الرئيسة قراءة في كتاب القارة المتدينة.. أوروبا ومستقبل الإسلام والمسيحية
 
الإثنين 10 أغسطس 2009

 


فيليب جينكنس، أستاذ التاريخ والأديان في جامعة بنسلفينيا الأمريكية، من المتخصصين البارزين والمؤلفين المعتمدين في تاريخ الديانة المسيحية وواقعها، وله كتب عديدة في تخصصه من أبرزها مستقبل المسيحية، والوجه الجديد للمسيحية، والتطور السكاني للمسيحيين في العالم، وغيرها. وهذا ما يعطي هذا الكتاب عن المسيحية والإسلام ومستقبلهما في أوروبا قيمة إضافية، علاوة على أنه أظهر -إلى جانب ما يتطلبه تخصصه- اطلاعا واسعا ودقيقا على كثير من الجوانب التفصيلية ذات العلاقة بموضوع الكتاب، ونظرة منهجية ربما ساعده عليها وجوده "خارج أوروبا" وهي لا تتوافر بسهولة ودون شيء من الانحياز لمن يعيش داخل القضية في القارة الأوروبية نفسها. 

تأييد.. ونقد في غير مكانه

ترجمة عنوان الكتاب إلى "قارة متدينة؟" تستخدم عبارة تتلاءم مع الموروث المعرفي لدى القارئ العربي، وأصل العنوان بالإنجليزية "God`s Continent?" التي تعني حرفيا "قارة الإله؟"، وهذه عبارة يرتبط استخدامها بالموروث المعرفي الفلسفي الغربي، القائم عموما على أن الممارسة الدينية هي مصدر الاعتقاد بالألوهية، وليس العكس، أي ليس بطريق الوحي، وبالتالي بصبح المكان تابعا للإله في حالة التدين وكأنه ليس كذلك في حالة انحسار التدين!..
ظهر الكتاب عام 2007م في الولايات المتحدة الأمريكية وترجم إلى الألمانية 2008م، وتضم الترجمة الألمانية 400 صفحة، في 12 فصلا، وهي على التتالي "..وغدا دينُكم"، "أوروبا دون إله؟"، "إيمان من قلب الأنقاض"، "مسيحيون جدد"، "عودة المورو"، "أيّ مسلمين؟"، "شباب ومسنون"، "ثورات في الدار"، "متطرفون"، "تغيير أوروبا"، "تغيير الإيمان"، "أديان أوروبا غدا".
العناوين تحتاج إلى شرح، ومثال عليها "عودة المورو"، فتعبير "Maurer" المستخدم يُقصد به عموما "المغاربيون" مع استخدامه في أسبانيا تخصيصا من قبيل التحقير تجاه المغاربة، والأصل اللاتيني للكلمة يعني السواد، وكان تعبير "السود" أو ذوي البشرة السوداء، يطلق بروح عنصرية على القادمين إلى أوروبا من شمال إفريقية، وما زالت الكلمة واسعة الانتشار في أسبانيا حتى اليوم.
عنوان الكتاب نفسه لا يصنع إشكالا لدى القارئ الأوروبي، بينما لا يجد محتوى الكتاب التأييد فقط -المركز على القول بصحوة مسيحية حاضرة ومستقبلية- بل يجد الانتقاد أيضا، وعلى وجه التحديد تجاه حديثه عن طبيعة وجود الإسلام والمسلمين في أوروبا، ويمكن التأكيد أن معظم ما جاء به يتطابق مع الواقع القائم، بينما يكشف الانتقاد نفسه عن مدى تأثير ظاهرة الخوف أو التخويف من الإسلام داخل القارة الأوروبية، ومثال على الناقدين أستاذ العلوم السياسية والفيلسوف أوتو كالشوير، وله مواقفه الخاصة، والتي يعبر عنها أنه كان أحد المطالبين بعدم الاعتذار عن الإساءة البابوية تجاه الإسلام والمسلمين.
على أن الشهادة الأوسع انتشارا عن الكتاب تقول إنّ الكاتب اتبع منهجا تأريخيا وعلميا قويما، وهذا ما يجده القارئ في أسلوبه وهو يعرض الرأي أو الآراء السائدة في فكرة بعد أخرى، من خلال استشهادات عديدة، ثم يستخرج أهم ما تعنيه هذه الاستشهادات، ثم يتناول الحصيلة تفنيدا وتصحيحا وتأييدا، ويختم بطرح ما لديه تبعا لذلك.
وقد شملت أطروحاته على هذا النسق (1) نقض وجود أسباب موضوعية تسوّغ المخاوف من "أسلمة أوروبا"، و(2) الكشف عن عدم صحة مقولات انحسار المسيحية فيها، و(3) رفض تنبؤات سيطرة التطرف على مستقبل الوجود الإسلامي في القارة، علاوة على (4) استعراض العوامل الأساسية للتأثير في الاتجاه المرفوض للعلاقة مع المسلمين أو في الاتجاه المطلوب مستقبلا، بما يتضمن (5) مواجهة الجوانب السلبية كالتطرف، و(6) تحديد مواطن التغيير الإيجابي المطلوبة من القارة الأوروبية ومن المسلمين فيها، للوصول إلى صيغة مقبولة مستقبلا.
 

تفاؤل بالمستقبل ودعوة إلى بنائه

يتطلب استيعاب العناوين المذكورة آنفا -وكثير من التعابير الاصطلاحية والاستنتاجات في الكتاب- وضعها في قالب الأرضية المعرفية للكاتب، ومثال على ذلك كلمة الدين، فمفهومها يختلف عن الفهم الإسلامي وحتى الفهم المسيحي الكنسي لها، وهو أقرب إلى المفهوم الفلسفي الذي ينطلق من أن الدين ينشأ عبر ظاهرة تعلّق الإنسان نفسه بقوة غيبية عليا، وهذا أقرب أيضا إلى المفهوم الثقافي السائد في أوروبا المسيحية العلمانية، والذي ينطلق من أن الإنسان يطوّر الدين، فما يمارسه المسيحيون، هو المسيحية، وما يمارسه المسلمون هو الإسلام، مما يعني تغييب النصوص الأصلية، أما الرجوع إليها فيوصف بالأصولية.
على هذه المفاهيم المعرفية تستند الفرضيات الأساسية التي يطرحها المؤلف، فاستمرار وجود المسيحية ونموها يستنبطه من ظهور أشكال جديدة لممارستها، وهذا ما سبق له أن طرحه بتفصيل أوسع في كتابه "التطور السكاني للمسيحيين في العالم" ليؤكد أن المراكز الجديدة للمسيحية لم تعد غربية، بل إفريقية وأمريكية جنوبية. كذلك اقتراحاته في هذا الكتاب بشأن ما ينبغي على المسلمين صنعه في أوروبا من أجل صيغة اندماج وتعايش، فيراها -كمن يستشهد بهم أمثال أوليفييه روا وبسام طيبي وطارق رمضان (مع عدم إغفال اختلاف منطلقاتهم)- طريقا إلى نشأة "إسلام أوروبي" أو حتى إسلام فرنسي وآخر بريطاني وثالث هولندي وهكذا.
في الكتاب إجمالا نظرة تفاؤلية مستقبلية على حد تعبير "نويه تسوريخر تسايتونج" السويسرية في تقريظها له، ويمكن اعتباره دعوة إيجابية متوازنة، لا تكتفي -كما يصنع كثير من الأوروبيين- بالحديث عن الاندماج وهم يقصدون الذوبان ويطالبون بما تعنيه هذه الكلمة، بل يطالب الكاتب بتحرك الطرفين باتجاه بعضهما بعضا، كذلك لا يقبل بما يقول به كثير من المسلمين انطلاقا من تصور أقرب إلى اعتبار "مستقبل أوروبا لنا" ويجب أن نعمل "الآن" بهذا المنظور، إنما يستشهد الكاتب بحقيقة تلاؤم الإسلام مع المجتمعات التي انتشر فيها، وبقائه عبر قرون عديدة، إذ لم ينحسر بسبب هذا التلاؤم.
 

 

صحوة الإسلام وانقراض المسيحية؟

كنموذج على المحتويات الواسعة النطاق للكتاب، يمكن التفصيل قليلا حول محتوى الفصلين الأول والثاني. عنوان الأول (..وغدا دينكم) يعني (سيكون الإسلام دينكم في أوروبا قريبا). إنما لا يقصد الكاتب أن هذا سيحدث فعلا بل يستعرض خلفيات من يقول بذلك، ثم يفند المقولة بأسلوبه المنهجي.
يورد جينيكيس عددا كبيرا من الاستشهادات لمؤلفين وسياسيين من أقصى اليمين وأقصى اليسار، وحتى من الكتابات العشوائية في الشبكة العالمية، ليستعرض حجم المخاوف المنتشرة أو الموجهة، أن أوروبا مقبلة على "خطر عظيم"، بأن تفقد تراثها الديني وواقعها العلماني، ليصبح الإسلام هو الدين السائد فيها.
وهذه نبوءة يعتمد القائلون بها على شتى التعليلات، وأبرزها تعليل التطور السكاني، بانقراض ذوي الأصول الأوروبية وتزايد عدد المسلمين من ذوي الأصول غير الأوروبية والمختلطة، ويعززون هذه المخاوف (أو التخويف) بالتحذير من أن الإسلام الذي سيسود أوروبا يجمع خصائص العنف، وقهر النساء، ورفض الحريات الغربية وفي مقدمتها ما يرتبط بالعلاقات الجنسية.
وبالفعل يمكن للقارئ الأوروبي أن يصاب بالهلع وهو يقرأ تلك الاستشهادات لكتاب معروفين، إنما ينبغي استكمال قراءة الصفحات الثلاثين لهذا الفصل، فبعد الإسهاب في الاستشهادات ينقض الكاتب هذه المخاوف من جذورها، اعتمادا على عدد من العناصر الأساسية، أولها أن أوروبا المقصودة بتلك المقولات هي الدول الغربية الأوروبية، وليست القارة الممتدة إلى جبال الأورال، والتي أصبح معظم دولها في الاتحاد الأوروبي، فبهذا المنظور تتبدل الصورة تماما. والعنصر الثاني هو نوعية المسلمين الذين يمكن أن ترتفع نسبهم السكانية، فالأصح حسب تطور أوضاع المسلمين في القارة أنهم سيكونون من المسلمين المندمجين في المجتمع الأوروبي وليس ممن يدخلون معه في "صراع"، ويضاف إلى ذلك العنصر الثالث، وهو عدم سلامة الخلط بين أرقام إحصائية وأخرى تعتمد على تنبؤات غير مضمونة، مثل نسبة الولادات العالية لدى المسلمين، فقد ظهر أنها تتراجع في أوساط المسلمين في البلدان الإسلامية نفسها، وفي المجتمعات الأوروبية تخصيصا، والعنصر الرابع بيان ما يوجد من تهويل من شأن نسب المسلمين مع أنها وفق الإحصاءات دون خمسة في المائة من سكان القارة وسطيا، وأعلاها في دولة واحدة (فرنسا) لا تصل إلى عشرة في المائة، وهذه نسب دون ما استوعبته الولايات المتحدة الأمريكية من المسلمين لا سيما ذوي الأصول الإفريقية، كما استوعبت معهم ذوي الأصول "الأمريكية اللاتينية" كما يرى الكاتب، ولم تنحسر عنها المسيحية بل ازدادت تجذرا.
المشكلة من وراء انتشار المخاوف كامنة في انتشار الاعتقاد أن "أوروبا فقدت الارتباط الديني" وهذا ما يتحدث عنه الكاتب بأسلوب مماثل في الفصل الثاني بعنوان (أوروبا دون إله؟) -والمقصود: البعد عن الدين- معددا أقوال من يرون ذلك وحججهم، مع إبراز مدى ارتباط تصوراتهم بتركيز العلمانيين الأوروبيين على الحرية الجنسية معيارا، كما ظهر عبر تقنين الإجهاض وعلاقات السحاق واللواط. وبالمقابل ضعفت المواقف الكنسية المضادة بتأثير ما انكشف من فضائح ممارسات جنسية محظورة من جانب عدد ضخم من العاملين فيها.
ويرى الكاتب أن أحد الفروق الرئيسية بين أوروبا التي يقال بضعف الدور الديني فيها وأمريكا التي يقال بعكس ذلك عنها، هو أن التعامل مع الدين في أمريكا يخضع لقواعد مشابهة لما يسري في نظام السوق الحرة (الرأسمالية)، ترويجا وتنظيما وتنافسا، وهو ما لا يوجد ما يشابهه في أوروبا، بل تتركز معايير الحديث عن المسيحية على الكنائس الرسمية، والانسحاب منها تخلصا من تسديد الضرائب الكنسية.
 

 

الصحوة المسيحية والإرث التاريخي

نقض مقولات انحسار المسيحية محور الحديث في الفصلين الثالث والرابع، فالثالث بعنوان (الإيمان من قلب الأنقاض) ينطوي على تعداد كثير من الأمثلة من أوروبا الشرقية والغربية حول مدى نفوذ الكنيسة وتأثيرها في مختلف القضايا الاجتماعية والسياسية، مع تفاوت ذلك بين بلد أوروبي وآخر. يضاف إلى ذلك خروج الكنائس من أنقاض الأحداث التاريخية وتلاؤمها مع المعطيات الجديدة بما ساعد على استعادة مكانتها وتأثيرها، لا سيما في العقود الماضية، ثم ظهور أنشطة كنسية جديدة في هذه الأثناء، إضافة إلى الأنشطة التقليدية.
ويستكمل الفصل الرابع (نصارى جدد) هذه الصورة بسلسلة من التفاصيل حول اكتساب الكنائس تيارات وتنظيمات كنسية جديدة، تجدد حيويتها، ومعظمها قادم من إفريقية، لا سيما من خلال ما نشأ عبر فترة الاستعمار والتبشير، وهو ما يشير إلى أن القول بموت الكنيسة في أوروبا، وفق ما نقله الكاتب من استشهادات، إنما يقصد أصحابه تراجع موقع الكنيسة عند "الأوروبيين البيض".
ويعود الحديث في الفصل الخامس (عودة المورو) إلى بيان مفعول الموروث التاريخي الذي يحمله المسيحيون والمسلمون في أوروبا، مع تعداد كثير من الأمثلة على مفعول ذلك اجتماعيا من الحياة اليومية، فذكر لعبة شعبية إنجليزية للصراع بين النور الذي يمثله الملك جورج، والظلام، الذي يمثله العدو "التركي"، وذكر كلمات مستخدمة في الحياة اليومية الإيطالية مثل "يا ماما.. الأتراك قادمون!" كناية على عدم وجود ما يستدعي الخوف، فالعبارة من قبيل التهكم على هزيمة العثمانيين بعد حصار فيينا.. أو العبارة الإيطالية "اصنعْ سلام عليكم" ويقصد بها الكناية عن: تظاهرْ بالخضوع ثم مارس الغدر!..
ومع استعراض موجز للمواجهات التاريخية عبر القرون الماضية يتعرض الكاتب إلى الإرث الثقافي الذي صُنع من أجل تسويغ القتال، عبر التخويف من المسلمين والتحقير من شأنهم على امتداد الحقبة الاستعمارية، وبالمقابل انتشرت الإشادة بين المسلمين بزعماء الثورات والمقاومة ضد الاستعمار، وتلا ذلك مفعول موجات الهجرة "العمالية" إلى أوروبا، وتحولها من إقامة مؤقتة إلى دائمة. وجميع ذلك في إطار تثبيت صورة عن الإسلام في أوروبا أنه عنصر "أجنبي.. وافد.."، وهنا يورد الكاتب الحديث عن الاتحاد الروسي كمثال، ففيه -كما يقول الكاتب- بين 15 و20 مليون مسلم، فلا يصح القول إن جميع المسلمين في أوروبا هم من غير ذوي الأصول الأوروبية، وحتى مع عدم اعتبار روسيا دولة أوروبية (وكذلك تركيا)، لا يمكن تجاهل الوجود الإسلامي في البلقان.
أما مقولة التنامي السريع للوجود البشري الإسلامي في أوروبا فيربط انتشارها بحقيقة تنامي "رصده" في الفترة الأخيرة بعد إهمال ذلك، حتى أن بعض المقارنات تذكر عدد المسلمين الآن وتنطلق من عدم وجودهم إطلاقا قبل قرن واحد، فتتجاهل (أو تجهل) ذلك، فيبدو النمو العددي ضخما. والعامل الآخر هو رصد ازدياد الأنشطة الإسلامية مؤخرا، فموجة جلب العمال بعد الحرب العالمية الثانية لم يتبعها نشاط إسلامي فوري كبناء المساجد والمصليات ومنشآت أخرى، بينما هذا ما انتشر واتسع نطاقه مع الجيل الثاني والثالث.
ويخلص الكاتب إلى القول إن على الأوروبيين أن يضعوا في حسابهم استمرار الوجود البشري الإسلامي وتناميه، ويحق لهم السؤال: أي نوعية من الإسلام سيظهر تبعا لذلك، ولكن حتى من يتوقع منهم.. أو من يأمل في نشأة "إسلام اوروبي" لا تنقطع وسائل الإعلام عن عرض صور مستقبلية مرعبة عليه.
 

 

أوربيون.. مسلمون

في الفصول التالية محاولة الجواب على هذا السؤال وتبدأ بالإشارة إلى أن الإسلام تلاءم مع مختلف المجتمعات التي وجد فيها، ولهذا فالمسؤولية مسؤولية السياسيين ليسهلوا هذا التلاؤم بشأن مستقبل الإسلام في الدول الأوروبية، مع التأكيد أن ما تمارسه الغالبية العظمى للمسلمين في أوروبا لا يدل على الرغبة في أن يكونوا "طالبان أوروبا".
وهنا ينتقد الكاتب بشدة تهوّر الإعلام في انتقاء مقولات متطرفة، ويذكر "أبو حمزة" مثالا على ذلك، لإدانة الإسلام والمسلمين بها، وكأنها مقولاتهم جميعا. وبالمقابل يشير الكاتب إلى أن كلمة مسيحيين تشمل في الغرب كثيرا من الفئات المتطرفة، فلا يصح استغراب وجود تنوع مشابه بين المسلمين، وأن يوجد منهم متطرفون، ولكن ليس هؤلاء هم الصورة النمطية الصحيحة عن المسلمين.
واستفاض الكاتب -وفق منظوره الغربي- في استعراض اتجاهات وجماعات عديدة، من المسلمين وممن يحسب عليهم، بدءا بالقاضيانيين والعلويين (من تركيا) انتهاء بالصوفيين وجماعة التبليغ، ثم عرج على ما يوصف بالإسلام السياسي، مع التمييز بين هذه الكلمة الحديثة النشوء وبين كلمة "سياسة إسلامية". وربط ذلك بانتشار توجهات تتبع فكر سيد قطب والمودودي وتصل حتى طالبان، ليستنتج أن عامة المسلمين في أوروبا يعيشون في ساحة "تنافس" الأنشطة على كسبهم من جانب مختلف التوجهات، ويغذي التنافس ما صنعته العولمة وتصنعه الأحداث الجارية في البلدان الإسلامية نفسها.
وفي إطار بيان حجم التنافس وقوته قارن الكاتب بين هولندا التي كانت مأوى للمنفيين بسبب تصوراتهم الفكرية في مطلع عصر التنوير الأوروبي وبين موقع أوروبا بالنسبة إلى أصحاب التوجهات الإسلامية، المنفيين من بلادهم الأصلية. ويخلص الكاتب إلى استعراض حركات تجديدية يمكن أن تسفر عن ظهور صيغة مقبولة لنسبة كبيرة من المسلمين على أرضية الواقع الأوروبي، ويركز هنا على أفكار طارق رمضان تخصيصا، ويختم بالقول إن التنافس الدائر يبرز صورا متطرفة، ولكن يبرز أيضا من أوساط المسلمين قوى ترفضها وهي الأوسع انتشارا.
بل يعتبر الكاتب أن ظهور مسألة مستقبل الإسلام في أوروبا ساهم في إحياء الحديث عن مستقبل المسيحية في القارة، مثلما ساهم -بالإشارة إلى تداعيات الإساءات- في طرح متجدد لمسلمات "حرية الرأي" وما يرتبط بها، وهو ما لم يكن موضع التصوّر في إطار ما ساد فيها من علمانية ومواقفها تجاه الدين عموما، وليس تجاه الإسلام تحديدا.
ويبقى بعض ما يطرحه الكاتب من تصورات مستقبلية في الفصلين الأخيرين مقبولا وبعضه الآخر مرفوضا، على أنه إجمالا مطروح من جانب الكاتب للنقاش وليس للتقرير المسبق بشأنه، مثل الارتباط بين الحديث عن مسلسل الإساءات المعروفة وبين الموروث المعرفي عن الحريات وممارستها، أو التحذير من أن تنامي التأثير البشري وبالتالي السياسي والفكري للمسلمين في أوروبا، يمكن أن يسفر عن أخطار كبيرة على العلاقات الأطلسية بين أوروبا وأمريكا. على أن هذا وذاك يمثل جانبَ ما يحتاج إلى البحث، أما المطلوب من أوروبا فهو -علاوة على استيعاب معنى التنوع الحضاري ومغزاه- أن تستوعب حقيقة الوجود الإسلامي واستمراره فيها، بينما يرى المطلوب من المسلمين ما يمكن وصفه بعبارة: كونوا أوروبيين.. مسلمين.

 
 
   Bookmark and Share      
  
 القارة المتدينة.. أوروبا ومستقبل الإسلام والمسيحية

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7