الأحد 4 يوليو 2010

لقد نزلت سورة القلم بعد نزول سورة العلق وسورة المدثر وسورة المزمل وهي السور الأولى من الفترة الأولى من زمن البعثة، وقد عدّها جابر بن زيد ثاني السور نزولا وذكر ذلك الزركشي في البرهان، وقد يكون ترتيب نزولها التاريخي لا يتجاوز الرابع او الخامس هذا لو ذهبنا مع القول بان فاتحة الكتاب وسورة المسد نزلتا قبلها.

والقارئ لكتب التفسير وعلوم القرآن يصل الى واحد من الأقوال السابقة لا يبعد عنها، فان الذين شاهدوا التنزيل ومكانه وزمانه وهم الصحابة هم من بلغونا بحقائق هذا الترتيب وان ظهرت اختلافات طفيفة في الروايات لسبب ظن التوهم او التناقض وليس كذلك او لضعف الرواية او لسبب الاجتهاد المقبول والمعتمد علي رواية صحيحة.

اما المعْنِيون المُعَينون باختراق التراث ومحاولة تفسير القرآن او بعض سوره تفسيرا ماديا (محمد أركون –نصر ابو زيد –الجابري) كنماذج صارخة ،فهؤلاء لم يعطوا اي اعتبار للتفاسير واعتبروها تفاسير ايديولوجية مغرضة! وعلى ذلك وجدوا البديل في المناهج الحديثة التي تتناول النصوص اللغوية او الدينية بالتفكيك والتحليل والتفسير والتأويل.. بمناهج الشذوذ المعرفي.

وقد ذكرتُ أن نولدكه (المستشرق الالماني صاحب كتاب "تاريخ القرآن") اتخذ المذهب الوضعي للقرن التاسع عشر مع مذاهب أخرى في محاولته العلمانية لهدم القرآن، من خلال المرور على الألفاظ وتحميلها بمحامل ليست فيها أصلا ولا في التاريخ المعني ولافي حقيقة الوحي، كما انه اتخذ لنفسه ترتيبا خاصا مخترعا وملفقا صنعه هو لنزول القرآن غير ما ذكره علماء الامة، ليصل بالقارئ العصري الى نتيجة أن الصراع القديم والفكر القديم هو من شكّل النصوص وحرّك محمد لتطوير النص وتشكيل حروفه وكلماته!

وفيما نضبط نصر أبو زيد متسللا وسالكا مسلك القدح الخفي والصريح أحيانا في القرآن عن طريق تأويله تأويلا علمانيا -من غير ان يقوم بصنع ترتيب للتنزيل مصطنع ومكشوف كنولدكه ومَن قبله؛ نجد محمد عابد الجابري يسلك طريقا ملفوفا وبطيئا وطويلا ومتعرجا وشبيها بما كان قد ذهب اليه نولدكه سواء تعلق ذلك بوضع ترتيب خاص به لنزول السور ام باتخاذ المنهج المادي في تفسير الألفاظ والمصطلحات والإعلانات والآيات.

وفي سياقنا هنا وهو ليس في كل حال تفسيرا للسور المكية بقدر ما هو كشف التخرصات العلمانية واليأس الاستشراقي من خلال كشف تعليقاتهم البائسة على السور، وكذلك اكتشاف الرصد القرآني لو صح التعبير لمحاولاتهم وما يختلج في نفوسهم ويظهر على ألفاظهم وقسمات وجوههم، كما سيأتي في عرض هذه السورة العجيبة، وكذلك اظهار الوعود التي تحققت في اشباههم وبيان انهم لم يلتفتوا اليها وهي الوعود التي لا يستطيعون تجاهها حراكا ولا جدالا، وانما يحومون حولها في سكون محموم وإحجام مفهوم كالثعبان الذي يبدو على وشك اصطياد فريسته فيما هو يترنح في هدوء ظاهر من اثر سم مميت نفثته في فيه ضفدعة صغيرة كان على ثقة من التقامها!! وقد شاهدت هذا المنظر العجيب في قناة ديسكفري!.

نقل الجابري ترتيب نزول سورة القلم الى الرقم 35، وجعل مرحلتها في غير زمنها الاول ليتسق ذلك مع محاولته التلاعب بالأسماء القرآنية وتلفيق صلة لها بالاسماء التي انتجها الصراع القبلي او الطبقي او ادت اليه وسائل الانتاج الاقتصادية والأوضاع المادية!

فعل ذلك مع قول الله تعالي في سورة القلم (أفنجعل المسلمين كالمجرمين ما لكم كيف تحكمون) (35-36) فبعد ان عزل التفسير الاسلامي والمعنى القرآني، وبعد أن أرجع الامر لمعطى معرفي قديم شكلته اساطير وأوضاع مادية وثقافية قال: " فاصطلاح "الإسلام" يعني الاستسلام والخضوع ويكتسي في الحقل الدلالي العربي الخضوع لسلطة في جماعة أو دولة، وهكذا لم يبدأ استعمال هذا اللفظ في القرآن الا بعد ان صار من كانت تدعوهم قريش "اتباع محمد" جماعة تجمعها كونها أتباع رئيس معين هو النبي عليه السلام من جهة وانفصالها عن قريش من جهة أخرى"(1/ 181)

هنا حاول الجابري ابعاد حقيقة ان لفظ مسلم او الإسلام كان معروفا في بدء الدعوة! وذلك بزحزحة زمن نزول سورة القلم من فترة نزول سورة العلق والمدثر الى فترة متأخرة.

تذكرني محاولة الجابري هنا مع الالفاظ القرآنية بفعلة نصر أبو زيد وهو يحاول تفريغ النصوص من مضمونها وجعلها خاضعة للمعطى المعرفي الثقافي الاسطوري القديم ("المعهود القديم" بلفظ الجابري!) فألغى مفهوم العبودية الحقة لله والتي تعني) كمال الحب والذل لله) وجعله مفهوم ممتد ومطور لمفهوم (الأعلى/ الادنى في القبيلة) او علاقة (القبيلة الضعيفة بالقبيلة القوية) في ظل صراع طبقي او قبلي وقوي الانتاج القديمة (وهنا يقفز ماركس بفكرته الى ناصية نصر أبو زيد الخاطئة).

يقول: "لقد كان المجتمع الذي جاء الإسلام يخاطبه مجتمعا قبليا عبوديا تعتمد العلاقات فيه على البعدين: البعد الرأسي الذي جسد علاقة أعلي/ أدني داخل القبيلة الواحدة، ويجسد البعد الأفقي علاقات القبائل وهي علاقات قامت على موارد الثروة –أدوات الإنتاج- وهي الملأ والكلأ ومن الطبيعي في ظل علاقات الصراع أن تلجأ القبائل الضعيفة لالتماس الحماية من القبائل القوية التي تستأثر بالمواد، ومن هنا نشأت علاقات الولاء.

ومن هنا نشأت علاقات الولاء بين القبائل وهي علاقات علاقة أقوي/ أضعف. والنصوص أبنية لغوية، لذلك كان من الطبيعي أن تصوغ النصوص علاقة الله والإنسان من خلال الثنائيات اللغوية/ الاجتماعية، إن الألفاظ القديمة لا تزال حية مستعملة لكنها اكتسبت دلالات مجازية" (نقد الخطاب الديني ص 132 -134)

 

 
 
   Bookmark and Share      
  
 محاولات علمانية بائسة

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7