الخميس 24 يونيو 2010

 

لم يكن الدكتور والمفكر الماركسي صادق جلال العظم بأحسن حالا من الجابري ونولدكه وبقية الجوقة العلمانية والاستشراقية الحديثة في موقفه من الوحي القرآني، فكما ألف الجابري كتابه "التراث والحداثة" وبقية مشروعه في نقد العقل الإسلامي وما سطره اخيرا في نقد الوحي والمتمثل في كتابه مدخل الى القرآن، والذي عضده بأجزاء ثلاثة من التحريف العلماني وقد مر فيها على السور القرآنية -مع محاولة التلاعب بتسلسلها لأغراض علمانية كما فعل نولدكه!- محاولا خلق صلة للقرآن بالمعطي "المعرفي!" الاسطوري القديم عاملا على حجب الحقيقة بإعطائها معاني هزيلة وقاصرة وساذجة وسطحية بصورة ملفتة او بحجب المعلومات التاريخية والعلمية عن القارئ، فكذلك فعل الدكتور صادق جلال العظم والذي اتخذ طريق المباشرة في نقد الوحي، وهو الذي دافع عن سلمان رشدي أخيرا وبكتابين "ذهنية التحريم" و"ما بعد ذهنية التحريم" مؤيدا له في العملية التهكمية الهجائية والساخرة من الرسول محمد وجبريل والصحابة وأمهات المؤمنين، وبطريقة رسمهم ونقلهم إلى عوالم شاذة حتي لا يبقي فرق بين ما يسمونه حديثا "المقدس والمدنس" وكذلك فعل سيد القمني مع النبي موسى وأمه!

فقبل ربع قرن من الزمان وبعد هزيمة حزيران 1967، كتب العظم كتابه "نقد الفكر الديني" مفتعلا معركة مع الإسلام ومتهما له بأنه سبب التخلف والهزيمة، كما رماه بانه يتعارض مع العلم ويناقضه، ومع ان الدكتور العظم أخفى أسباب الهزيمة الحقيقية وصلتها بالنظام القائم آنذاك، وعلاقته البدائية بالفكرة الماركسية والاشتراكية السوفيتية وتدريب كبار قياداتها على يد جنرالات الماركسية في روسيا! وسيطرة الاتحاد الاشتراكي على الآلة الثقافية والإعلامية يومئذ، كما ان الشخصيات التي وضعت على قيادة الامة والحرب كانت باعترافات كثير من رجال الثورة أنفسهم عديمة الخبرة، ومنهم من كان على قمة وزارة الحربية وكان غارقا في الشهوات والخيانة الزوجية مستهترا ومتهتكا وغافلا، كما أشار هيكل وبعض رجال الثورة أخيرا في كلامهم عن عبد الحكيم عامر الرجل الثاني في الدولة والمؤثر على رجلها الأول بشكل ملحوظ!

حاول العظم أن يدخل الغيب القرآني في الاسطورة والخرافة، وذلك لدعم فكرته الرئيسية في "نقد الفكر الديني" من ان الدين مخالف ومناقض للعلم! وقد علق في نقده على قول الله تعالي في سورة المؤمنون: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان مِن سلالة مِّن طِينٍ* ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً في قَرَارٍ مَّكِينٍ* ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الخالقين (12)

بقوله: "من الجلي أن عملية نمو الجنين البشري بالنسبة الى هذا الوصف القرآني تعتمد على التدخل المباشر من قبل الله لنقلها من طور الى طور آخر أي أن نقلها من نطفة الى علقة يحتاج الى عملية خلق أخرى الخ--- وخلاصة القول هو أن نمو الخلية البشرية يمثل معجزة الهية لا تعليل لها سوي قدرته المطلقة على الخلق وتدخله المباشر في سير أمور الكون. هل يتفق هذا الوصف والتعليل مع معارفنا العلمية عن الموضوع ومع ما يبينه علم الأجنة حول تطور الخلية البشرية في مراحلها الأولى؟ الجواب حتما هو بالنفي لأن علم الأجنة لا يدع مجالا للشك في ان الخلية تنمو بالتطور العضوي من طور الى طور اخر وفقا لقوانين صعبة معينة بحيث تنمو المرحلة المتأخرة من صلب المرحلة السابقة عليها وعلي أساس معطياتها الأولية" (ص40)

والسؤال للعظم : من الذي أتقن صنع هذه القوانين الطبيعية حتى انتقلت في صورة من صورها ، من طور الى طور، ومن نطفة الى علقة، ومن مرحلة الى مرحلة ، ومن لطف في التكون والإنتقال الى لطف أخر لايرى بالعين المجردة؟

اليس وراء هذه القوانين الصعبة ووراء العلل والقوانين خالق مبدع ؟

اننا نشاهد اليوم امور يصنعها أو يعلبها (من:التعليب) الإنسان في العالم الحديث تتكون مادتها وصورها بصورة اوتوماتيكية بحيث تنتقل السلعة المصممة من مرحلة الى اخرى ، وكأنها تعمل وحدها! (مثل عمليات الإنتاج السريعة والحديثة في المصانع الضخمة والصغيرة لكافة أنواع السلع ) ، ، فهل هذا ينفي حقيقة وجود مهندس وراء هذه السيرورة التكنولوجية  وهذه العملية الإنتاجية؟ او وجود مصمم لهذه الآلية الدقيقة والعجيبة؟

هذا مثال مشاهد ومنظور ويعلمه كل احد اليوم-ولله المثل الأعلى-

والله اعلى من ذلك وأعلم وأقدر وأحكم والطف "صنع الله الذي اتقن كل شيء انه خبير بما تفعلون"(سورة النمل،الآية 88) وهو :"العليم الخبير"(سورة التحريم، الآية 3) ، "وهو اللطيف الخبير"(سورة الملك، الآية14) "عالم الغيب والشهادة وهو الحكيم الخبير"(سورة الأنعام، الآية 73) " وهو القاهر فوق عباده وهو الحكيم الخبير"( سورة الأنعام، الآية18) "ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير"(سورة الملك، الآية 14) "ان ربي لطيف لمايشاء انه هو العليم الحكيم"(سورة يوسف، الآية 100) "ألم ترى أن الله أنزل من السماء ماء فتصبح الأرض مخضرة ان الله لطيف خبير"(سورة الحج، الآية 63) " يابني انها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة اوفي السموات او في الأرض يأت بها الله ان الله لطيف خبير"(سورة لقمان،الآية 16)

ولو تمعن العظم في لفظة "ثم" ، الواردة في الآيات ، التي تدل على التراخي والترتيب وقد ذكرت بين مرحلة النطفة والعلقة ولم تذكر بين مرحلة العلقة والمضغة، وانما ذكر "واو" العطف بينهما والذي يدل على الاشتراك والتعقيب والتدريج؛ لعلم ان "ثم" المكررة مرتين و"واو العطف" تشير الى نقلة نوعية هائلة بين المراحل، وذلك وفق معطيات علمية تلفت الانتباه الى وجوب دراسة هذه المراحل المتراخية والمتسارعة والمتراكبة وازمنتها الخاصة والبحث عن اسبابها وعللها، وعدم الاكتفاء بالنظر اليها كمعجزة ربانية ولطيفة قيومية فالايمان يدفع الى العلم والعمل وتفحص ظواهر الكون التي أشارت آيات القرآن الى انها مسخرة للإنسان. وتاريخ الحضارة الإسلامية العلمي شاهد على ان اهل الاسلام فهموا اشارات القرآن وانتجوا واكتشفوا وصنعوا مناهج وأدوات علمية ومادية وقدموا للعالم منهج تجريبي للفكر والنظر والعمل والكشف لولاه لعاش الشرق والغرب في ظلمة جاهليات ، من خرافات وتخرصات.

وفي الحقيقة لا أجد في نص الدكتور العظم الا محاولة افتعال معركة مبيتة ومتعمدة مع النص القرآني، والا فإن القارئ للقرآن يجد المعطيات مؤكدة ومقسم عليها ايضا وحاثة على الدراسة والاستقصاء لمعرفة كيفية بدء الخلق كما ان الآيات الاخرى الواردة في نفس السياق تساعد على الفهم وزيادة الوعي العلمي فخلق نطفة الانسان من سلالة من طين –مثلا- يؤكد صلة الانسان بعناصر الارض حتى في مراحل نمو الجنين، كما ان خلقه من نطفتي الرجل والمرأة لا من الذكر وحده انما هي حقيقة سماها القرآن باسمها "إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ"، والمدهش ان اسم السورة التي ورد فيها اللفط هو "سورة الإنسان!!" والآية هي رقم 2 منها كما أن آية العلق من سورة العلق هي الآية الثانية منها! فلا مكان في الامشاج لدم حيض يتخلق منه الجنين كما تخيل ارسطو والهنود او "قزم"! المخيال الغربي لعلماء القرون قبل عام 1775م. ان الآيات السابقة التي ادخلها صادق جلال العظم في المدونات الاسطورية الارضية انما هي من علوم القيومية الالهية. الا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير (سورة الملك: 14)

علينا الآن أن ننتقل الي التحدي الآخر من سورة العلق والوعد فيها!
 

 

 
 
   Bookmark and Share      
  
 ذهنية تلبيس العظم

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7