الرئيسة قراءة في كتاب تفكيك العلمانية في الدين والديمقراطية
 
الجمعة 31 يناير 2014

تفكيك العلمانية في الدين والديمقراطية

تأليف: الدكتور رفيق عبد السلام

الناشر: دار المجتهد للنشر والتوزيع

طبعة تونس الأولى 2011م

عدد الصفحات: 239 صفحة

ــــــــــ

سبق لهذا الكتاب أن صدر قبل ثلاث سنوات في بيروت، وهو في الأصل أطروحة دكتوراه قدمها الكاتب في الجامعة البريطانية سنة 2003م تحت إشراف البروفسور جون كين الذي يعد واحدا من ألمع الكتاب الغربيين في مجال الفكر السياسي، ثم صدرت له طبعة محلية ثانية في المملكة العربية السعودية بعدما أوصد الرقيب أبواب التوزيع أمام الطبعة الأولى اللبنانية. والطبعة التي بين أيدينا الآن هي آخر طبعات هذا الكتاب، وهي الطبعة الأولى بالنسبة لتونس.

وقد راعى الكاتب في الطبعة العربية إعادة صياغة بعض مباحثها بما يستجيب لحاجة القارئ العربي بد الاعتماد على الترجمة وما يصاحبها عادة من ضعف البيان ومجافاة الأسلوب العربي المبين، فأدخل بعض التعديلات على النص الإنجليزي، وتوسع في بعض المواضع، كما أضاف فصولا رأى فيها إضافة، وحذف أخرى لم يرى فيها كبير فائدة -على حد ما جاء في مقدمة الكاتب لهذا الكتاب-.

وفي هذا الكتاب يتناول الكاتب قضايا العلمانية والإسلام والديمقراطية، وهي من دون شك قضايا كانت وما زالت تشغل حيزا واسعا من دائرة الاهتمام الفكري والسياسي، وتغطي مساحة شاسعة من رقعة التداول الإعلامي بين مختلف الدوائر الغربية والعربية -الإسلامية على السواء.

فمسألة العلمانية وما يرتبط بها من مفاهيم كالحداثة والديمقراطية ثم ما تلا ذلك من مفاهيم "جديدة" كالعولمة، وما بعد الحداثة، وما شابه ذلك، هي من أهم ما يوجه الوعي السياسي العربي والإسلامي من تحديات، وليس من المبالغة في الزعم أن أغلب ما تتداوله ألسنة النخبة العربية والإسلامية، ومعظم ما تخطه أقلامها، لا يخرج عن دائرة هذه القضايا -المفاتيح وما تفرضه من مساءلات وبحث.

والكتاب قسمه مؤلفه إلى ثلاثة أبواب، تناول في الباب الأول مبحث العلمانية، وقد سلك في ذلك مسلكين متكاملين:

أولهما: معالجة العلمانية من الزاوية النظرية، وذلك بالتنقيب عن دلالتها اللغوية والفكرية بالغة التشعب، من خلال الرجوع إلى أهم مصادرها، وألمع منظريها في العصر الحديث، وقد توقف المؤلف بعض الشيء عند عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر، لما تتسم به قراءته للعلمانية والحداثة من طرافة وعمق، ولما له من تأثير ملموس في قطاعات واسعة من الباحثين والأكاديميين، بل ومن السياسيين والإعلاميين الغربيين على حد سواء.

والثاني: تناول العلمانية باعتبارها ظاهرة تاريخية اجتماعية في إطار ما بات يعرف اليوم بلغة الاجتماع والسياسة بالعلمنة، تمييزاً لها عن العلمانية خطاباً ونظرية ومنظومة قيم.

وفي هذا السياق شدد المؤلف على تنوع تجارب العلمنة، سواء في مواطنها الأصلية في أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية، أو في الفضاءين العربي والإسلامي، وخلص المؤلف من خلال هذا الطرح إلى القول بتعدد العلمانيات وتنوعها، وأنه ليس ثمة علمانية واحدة تنتظم جميع هذه التجارب، كما خلص إلى نفي ما يشاع عن العلمانية من أنها قرينة التسامح والانفتاح، وبين خلافا لذلك أن الكثير من تجارب العلمنة، سواء في الغرب أو في الشرق، لم تخل من وجوه عنفية مرعبة، ومظاهر تسلطية مفزعة.

كما تبين من خلال طرح المؤلف أن العلمانية على النحو الذي هي عليه اليوم في بعض البلاد العربية والإسلامية تبدو عاجزة عن معالجة التسويات الاجتماعية، وبناء السلم المدني المفقود، ومن علامات ذلك أن العلمانية في هذه المنطقة العربية والإسلامية لم تكن مرتبطة، في أي وقت من الأوقات بحيادية الدولة إزاء المجال الديني، أو استقلالية الحق العمومي عن التدخل الشطط للدولة بقدر ما جلبت معها أقداراً غير قليلة من التسلط السياسي والقهر الاجتماعي.

أما الباب الثاني فقد خصصه الكاتب لدراسة العلاقة الرابطة بين الإسلام والعلمانية، وكما نبه الكاتب في صدر كتابه، لم يكن مطلبه فيه تقصي مواطن التعارض أو التوافق بين الإسلام والعلمانية، على نحو ما هو غالب في الأدبيات العربية والغربية، وإنما بيان الطابع المركب للإسلام والعلمانية على السواء، فضلا عن جلاء الخاصية المعقدة لهذه العلاقة، سواء عند تناولنا العلمانية في بعدها النظري والنصي، أو في بعدها التاريخي الاجتماعي.

أما ما هو رائج بين عدد واسع من أهل الفكر والإعلام والصحافة من وجود إسلام موحد وصلب يقف في مواجهة علمانية متجانسة وموحدة، فإنه لا يصمد كثيراً أمام البحث العلمي والتنقيب التاريخي الجادين، فلا الإسلام حالة نمطية مغلقة على نفسها، ولا العلمانية حالة مكتملة وموحدة، ولا العلاقة بينهما على ضرب واحد وصورة واحدة.

أما الباب الثالث فخصصه المؤلف للحديث عن الديمقراطية، وقد دعا المؤلف إلى الحديث عنها –على حد قوله- كثرة ما أصبح يكتب عنها من قبل النخب، ويتردد حولها على ألسنة العامة، إذ أمسى من الوضوح بمكان أن الشعار الديمقراطي قد حل محل شعار تصدير المدنية والحضارة في تحريك الجيوش والأساطيل وتسويغ غزو الأوطان والإطاحة بالحكومات.

وفي هذا الباب عارض المؤلف أكثر ما كتب عن هذا الموضوع، ولاسيما في ساحتنا العربية والإسلامية، حيث لا تخلو الكتابات عن الديمقراطية من آفتي الأدلجة والاختزال، كأن يشاع أن الديمقراطية منظومة متكاملة متراصة البنيان، أو أنها ثقافة شاملة لا تنفصل فيها "القيم" عن الوسائل والإجراءات؛ أما ما ذهب إليه الكاتب فهو خلاف ذلك حيث بين الكاتب أن الديمقراطية ما هي إلا آلات إجرائية وظيفية قد تصلح لعلاج معضلة الاستبداد والتسلط السياسي، وليست عقيدة صارمة منازعة للعقائد والأديان، ولا هي حل سحري يتجاوز سنن العمران وقوانين الاجتماع السياسي، وأن ما يسمى بالثقافة الديمقراطية والقيم الديمقراطية والروح الديمقراطية ليس من التحقيق العلمي في شيء.

وختاماً ننصح القراء الكرام بالنظر في هذا الكتاب الذي تلمس فيه مؤلفه أهم وأبرز خصائص العلمانية سيما العلمانية العربية، فالكتاب يتناول هذه المسألة بشكل موضوعي وفق منهج علمي جاد.

 
 
   Bookmark and Share      
  
  تفكيك العلمانية في الدين والديمقراطية

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7