الأحد 11 يوليو 2010


لقد حاول فريق «التلاعب بالنصوص» من «العلمانيين المتسترين، او المستترين» التموضع داخل أعظم مجال إسلامي علمي وأرفعه وهو «الاجتهاد»، يتخذونه وسيلة لزرع مناهج وقوالب فكرية غربية تنزع بالتلفيق واصطناع الأكاذيب إلى رسم مسار "كون وتكوين" للقرآن (ولفظ (الكون والتكوين) للجابري) ، مادي وبشري،كما يفعل الجابري بحذر بالغ.
أما سبب الحذر الملازم دائما لتقديم ترضيات فقد قدمتُه من كلام الجابري. ويضيف نصر أبو زيد سببا اخر فيقول: «هذا الحذر ناشئ عن رغبة عميقة في الوصول إلى عقل القارئ العربي المسلم» (انظر مقاله "الأرثوذكية المعممة" من كتاب «العنف الأصولي نواب الأرض والسماء، ص43).
ومع أن نصر أبو زيد قام بترضيات متتابعة بعد فضيحته مع «مفهوم النص» وذلك للتغطية على علمانيته المتسللة إلى الإسلام، فإنه في نقده لطريقة عمل محمد أركون في منطقة الاجتهاد الخطرة، صرّح أن "ترضيات أركون" للجمهور المسلم تفقد قدرتها على أن تمثل خطرا على بنية الخطاب! (انظر مقاله السابق من الكتاب المشار اليه ،وهو موجود ايضا في كتاب نصر ابو زيد المسمى: الخطاب والتأويل ، في الفصل المخصص عن محمد اركون).

 

 ولا شك أن الجابري أشد حذرا في ذلك من أركون، وأركون أعظم جرأة من الجابري ونصر ابو زيد. وكلهم يسعى لهدم ما أسموه "بنية الخطاب القرآني" والتقدم للأمام لتمثيل الخطرالعلماني "على بنية الخطاب"!


(أو كلهم سعى إلى ذلك في الحقيقة فقد رحل الجابري ونصر ابو زيد ، معا ، في سنتنا هذه(2010) إلى عالم الآخرة! (ملحوظة:آخر أخبار موت نصر ابو زيد ، من تقرير وزارة الصحة المصرية وقد تضمن التقرير الطبي للمستشفي ،أن موته نتج عن فيروس تسبب في إلتهاب "غشاء المخ!".. إلتهاب فيروسي حاد!).

 يلجأ الجابري عادة إلى مسالك ضيقة وعرة، لكي يتمكن من عمل شروخ وشقوق وتصدعات في «البرهان القرآني»(بقى البرهان وذهب الجابري!) بينما يظهر أمامنا مستترا به! وعندما  كان يشعر أن المناسبة تتطلب القيام بترضيات ضمنية أو مباشرة فإنه سرعان ما يلجأ الى ذلك للتغطية والتعمية على الهدف المرسوم قبلا!، وكمثال على ذلك فإنك تجده يذكر «الحقيقة القرآنية» في مواضع من الأقسام الثلاثة من مشروعه التخريبي والمسماة(فهم القرآن العظيم ، التفسير الواضح حسب ترتيب النزول)، وكأنه مؤمن بها بينما يكتب في مواضع أخرى أن هذه الحقيقة هي حقيقة بالنسبة لأهلها، أي مايعتقده أهلها فهي لأهل الايمان بها فقط وليس لأنها حقيقة في ذاتها!(سيأتي توثيق ذلك من كلامه في موضعه). وعندما تتبع خطواته وهو يحاول أن يزرع هذه الفكرة الفوضوية العدمية المابعد حداثية لهدم الثوابت والعقائد والأخلاق في حس القارئ، تجده قد دعمها في خفة واستخفاف بتلبيسات قبلية وبعدية سنكشفها تباعا.


وكمثال: فإنه قد قَصَر قول الله تعالى من سورة العلق (علّم بالقلم) على «علم القرآن فقط» الذي وصفه كما سيأتي من كلامه في المقالات التالية بـ"معهود قديم "للعرب، ومعلوم أن قوله تعالي "علم بالقلم" تعني كل علم نافع من علوم الدنيا والآخرة، وهو ما يعني أن الدعوة القرآنية منذ بدايتها دعوة ربانية علمية تدفع البشر للنفاذ الى المعارف الكونية الكبرى المقسوم عليها إلهيا، وهو مافهمه المسلمون وحققوا به حضارة زاهية. ومعلوم أن القراءة والعلم والقلم  ، كما عبر عنها العلامة الدكتور عماد الدين خليل بدقة، هي:" تلك المفردات التي تضمنتها الآيات الأولى في السورة الأولى من التنزيل، والتي وضعت المسلم في قلب العالم وليس بعيدا عنه أو منفيا عنه"(مدخل إلى الحضارة الإسلامية للدكتور العلامة عماد الدين خليل ، المركز الثقافي العربي، الطبعة الأولى، 2005م،ص 35)  ايضا نجد محمد عابد الجابري يزعم في تعليقه على سورة القلم أن ابن عباس، وهو من صحابة الرسول، فسّر (القلم) تفسيرا يونانيا هرمسيا، يقول «فمع أنهم يفسرونه بأنه أداة للكتابة، فإن معظمهم مثل ابن عباس وغيره ممن نقل عنه أو نقل عن مصادره فسره بما روجته الفلسفة الدينية الهرمسية من أنه «أول ما خلق الله» ويعنون به العقل الأول في سلسلة العقول السماوية» )القسم الأول ص (181 وهذا كذب على ابن عباس، ومصدر  ابن عباس في مسألة خلق القلم وكتابته هو الرسول (لاحظ كلمة «مصادره» من كلام الجابري!) والحديث يقول: (أول ماخلق الله القلم قال له اكتب...)، وابن عباس لم يقل، ولا الرسول صلى الله عليه وسلم، أن أول شيء خلقه الله هو القلم الهرمسي أو العقل الهرمسي المؤله، وإنما قصد الرسول -والوحي القرآني من قبله- معنى آخر مختلف تماما عمّا يوحي به الطروادي المغرور، وهو انه لما خلق الله القلم قال له: اكتب مقادير السموات والأرض ، فشأنه الكتابة وسطر المقادير وليس شأنه الخلق والتدبير، وهو ليس خالقا ولا عقلا إلهيا هرمسيا، وإنما خادما كاتبا للمقادير السماوية والأرضية وسنن الكون المسخر، مقادير كل شيء، وهذا مرتبط مع بقية تعاليم الإسلام العقدية والخلقية التي تدعمها وسطية القرآن التي أسقطت الوثنية عن الكواكب والسنن والعقول البشرية فجعلتها لا معبودة ولا مهملة كما هي في الحقيقة، وهذا شيء غيره في فلسفة اليونان التي جعلت من الكواكب آلهة حرب وحب وعشق وصراع وسرقة علم! وأما نتاج حضارة الإسلام الوسطية فقد منحت العالم والى الآن ما لم تمنحه فلسفة التجريد اليونانية الهائمة، بل إن علماء الإسلام نقدوا نظريات يونانية وقدموا نقدهم للعالم هدية علمية، ومنها نظرية بطليموس التي يقول الجابري إن القرآن تأثر بها (انظر من أقسامه (2/ 259 و190-191-243- و3/166(، وسيأتي الرد عليها في المقال التالي ان شاء الحق.
لم ينفرد الجابري بهذه الفرية فقد رمى «طيب تيزيني» القرآن بتأثير الأرسطية اليونانية على نصوصه-وتيزيني رمى الرسول بأنه كان متبعا لأوامر تنظيم دولي انطلق من روما كما لفق ذلك تلفيقا في كتابه «مقدمات أولية في الإسلام المحمدي»-وقد ضرب مثلا على ذلك بقوله تعالى «وجعلناكم أمة وسطا»، فقال الوسط هنا مأخوذ من نظرية الوسط أو الأوساط الأرسطية خصوصا والإغريقية على وجه العموم (انظر كتابه «مقدمات أولية» ص376).

رحم الله عبد الرحمن بدوي عندما سخر من المستشرقين ممن يقرأون القرآن قراءة يهودية أو مسيحية، فقال لهم انه يمكن أيضا ليوناني أن يقول إن القرآن استعار مفهوم الفضيلة "كوسط بين طرفين" من أرسطو، فالله يقول في القرآن: «وكذلك جعلناكم أمة وسطا» (دفاع عن القرآن ص 101) ولقد فضح الدكتور عبد الرحمن بدوي مزاعم «الاقتباسات» هذه في كتابه «دفاع عن القرآن"، وبصورة مفصلة رد فيها على المستشرقين اليهود و المستشرقين المسيحيين.

 

 
 
   Bookmark and Share      
  
 نفثات الجابري الفارغة

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7