الرئيسة قراءة في كتاب النظام السياسي الإسلامي والفكر الليبرالي
 
الجمعة 31 يناير 2014

النظام السياسي الإسلامي والفكر الليبرالي

الدكتور : محمد الجوهري حمد الجوهري

طباعة : دار الفكر العربي

ـــــــــــــ

من الأمور التي باتت معلومة أن الفكر الليبرالي الغربي قام على أنقاض الدين المسيحي والكنيسة الكهنوتية المتسلطة, وأن الغزو الثقافي الاستعماري وتطلع الشعوب الإسلامية للحرية, وقصور الاجتهادات والبحوث الإسلامية السياسية, وعدم تمكين المسلمين من بلورة وتجريب نظام سياسي إسلامي عصري, جعلت من الديمقراطية الليبرالية نموذجا تجذب الأنظار, وتثير كثيرا من التساؤلات حول موقف الإسلام منها.

لقد حاول المؤلف في هذا الكتاب تسليط الضوء على الفكر الليبرالي الحديث وموقفه من المسيحية في أوربا, كما قام بمقارنة هذا الفكر مع النظام السياسي الإسلامي, مسلطا الضوء على نظام الشورى الإسلامي والديمقراطية الإسلامية.

في الفصل الأول سلط المؤلف الضوء على الفكر الليبرالي الحديث الذي يختلف مفهوم الحرية والديمقراطية فيه عن مفهوم الحرية والديمقراطية التي عرفتها الشعوب منذ العصر اليوناني, حيث تصطبغ الحرية الفردية بالمفهوم الليبرالي الحديث بمفهوم السيادة للفرد على هذا الكون, ولا تقتصر على حريته في اختيار السلطة الحاكمة فحسب.

كما بين الؤلف ارتباط الفكر الليبرالي الحديث بالشق الاقتصادي عبر ما يسمى باقتصاد السوق والحرية الاقتصادية وقوانين العرض والطلب ودافع المنفعة الشخصية, والشق السياسي عبر الديمقراطية الخاصة بالليبرالية الحديثة.

انتقل المؤلف بعد ذلك لبيان علاقة الفكر الليبرالي الحديث بالفرد من خلال إطلاق حريته المدنية والسياسية, معتبرا الأولى غاية والثانية وسيلة, ومؤكدا على أن معرفتهم للحرية كان نتيجة لتأثر الفكر الأوربي بالحضارة الإسلامية.

كما تناول المؤلف في هذا الفصل موقف الفكر الليبرالي الحديث من المسيحية, حيث دخل هذا الفكر منذ انتهاء الحروب الصليبية في القرن 13 ميلادي وحتى الثورة الفرنسية عام 1789م في معارك طاحنة مع الكنيسة ورجال اللاهوت الكنسي, لتنشأ المادية الجديدة عقب انتصار الفكر الليبرالي على الكنيسة.

وراح المؤلف بعد ذلك يفصل القول في سلطات الكنيسة التي كانت سائدة في أوربا, فتحدث عن سلطتها السياسية والاقتصادية, وكذلك سلطتها العقائدية الدينية, ليذكر بعد ذلك المآخذ الكثيرة على الكنيسة, والحروب الدينية في أوربا التي أخرجت فلسفة الشك والإلحاد, الذي انتشر بشكل كبير وأدى إلى القضاء على سلطات الكنيسة, لتنشأ بعد ذلك بيئة ثقافية دينية مسيحية جديدة في أوربا ذات سمات أهمها:

1- الأفراد أحرار في اعتقاد ما يشاؤون.

2- عدم عودة سيطرة الكنيسة بسلطاتها مرة أخرى, وبذلك تم الفصل بين السلطة الدينية عن السلطة الزمنية.

3- عدم فرض القوانين اللاهوتية المسيحية على الشعب والمجتمع والدولة.

كما تحدث المؤلف عن آليات تطبيق الفكر الليبرالي الحديث على أرض الواقع بشقيه السياسي عبر ظهور البرلمانات والدساتير, والاقتصادي عبر النظام الرأسمالي الحديث.

في الفصل الثاني من الكتاب أكد المؤلف اختلاف البيئة الثقافية الدينية الإسلامية عن الغربية, مشيرا إلى ثباتها وعدم تغيرها نظرا لأنها تستمد معطياتها من القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة, وإلى المشكلات الفكرية التي واجهتها نتيجة اتصالها بالحضارات المختلفة.

وقد بين المؤلف تفاصيل هذه المشكلات التي واجهت البيئة الثقافية الإسلامية, وقد تمثلت الأولى بمواجهة الأفكار اليونانية والهندية والفارسية والتي استطاعت الثقافة الإسلامية التغلب عليها, بينما تمثلت الثانية بمواجهة الغزو الفكري الاستعماري والتغريب والأفكار العلمانية والليبرالية, والتي اعتبر المؤلف أن الثقافة الإسلامية في طريقها للتغلب على هذه المشكلة أيضا.

ثم راح المؤلف يشرح تلك المشكلتين, بدءا بانحراف الصوفية والجبرية وظهور الحلول والاتحاد, مرورا بحملة نابليون على مصر والتي كانت بداية تسلل الثقافة الغربية للعالم العربي والإسلامي, وانتهاء بالغزو الفكري الاستعماري بعد احتلال الغرب لمعظم بلاد المسلمين وانهيار الخلافة العثمانية.

وقد أكد المؤلف أن تركيز المستعمر انصب على تنفيذ خطته التي أعدها مسبقا والمتمثلة بالغزو الفكري, وأن هذه الخطة تسعى بدورها لتحقيق هدفين اثنين هما: محاربة الدين الإسلامي والتشكيك فيه, وإظهاره بمظهر المتسبب في تأخر المسلمين وتخلفهم عن اللحاق بركب الحضارة الأوربية, وزرع الأفكار الأوربية وتنميتها في عقل ووجدان الشعوب الإسلامية, ونشر الفكر الغربي في جميع المجالات ليصطبغ بها فكر الفرد المسلم ثقافة وسلوكا.

ونوه المؤلف لنجاح الاستعمار في تحقيق بعض أهداف غزوه الفكري هذا, معتمدا على تقدمه العلمي الذي أبهر به عقول بعض المثقفين العرب, إضافة لربط تقدمه العلمي والتقني بفصل الدين عن السياسة والحياة, وسيطرته على التربية والتعليم في البلاد العربية والإسلامية المستعمرة, ودعوته للتغريب من خلال مجموعة من المتغربين التي مررت الفكر الغربي إلى المسلمين.

لقد كان لهذا الغزو الثقافي الغربي أثر كبير على المجتمع المسلم, حيث حاول المستعمر عزل الإسلام عن حركة الحياة, وجعله مقصورا على إقامة الشعائر والعبادات فقط, وحورب الإسلام ودعاته بعنف وضراوة بالغة, حيث يعلم المستعمر أن بقاءه مقترن بابتعاد المسلمين عن دينهم, ولم يترك المستعمر تلك البلاد إلا وقد سلمها لفئات تؤمن بأفكاره ومفاهيمه التغريبية.

في الفصل الثالث من الكتاب تناول المؤلف موضوع المقارنة بين النظام السياسي الإسلامي والفكر الليبرالي الحديث, بادئا بالمقارنة بين نظام الشورى الإسلامي والفكر الليبرالي, حيث أكد أن البيئة الثقافية الإسلامية لم يصبها الوهن والانهيار -كما حدث في أوربا - رغم ضراوة الغزو الفكري الغربي, إلا أننا بنفس الوقت لم نعمل على التطور والخروج من التلقليد الأعمى للغرب.

ويرى المؤلف أنه من المفروض الاستفادة من النظام الديمقراطي في تطوير وسائل وآليات الشورى الإسلامي, واستشهد بأن الإسلام لم يأت ليهدم كل ما كان عليه الناس من مدنية وأخلاق, وإنما كان ينظر إلى الأشياء من وجهة ما فيها من مصلحة ومضار, فما كان منها صالحا أقره وما كان ضارا نهى عنه وحرمه, وما احتاج للتنقيح والتهذيب أدخل عليه ما يجعله صالحا وفيه خير للناس.

كما نوه على أن المستجدات المعاصرة كثيرة وعويصة, ولا يمكن أن نظل نهرب من مواجهتها, ونحتاج لجهد كبير لاكتناه أحكام الفقه الإسلامي فيها –ومنها نظام الشورى– ووسائل تطبيقه وخاصة بعد التقدم الرهيب في وسائل الاتصال والمواصلات, الذي جعل من الفكر والمعلومات هي التحديات الحقيقية في المستقبل.

لقد أكد المؤلف أن النظام الإسلامي يؤمن بحرية الإنسان الشخصية والفردية التي وردت في جميع وثائق حقوق الإنسان والدساتير وغيرها, ويكفي أن الحرية في الإسلام هي أساس الاختيار في الدنيا, والتي على أساسه يكون الجزاء في الآخرة, كما أن نظام الشورى في الإسلام يؤمن بحق المسلم في اختيار السلطة التي تحكمه, وهذان النوعان من الحرية هما في الحقيقة أساس النظام الفردي الذي تمثله الديمقراطيات القائمة الآن, وقد أخذهما الغرب من الإسلام نتيجة لتأثره بالحضارة الإسلامية.

وبينما يرتبط هذا النوعان من الحرية في الإسلام بالتعاليم والقوانين الشرعية التي تطبق على الجميع دون استثناء, نظرا لتوافقها مع الفطرة والعقل, تحرر الفكر الليبرالي من أي ارتباط بتعاليم الكنيسة اللاهوتية نظرا لخروجها عن حدود المنطق والعقل إلى الخرافة والوهم.

كما تناول المؤلف في هذا الفصل طريقة اختيار أبي بكر رضي الله عنه خليفة للمسلمين بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم, والتي اعتبرها بعض المستشرقين بمثابة معركة انتخابية بمفهومها العصري, متعجبين من حدوثها بهذا الأسلوب في ذلك الوقت من تاريخ البشرية.

وتحت عنوان: "اجتماع المسلمين في سقيفة بني ساعدة مثال للحرية الحقيقية" قام المؤلف بسرد بعض تفاصيل قصة اختيار أبي بكر رضي الله عنه خليفة للمسلمين, ليخلص في النهاية إلى ما يلي:

1- طريقة اختيار الحاكم لم ينزل بها نص من القرآن الكريم أو السنة الصحيحة وإنما هو الاختيار أو الانتخاب.

2- إنه في ظل بيئة ثقافية دينية إسلامية كاملة يكون اختيار الحاكم بأغلبية الأصوات, فالذي رجح كفة أبي بكر رضي الله عنه هو انضمام الأوس وكثير من الخزرج للمهاجرين بتأييد أبي بكر رضي الله عنه.

3- رغم الاختلاف في الرأي لم ترق نقطة دم واحدة, مما يؤكد أن اختلاف الرأي لا يوجب النزاع بالقوة.

4- الخنوع والاستكانة والانسحاب من الحياة ليست من شيم المسلم الصحيح الإيمان.

5-   الإسلام يعترف بحق الاختلاف في الرأي, ولا يعرف فرض الرأي أو قهر الفكر.

6- اختيار أبي بكر رضي الله عنه يعتبر معركة انتخابية بمفهومنا المعاصر ورغبة المسلم بتولي المسؤولية لا ينفي عنه عمق الإيمان.

7- الحاكم نائب عن الأمة ومقيد بأحكام الشريعة ومراقبة الأمة أو ممثليها, والتشريع مصدره القرآن والسنة.

8- إن خوف المفكرين المسلمين على مر العصور من تفرق المسلمين وتشتتهم عند ممارسة الشورى نابع من الظروف التي مرت بها الدولة الإسلامية, ولإزالة هذا الخوف يجب العمل على صيانة حرية الرأي بكل الأساليب الممكنة.

وعن آليات تطبيق نظام الشورى الإسلامي في الوقت الحاضر, مع التوسع الهائل في عدد السكان والبنيان والتكنولوجيا, استعرض المؤلف آراء بعض العلماء والمفكرين بالنظام الديمقراطي الإسلامي المتمثل بالأحزاب والانتخابات, فذكر رأي الدكتور محمد سليم العوا والدكتور يوسف القرضاوي ومحمد الغزالي ومأمون الهضيبي ومحمد عمارة غيرهم, والتي بمعظمها تجيز انتهاج أسلوب الديمقراطية الحديثة بما لا يتعارض مع مبادئ الإسلام وثوابته.

كما ذكر المؤلف رأي الإخوان المسلمون وعلى رأسهم المرشد العام للجماعة حسن البنا في وضع دستور وقانون للدولة الإسلامية الحديثة, كما تناول مسألة تجديد البيئة الثقافية الدينية الإسلامية, من خلال تجديد الفكر الإسلامي والثقافة الإسلامية من خلال المتغيرات, دون المساس بالثوابت التي لا تتغير ولا تتبدل ولا تتجدد.

وقد بين المؤلف الفرق بين المشروعية في الإسلام المستمدة من مصدر إلهي هو أعلم بما يصلح البشر, وبين المشروعية الليبرالية المستمدة من القوانين الوضعية المتخبطة, وبالتالي يظهر الفرق الثاني من خلال أخلاقية البيئة الثقافية للفكر الإسلامي, والبيئة المادية للثقافية الفكرية الغربية الليبرالية, كما يظهر الفرق بين حقوق الإنسان في الإسلام وحقوق الإنسان في القوانين الوضعية الليبرالية.

ثم تناول المؤلف ظاهرة الصحوة الإسلامية وأسبابها, مشيرا لضرورة أسلمة العلوم والمعارف وخاصة العلوم الإنسانية, مشيرا إلى الفرق بين مجلس الشورى في الدولة الإسلامية والبرلمان في النظم الليبرالية, متسائلا: هل الأحزاب العلمانية في الديقراطية الإسلامية ضرورة موقوتة؟؟ ليأتي الجواب بالإيجاب, وأنها تشبه إلى حد كبير وجود الشعوب التي دخلت في الإسلام عند الفتوحات الإسلامية الكبرى.

وفي الختام أكد المؤلف أن الفكر الإسلامي الحقيقي العميق يحمل قدرا هائلا من الديناميكية والتجدد والحركة لمجابهة حركة الحياة وتقلباتها ومستجداتها, وقعود المسلمين –وخاصة المفكرين والمثقفين منهم– عن مواجهة حركة الحياة ومستجداتها لا يقع ذنبه على الإسلام, وإنما على المسلمين وخاصة المفكرين منهم.

 
 
   Bookmark and Share      
  
  النظام السياسي الإسلامي والفكر الليبرالي

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7