الرئيسة قراءة في كتاب الغفران بين الإسلام والمسيحية
 
الثلاثاء 10 ديسمبر 2013
New Page 1

الغفران بين الإسلام والمسيحية

ابراهيم خليل أحمد

طباعة : دار المنار

==============

تكمن أهمية الكتاب بأن مؤلفه لم يكن نصرانيا سابقا فحسب, بل هو القس إبراهيم خليل فليبس راعي الكنيسة الإنجيلية وأستاذ اللاهوت بكلية اللاهوت بأسيوط, مما يعني أن مؤلف الكتاب أدرى وأعلم بخبايا الكنيسة والنصرانية اليوم, وأقدر على تقديم رؤية حقيقية لما عليه الدين النصراني في العصر الحديث.

في المقدمة يستعرض المؤلف الأصول الإيمانية الخمسة المتفق عليها بين جميع النصارى على اختلاف مذاهبهم وطوائفهم, والتي تتركز على بنوة المسيح لله وصلبه تكفيرا لخطيئة آدم, وكيف يدحض الإسلام هذه المزاعم من خلال الآيات القرآنية.

وقد لاحظ المؤلف بعد دراسة معظم ديانات الهند, الكونفوشيوسية والبوذية والهندوسية, إضافة لدراسته لديانات الفرس والروم, أن المسيحية التي أنشأها بولس ما هي إلا إحياء لكل تلك الديانات.

وفي الباب الأول من الكتاب يستعرض المؤلف لنصوص الإنجيل بشكل تحليلي, ليثبت أن ما أوحى الله تعالى به على عيسى ومحمد عليهم صلوات الله واحد, لولا التحريف الذي لحق بالأناجيل, وإلى أي مدى ظلت تلك الأناجيل متحررة من التغيير والتحوير والزيادة والدس.

كما أن المؤلف استعرض الأناجيل الأربعة الموجودة, وهي متى ومرقس ولوقا ويوحنا, والتي تشكل الكتاب المقدس كما يسميه النصارى, موضحا بأنها دونت بعد أربعين إلى ثمانين سنة من رحيل يسوع المسيح عليه السلام, على أسس بعض الوثائق القديمة التي أصبحت مفقودة, مبينا التحريف والتغيير الذي نالها لتتلاءم من أهداف مدونيها الشخصية.

ولم ينس المؤلف أن يوضح بأن الأناجيل الأربعة لم تكن الوحيدة التي دونت في القرون الأولى من العصر المسيحي, فهناك مثلا (الأناجيل وفقا للعبرانيين) التي دونت بالآرامية واستنكرت أن يكون يسوع هو الإله المتجسد, وأيقنوا بأنه مجرد نبي ظهر بينهم, إلا أنه بنهاية القرن الثاني الميلادي تم اعتماد الأناجيل الأربعة التي لم تكن سوى أسفارا ثانوية, اعتمدت قانونية بينما باقي الأناجيل هرطقة وغير قانونية.

وقد سجل الؤلف ملاحظات غاية في الأهمية على مصدر تلك الأناجيل الأربعة وهي:

1- لا وجود لنسخة الإنجيل الموحى بها إلى يسوع المسيح في حياته.

2- المدونات القديمة المتضمنة لأقوال المسيح والتي صنفت بعد رحيله فقدت.

3- الأناجيل التي دونت بين عام 70- 115م فيها الكثير من التغيير والتحوير, وكتبت لتوائم وجهة نظر الأحزاب والمذاهب المسيحية.

4- لا أحد ممن دونوا الأناجيل عرف المسيح أو استمع لحديثه.

5- كتبت الأناجيل باليونانية بينما كان المسيح يتكلم الآرامية.

6- إن استيعاب الأناجيل ككل فهي مليئة بالمتناقضات.

إن هذه الحقائق التي صرح بها مشاهير العلماء الغربيون, تثبت أن الإنجيل الحقيقي لم يصلنا, وأن الأناجيل الأربعة المتضمنة في الكتاب المقدس لا يمكن اعتبارها مطابقة للإنجيل الحقيقي, لأن أسلوب تصنيفها والظروف التي اجتازتها لا يمكن أن يعول عليها.

وفي الطرف المقابل أثبت المؤلف صحة القرآن الحالي بكونه كلام الله تعالى, الموحى به إلى محمد صلى الله عليه وسلم, مستعرضا كيفية كتابة الوحي فور نزوله على الرسول صلى الله عليه وسلم, إضافة لجمع أبي بكر وعثمان رضي الله عنهما للقرآن الكريم بشكل دقيق.

في الباب الثاني يعقد المؤلف دراسة تحليلية عن الكتاب المقدس, مستعرضا في البداية أسفار العهد القديم والحديث, كما ذكر المجامع المسكونية وأثرها في الأسفار المقدسة, فأشار إلى مجمع نيقيه المسكوني عام 325, ومجمع روما 382, ومجمع ترنت 1546, مع تفاصيل ما جرى في كل مجمع بالنسبة لأسفار العهد الجديد والأناجيل.

كما استعرض المؤلف مخطوطات الأناجيل والأسفار, كالنسخة السينائية, ونسخة الاسكندرية, ونسخة الفاتيكان, ونسخة أفرايمية, ثم ألمح إلى النسخ والنساخ وما فيها من أخطاء لم ينج منها أحد, ليخلص في النهاية للقول بأن العهد الجديد مصنف بشري.

وقد عقد المؤلف أيضا فصلا للنقد العلمي لسند الكتاب المقدس, عبر دراسة أكبر ناقد للتوراة من علماء اليهود, الفيلسوف باروخ سبينوزا, والتي توصل فيها لنتائج ثلاث هي:

1- موسى عليه السلام لم يكتب هذه الأسفار الخمسة التي يطلق عليها اليهود والنصارى أنها التوراة وينسبونها لموسى عليه السلام.

2- مؤلف هذه الأسفار هو شخص عاش بعد موسى عليه السلام بزمن طويل جدا.

3- موسى عليه السلام كتب سفرا مختلفا عن هذه الأسفار الخمسة المروجة حاليا.

في الفصل الثالث من الكتاب الذي عنونه المؤلف (النصوص تتكلم), رسم المؤلف جدولا شرح فيه توافق الرسالات الثلاث من حيث التنزيل, من النواحي العقائدية والأخلاقية, كما استعرض كتاب (العقائد الوثنية في الديانة النصرانية) لمؤلفه الأستاذ محمد طاهر التنير, والذي ألفه غيرة على الإسلام وردا على عدد من الكتب التي ألفها بعض النصارى فيها الكثير من الاساءة والطعن بالإسلام.

وقد أعجب المؤلف بالكتاب, واستعرض منه بعض المواضيع المتعلقة بمصادر المسيحية الوثنية, كفكرة الثالوث المقدس الذي كان موجودا عند البوذيين والمصريين القدماء وغيرهم, كما تطرق لفكرة مريم العذراء والدة الإله وملكة السماء, والتي لها جذور وثنية, من خلال ما يفعله المصريون القدماء بتلقيب والدة الإله إيزيس أو والدة المخلص حورس بلقب: (السيدة) و (ملكة السماء).

ثم يستعرض المؤلف توافق وتطابق أقوال الهنود الوثنيين في بوذا وكرشنه ابن الله, وما يقوله المسيحيون في يسوع المسيح ابن الله, من خلال جدول لأقوال كل منهما فيما يزعمون أنه ابن الله.

في الفصل الرابع والأخير استعرض المؤلف خمس شبهات هي: الإله المتجسد والبنوة الإلهية والثالوث الإلهي والخطيئة الأصلية والفداء, بالتحليل والتفنيد والدحض, من خلال التوراة والإنجيل والقرآن.

فبين المؤلف رفض القرآن لتعظيم النصارى للمسيح عيسى بن مريم عليه السلام, الذي أوصلوه إلى الإله المتجسد, واعتبر القرآن ذلك ارتدادا إلى الوثنية, كما انتقد فكرة وعقيدة التثليث غير المفهومة, وأكد المؤلف عدم وجود هذه العقيدة في أي موضع من الكتاب المقدس, وأنها غريبة على المسيحيين الأوائل قبل القرن الرابع, وأن هذه العقيدة نشأت بعد تأليه المسيح والروح القدس.

ثم عرض المؤلف لعقيدة الإسلام الواضحة السهلة, التي تدعو إلى التوحيد, وليس فيها غموض أو تعقيد, واستعرض الآيات التي تؤكد على الوحدانية, وتنقد الشرك والتعدد في الآلهة {لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا} الأنبياء/22

ويمضي المؤلف في تأكيد عدم ادعاء المسيح الألوهية والربوبية, وأنه أعلن عن نفسه بشكل واضح وصريح, بأنه نبي ورسول (تعليمي ليس لي بل للذي أرسلني) (يوحنا/7 : 16), وكيف يدعي الألوهية وقد أشار إلى الإله الحقيقي وهو الله.

وبينما دخل على المسيحية الكثير رمن الدخائل كالتجسيد والتثليث وغيرها من العقائد الوثنية الباطلة, حرر فيه الإسلام أتباعه من عبودية مثل هذه الخرافات, وأوضح لهم حقيقة المسيح عيسى بن مريم {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ * لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ * قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ } المائدة/72- 76

ومن خلال استعراضه لشبهة توارث الخطيئة الأصلية عند النصارى, والتي لازمت بني آدم منذ أكل آدم من الشجرة ومعصيته لله تعالى, لا بد لتكفيرها من دم زكي حسب أقوال بولس, وأن يسوع المسيح هو من دفع ثمن هذه الخطيئة بموته على الصليب, وهو الخلاص الوحيد لمن يؤمن بكونه ذبيحة عوضا عنهم.

ويؤكد المؤلف بأن هذه العقيدة كسائر عقائد النصارى ليس لها سند من كلام المسيح عليه السلام, ولا من كلمات الأنبياء قبله, فمن المعروف أن كل إنسان مسؤول عن أعماله الشخصية, التي يعبر عنها القرآن بقوله تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ} المدثر/38 {مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} الإسراء/15

وخلص المؤلف في النهاية إلى النتائج التالية:

1- إن عقيدة الثالوث المقدس والإله المتجسد والبنوة الإلهية والخطيئة الأصلية وفداؤها ليست معقولة ولا مطابقة لتعاليم المسيح عليه السلام.

2- إن الدين الموحى به لكل الأنبياء واحد, ولكن مع الوقت تحرف المعنى وشابه الكثير من الخرافات والأساطير الوثنية.

3- إن النبي محمد صلى الله عليه وسلم ينتقد كل الاتجاهات اللاهوتية الغير معقولة, ويعيد الأمور إلى الفطرة الإنسانية الإلهية السليمة.

4- إن الإسلام هو دين الحق بلا أساطير ولا خرافات, وبتعاليم بسيطة ومعقولة

5- إن الإسلام هو دين المساواة بين الجنس البشري, فالتفاضل فيه بالعمل الصالح والخشية من الله فحسب.

جزى الله المؤلف على هذا الكتاب القيم, ونسأل الله تعالى أن يهدي به كثيرا ممن ضلوا الطريق من أهل الكتاب, وأن يجعله في ميزان حسناته غدا يوم القيامة, إنه سميع قريب مجيب. والحمد لله رب العالمين.

 
 
   Bookmark and Share      
  
  الغفران بين الإسلام والمسيحية

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7