجرمانيات فتزوج بهن العرب وصرن أمهات قبائل عربية، الأمر الذي سمح بنقل المعتقدات الجديدة إلي الأرض الوثنية، وأدي إلي التعايش بين الأعراق المختلفة العربية واليونانية والرومانية وهذا ما وطد لانتقال النصرانية واليهودية إلي الجزيرة الوثنية.

ويضيف الكاتب قائلاً، يفترض المستشرق ((جيب)) وجود تأثيرات ثقافية دينية بين مكة وباقي المناطق النصرانية كالحيرة والرها تبلورت عن التفاعل التجاري واقتصادي.

ـ ويتناول الكاتب استدلال بعض المهرطقين مثل (الأب لويس شيخو) والذي استدل علي تأسيس النصرانية في مكة، بخبر برواية الأرزقي يثبت فيه وجود صور الرسل والمسيح وأمه مريم، قيل إنها مرسومة علي جدران الكعبة، وهذا ما يدل عند البعض علي وجود مركز ديني للنصرانية وبعضهم أبعد فقال إن الكعبة كنيسة، ويعلق الباحث (بيل) ويبين أنة بالرغم من وجود رواية رسم صورة المسيح علي جدران الكعبة، إلا أنه ليس هناك أي دليل علي وجود مركز ديني للنصرانية في الحجاز أو بالقرب من مكة أو المدينة.

وفي النهاية يري الكاتب أن تطلعات وآمال الذين يريدون أن يشككوا في القرآن الكريم ومدي تأثره بأي ديانة أخرى إنما هي تطلعات واهية لا أساس لها من الصحة.

جزى الله صاحب الكتب خيرا على هذا الطرح القيم.

 
 
   Bookmark and Share      
  
  إشكالية تأثر القرآن الكريم بالأناجيل في الفكر الاستشراقي الحديث

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7