الرئيسة قراءة في كتابسلطة الثقافة الغالبة
 
الجمعة 3 أكتوبر 2014

سلطة الثقافة الغالبة

المؤلف: إبراهيم بن عمر السكران

الناشر: دار الحضارة للنشر والتوزيع

الطبعة: الأولى، 1435هـ

ــــــ

* الكتاب الذي بين أيدينا يناقش قضية كبرى من القضايا التي تعاني منها الأمة الإسلامية في وقتنا الحاضر، وهي قضية الهوية والثقافة وارتباطهما بانهزامات الأمة وانتصاراتها، فالكاتب بهذا الطرح يريد التأكيد على أن ثقافات الأمم المهزومة تابعة لثقافة الأمة الغالبة، بل للأمم المهزومة ولع بتتبع كل ما يصدر عن الأمم الغالبة والأخذ بكل ما يرتبط بها من عادات وتقاليد وثقافات..الخ.

وقد نوه الكاتب على أن هذا الكتاب ليس مناقشات لأطروحات الفكر المعاصر ورموزه ومشروعاته الثقافية، فهذا مفصّل في مواضع أخرى، بل هذا الكتاب هو حصيلة نقاشات لأسئلة طرحت محلياً، وقد كتبها الكاتب في الأعوام (1431هـ،1433هـ)، فهذه هي الأجواء الزمنية والجغرافية لهذه الحصيلة من النقاشات في هذا الكتاب.

كما أن هذا الكتاب بطبيعة الحال ليس استيعاباً لكل ما طرح من إشكاليات الثقافة الغربية في بيئتنا المحلية، بل هي نماذج وعينات فقط، فإذا تأمل الباحث الموضوعي في أمثال هذه العينات، ثم لمس من خلال مناقشتها ما فيها من الهشاشة العلمية، انفتح له باب معرفة الحق في نظائرها بإذن الله.

وقد جاء هذا الكتاب في مقدمة ومدخل تنظيري وثلاثة فصول وخاتمة.

* حوت مقدمة الكتاب مجموعة مختارة من النقولات التي تتحدث عن الانبهار بثقافة الآخر وما عنده من علوم وفنون وبيان أن المغلوب مولع بتقليد الغالب وتتبعه في كل شيء، ولعل أبرز النقولات التي نقلها الكاتب- وهي فحوى كتابه- ما سطره ابن خلدون في مقدمته الشهيرة، حيث يقول: "الفصل الثالث والعشرون في أن المغلوب مولع أبداً بالاقتداء بالغالب في شعاره وزيه ونحلته وسائر أحواله وعوائده، والسبب في ذلك أن النفس أبداً تعتقد الكمال في من غلبها وانقادت إليه؛ إما لنظره بالكمال بما وقر عندها من تعظيمه، أو لما تغالط به من أن انقيادها ليس لغلب طبيعي، إنما هو لكمال الغالب، فإذا غالطت بذلك واتصل لها اعتقاداً فانتحلت جميع مذاهب الغالب، وتشبهت به... حتى أنه إذا كانت أمة تجاور أخرى، ولها الغلب عليها؛ فيسري إليهم من هذا التشبه والاقتداء حظ كبير".

وقد علق المؤلف علي هذا النقل بقوله: والحقيقة أن هذا الفصل في مقدمة ابن خلدون هو نص تنظيري مكتمل لا أعرف له في التراث الإسلامي نداً في تحليل ظاهرة "سلطة الثقافة الغالبة".

* والثقافة الغالبة التي يقصدها الكاتب في هذا الكتاب هي الثقافة الغربية الليبرالية الإمبريالية.

* وفي المداخل النظرية الكتاب تحدث الكاتب في ثلاثة موضوعات متصلة، أما الموضوع الأول فكان عن التناظر بين الاستبداد السياسي والاستبداد الثقافي، وفيه بين المؤلف أن الاستبداد في حقيقته ليس لوناً واحداً كما يتصور الكثيرون، بل هو على مستويات، من أهمها الاستبداد السياسي والاستبداد الثقافي، ولكل نوع من نوعي الاستبداد ضحاياه.

ثم تحدث عن الخضوع المضمر للثقافة الغالبة، وختم الكاتب هذا المدخل التنظيري بالحديث عن مصائر الخضوع للثقافة الغالبة.

* وجاء الفصل الأول من فصول هذا الكتاب تحت عنوان "استقبال النص"، وكما يظهر من العنوان فإن مقالات هذا الفصل تمحورت حول النص الشرعي، فتحدث المؤلف فيها عن أمور شتى منها فكرة "عزل النص عن التجربة البشرية"، أي جعل النص فكرة مجردة، ومؤدى هذه الفكرة أن الإسلام لا يرتبط بأي تجربة بشرية.

كما ناقش الكاتب ما أسماه بـ"تقنية التبعيض"، وتعني أخذ البعض لبعض الشريعة وتركه لبعضها الآخر وفقا لمصالحه ورغباته.

كما تحدث الكاتب عن قضية أخرى ترتبط بالنص الشرعي وهي قضية "قطعنه الشريعة"، والتي قصد بها "حصر الشريعة في قطعي الثبوت والدلالة". إلى غير ذلك من الموضوعات التي عرض لها الكاتب بشكل شيق وأسلوب سلسل.

* وجاء الفصل الثاني تحت عنوان "العلوم المعيارية"، وفي هذا الفصل ناقش الكاتب عدة موضوعات ترتبط بالعلوم الإسلامية ونقلة هذه العلوم، فتحدث عن علم أصول الفقه، وبين ما تريده الثقافة الغالبة منه، وأن من بين الدعاوى التي طرحها وكلاء الثقافة الغالبة: أن علم أصول الفقه علم اجتهادي، ولهذا فلا مانع من تطويره، وأن هذا العلم قد ابتكره الشافعي، ولذلك فهو مرتبط باحتياجات عصره، وقد ناقش الكاتب هذه القضية ورد على انهزاميات وكلاء الثقافة الغالبة.

كما ناقش الكاتب الاستهداف المتعمد للمكثرين من الرواة للسنة من قِبل المستشرقين ومن سار في ركابهم، ومن الموضوعات التي أثارها الكاتب في هذا الفصل الحديث عن مفهوم "نقد المتون"، أي متون السنة النبوية، حيث ذهب المنهزمون للثقافة الغالبة إلى التعامل مع النص الإسلامي بمنطق غربي لا يتفق مع المنهج الإسلامي الذي وضعه علماء الحديث في نقد النص الإسلامي.

ومن المناهج التي طرحها المؤلف في هذا الفصل ما يعرف بإستراتيجية اللابديل، التي صار يتبناها اليوم بعض مروجي الثقافة الغربية الغالبة، وفيه بين الكاتب أن صاحب إستراتيجية اللابديل لا يقدم لك -مثلا- معنى للنص تناقشه، وتوازن بينه وبين تفسيرات الخطاب الشرعي السني، وإنما يقول لك النص لا نهائي التفسيرات، ويتوقف دون تعين، وهكذا حاله في كل المعارك والصراعات التي تدور بين هؤلاء المنهزمين وبين أهل السنة.

* أما الفصل الأخير من فصول هذا الكتاب فجاء تحت عنوان "نظام العلاقات"، فتحدث الكاتب فيه أول ما تحدث عن المبادئ العامة لأهل السنة والجماعة في الموقف من المخالف، ثم تحدث عن مفهوم "الطائفية" حيث خصص المقال الثاني من هذا الفصل لتفكيك هذا المفهوم وبيان حدوده، وما وقع فيه البعض من خلط ولبس وخطأ.

ثم ناقش الكاتب عدة موضوعات ترتبط كغيرها بموضوع الكتاب وهوة تسلط الثقافة الغالب على الانهزاميين من أبناء الأمم المهزومة، ومن هذه الموضوعات حديثه عن "لبرلة الولاء والبراء"، ثم تحدث المؤلف عن تناقضات الخاضعين لثقافة الحرية الليبرالية الغالبة، وأنهم يتحدثون كثيراً عن حرية المخالف حديثاً مخالفاً للشريعة، وفي ذات الوقت ينتهكون حقوق المخالف الشرعية ذاتها.

وناقش الكاتب في مباحث هذا الفصل مسألة الجهاد وكيف يجتهد المنهزمون غربياً في تأويل كل ما يخص الجهاد على أنه جهاد دفع، لكن الكاتب يعترضهم بنصوص الغزو، وهو يريد بهذا كما يقول: المحافظة على المفاهيم الشرعية ضد التزوير.

* ما عرضناه ليس كل تفصيلات الكتاب، وإنما نتف مما أورده الكاتب في فصول كتابه الماتع، الذي يتناول قضية الثقافة الغالبة، وفق طرح عصري، وأسلوب سهل معزز بالتطبيقات الحية والتحليلات المنضبطة.

* وختاما نسأل الله أن يجزي المؤلف خيراً على هذا الجهد، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

 
 
   Bookmark and Share      
  
 سلطة الثقافة الغالبة

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7