الأحد 11 يوليو 2010


يبدو أن محمد عابد الجابري استجاب أخيرا لوسوسة ناقده وهو "جورج طرابيشي"  الناقد  العلماني-الذي هو مثله في الصنعة!-الذي أبكاه نقده -كما أخبرني من أثق به- وكان طرابيشي قد كرّس (نحوا من خمسة عشر عاماً) ،من عمره العلماني، في كشف التناقضات داخل مشروع الجابري، وقد برر طرابيشي طول مدة النقد بقوله إن تفكيك الألغام، لا سيما إذا كانت معرفية يقتضي مجهودا وأناة وصبرا (انظر مقدمة كتابه "العقل المستقيل في الإسلام")؛ فهو بالنسبة لطرابيشي قد وقع في مأزقين: المأزق الأول انه "تبنى لحسابه خطيئة عصر النهضة بإعلانه عن عدم أُزوف ساعة الثورة اللاهوتية، وبالتالي عن ضرورة إرجائها إلى أَجَل غير مسمى" المأزق الثاني "بتغييبه بالتالي للواقعة القرآنية ... قد استبعد من حقل الوعي اللاهوتي الضرورة النهضوية لإعادة بناء المعقولية القرآنية، والحاجة التنويرية إلى تحرير "الرسالة" من عبء التاريخ" (إشكاليات العقل العربي ص69-70( ويبدو لي أن هذه الكلمات هي المحرّض الذي دفع الجابري لكتابة كتابه "المدخل إلى القرآن" وأقسامه الثلاثة وبذلك يكون الجابري قد استعجل افتتاح "المرحلة المؤجلة" من النقد اللاهوتي تحت ضغط ووسوسة ناقده "جورج"!، وهذا يذكرني باستجابة الوليد ابن المغيرة السريعة لتحريض "أبو جهل"
ذكرتُ فيما مضى اتهام الجابري لصحابة رسول الله، بل اتهامه لرسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه، بأنهم تأثروا بمعهود اليونان الأسطوري عن "القلم"! أما هنا –في مثالنا التالي- فنجد الجابري يتقدم خطوة أشد تهورا تُخفي حقائق التاريخ والوحي معا كما تُظهر لنا حقيقة "الجهل المطبق" الذي اخبرنا عنه ناقده والذي سنظهره هنا في مسائل ما بعد "التحريض الطرابيشي" لنقد القرآن، ومنها دعوى مُطَابَقَة المفهوم القرآني للموروث العلمي اليوناني الخاطئ.
ففي تعليقه على قول الله تعالى (وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ) وهي الآية (17)، التي وردت بعد العرض التفصيلي الدقيق لمراحل نمو الجنين في الرحم (12-14) وهي من سورة "المؤمنون"، قال الجابري: "ومفهوم السموات السبع يطابق معهود العرب في ذلك الوقت الذي يرجع إلى الموروث "العلمي" القديم الذي كان يتمثل في النظام الفلكي الذي شيده بطليموس (عالم يوناني عاش في الإسكندرية في القرن الثاني للميلاد) وقوامه كواكب سبعة سيارة والأرض في مركزها وهذه السبعة السيارة هي: زحل، والمشتري، والمريخ، والشمس، والزهرة، وعطارد، والقمر، وقد بقيت نظرياته مهيمنة على علم الفلك إلى القرن السادس عشر" (القسم الثاني من(فهم القرآن العظيم، التفسير الواضح حسب ترتيب النزول للجابري ص259). ويبدو أن الأحكام الضالة التي تصدر بحق القرآن تتلبس كل يوم صورا جديدة، وقد رأينا فيما مضى اتهام "طيب تيزيني" بأن مصدر "وسطية القرآن" هي فلسفة أرسطو اليوناني عن "الأوساط"!، بل زعم طيب تيزيني ايضا ان الرسول أخذ من الزرادشتية والتلمود!(مع أن التلمود لم يكن مترجما يومئذ !، وهو 20 مجلدا استمرت كتاباتها الى مابعد الرسول!!) وزعم الدكتور العلماني المشهور هشام جعيط ان الرسول هاجر ،مرات على مدد تطول وتقصر!!-لسوريا للتعلم في مدرسة لاهوتية تسلح بلغات منها اليونانية لغرض الترجمة قبل ذهابه اليها!!!(وقد قدمنا من هذا الأمر بعضه وسيأتي منه المزيد وبالتوثيق) وهنا الجابري يضيف المزيد، فمصدر مفهوم السموات السبع في القرآن هو نظرية بطليموس اليوناني!!! الذي تقول نظريته بثبات الأرض في مركز الكون وهو رأي الكنيسة في الحقيقة وليس الإسلام. يقول موريس بوكاي"هذا المفهوم الذي التقى الناس عليه مع ذلك حتى عصر محمد، لم يظهر في القرآن في موضع منه مطلقا" (انظر التوراة والإنجيل والقرآن والعلم ص194). يقصد بوكاي: " النظام المحوري المعروف الذي ظل مقيما منذ بطليموس" (ص194) ويجب ان لاننسى :" بان الفيثاغوريين كانوا يدافعون عن نظرية ثبوت الشمس في الفضاء حيث كانوا يجعلون منها ايضا مركز الكون ولايتصورون تنظيما سماويا الا حولها" (انظر بوكاي ص 198)، فجاء الإسلام ونقض الأخطاء العلمية القديمة ووضع نظاما حقيقيا للكون يتماشى مع الحقيقة الأولية ويحقق علم الله في كونه وخلقه. يعرفنا به على النواميس التي يسير بها ملكوته العظيم لننقب عنها طالما هي ، منه وإلينا، لعمران الأرض باعتبار الإنسان خليفة في الأرض جاء اليها بسبق علم الله بأنه رغم خطيئة آدم الا انه قد عينه خليفة من قبل نزوله اليها "إني جاعل في الأرض خليفة" بل ومن قبل الخطيئة التي لم يكن له ذنب فيها ، وهو مالم تفهمه الكنائس المنحرفة فراكمت معارفها الخاطئة في سلسلة باطل مستمر ومايزال!!، فجلعت من هدف نزول الانسان على الأرض "قتل الرب" للتحرر من الخطيئة و"العودة" إلى السماء كأرواح نجحت في قتل الرب على الأرض ليعطيها حياة في السماء، وكل ذلك لالعمران الأرض والتعرف على سنن الكون ولكن للتخلص من صغيرة بإرتكاب أكبر الكبائر وتقديس أعظم جريمة عنف يتصورها التاريخ البشري قاطبة!، ويقولون مع ذلك " الله محبة" فلو عرفوا لما ادعوا صلبه! ،تعالى الله عمايقولون علوا كبيرا

فما أعظم حقائق القرآن التي بينت للانسان انه جاء إلى الأرض بنموذج للتوبة "توبة آدم" ونموذج "للخطيئة" خطيئة آدم ، ليعلم انه إن أخطأ بذنب فنموذج التوبة موجود ولينطلق تائبا مباركا من الرب لعمران الأرض. قد يسقط مرة ويقوم مرات لكنه محب لله عاملا بتعاليمه قائما على مهمة الخلافة "قيم" مستخدما لسنن الكون عاملا على سبر اغوار المادة الثقيلة، "السموات" و"الأرض"  واللطيفة ،الخفيفة " النطقة، العلقة،الذرة، العقل..إلخ. وان لم يقدر على ذلك فيكفي انه يفهم حقيقة وجوده وغاية نزوله وطبيعة مهمته وفرادة انسانيته وتعلقه برب واحد لاشريك له.
ان المتأمل في آيات القرآن يرى ان لهذا الكون العظيم سعة تزداد بقيومية الله وأمره وإبداعه ، وأن بطليموس ضيق ماوسعه الله وثبت ماأجراه الله من أفلاك تسبح ، وجعل ماهو مطلق في مداره مركز للنظام الكوني الذي قزمه ايضا!، ومن المعلوم ان النظام الفلكي المتكامل في القرآن نقد نظرية السبع كواكب سيارات ويكفي قوله تعالى عن  الكون والأفلاك  والأنظة الكونية السابحة في مطلق السماء أو السموات أو العلو الذي أبدعه الله " والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون"(سورة الذاريات:47) وقد أطلق الله لفظ النجوم ايضا في قوله تعالى "وسخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون"( سورة النحل:12) فكيف تنغلق منظومة الأفلاك على سبعة كواكب او نجوم او حتلا مجرات؟!  وهي عظيمة ومطلقة  ومتسعة بامر الله في ملكوت واسع جدا ومتسع ابدا الا في حدود  يحدها ويعلمها الله وهو ماطلب القرآن النظر والتفكر فيه والاستفادة منه " أولم ينظروا في ملكوت السماوات وماخلق الله من شيء"(الأعراف: 185) ومن المعلوم أن علماء الفلك من تلاميذ "محمد رسول الله" نقدوا نظرية بطليموس وبينوا الأخطاء التي سطرها في كتابه "الماجسطي" ، ولا يخفى على المطّلع على مصادرهم أن نظرة القرآن الشاملة لأفلاك الكون هي التي منحتهم التصور الكلي لنقد نظرية بطليموس وأمثالها من النظريات اليونانية الخاطئة، كما فعل العالم المسلم الموسوعي "البيروني (362-440هجرية، الذي احتجّ في كتابه "الجماهر في معرفة الجواهر" بالآية التي خاطبت أهل مكة-أولا- عن مستقبل بشري له صلة بآفاق كونية" سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ"(فصلت :53)، كما احتج بالآية " الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَّا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَاوُتٍ" (الملك:3 وهي مكية) ، والآية "وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْزُونٍ"(الحجر :19 وهي مكية!). ولايخفى على القارئ الواعي ان البيروني لم يحتج بهذه الآيات القرآنية، في كتبه وبحوثه عن الكون والارض، بطريق الغفلة والصدفة! وبلاوعي! وانه لم يقصد بها أية إشارة ولا انها هي التي دفعته هو وغيره من علماء الأمة إلى انطلاقة فعالة في الكشف عن سنن الكون وقوانين المادة. يقول المستشرق الألماني إدوارد سخاو، في مقدمة تحقيقه لكتاب البيروني "تحقيق ما للهند..." أن البيروني أكبر عقلية ظهرت في التاريخ و "إن البيروني يعتبر من وجهة نظر تاريخ العلوم أكبر ظاهرة علمية في الحضارة الإسلامية".
أما عن السموات السبع المذكورة في الآية فليس عند الجابري دليل من القرآن على أنها الكواكب البطليموسية السبعة المعبودة! وهي الكواكب المؤلهة في حضارته، والتي سجد لها أعظم فلاسفة عصره!!!، والقارئ للآيات الكونية في القرآن يعلم كم هي ضيقة وقاصرة فكرة مركزية الارض وثباتها وعلاقة ذلك بكواكب سبعة ، والآيات المتعلقة بالسماوات السبع لابد من ربطها ببقية الآيات الكونية ، وقد أشار بوكاي إلي أن علماء العصر يتفهمون اشارة القرآن عن السموات السبع ويحاولون النفاذ الى الآفاق البعيدة ما أمكنهم (انظر التوراة والإنجيل والقرآن والعلم ص172). وقال ايضا:" فالسموات اذن كثيرة ، وكذلك الأرضون ،وليست هذه واحدة من المدهشات لقارئ القرآن المعاصر أن يجد في نص من نصوص هذا العصر الإخبار بأن اراضي كثيرة مثل أرضنا يمكن أن تكون في الكون وهو مالم يستطع الناس حتى زماننا أن يصلوا إلى حقيقته، فالآية12 من السورة 65 تخبر (الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهم لتعلموا أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علما"(المرجع نفسه ص 172-173)  ويضيف "إن هذا المفهوم الجديد للفلك لم يكن موجودا في عصر الرسول وانه كان سيتضح مع تقلب القرون" (ص194)  ويقول " ان هذه الحقيقة يجب أن تسجل لصالح الوحي القرآني"(المرجع نفسه ص 182)  ،هذا فضلا عن ماأورده القرآن من حقائق عن سباحة الكواكب ودورانها " كل في فلك يسبحون"  فضلا عن أنها مسخرة للإنسان هي وسنن الكون قاطبة. فاضاف الوحي القرآني مبادئ علمية جديدة ونفى عن الكواكب والأفلاك ألوهية زائفة وتقديس مُعيق ، ووضع نظاما جديد للنظر والكشف والتنقيب، وألغى التصور القديم السائد عن الصراع أو التأليه وأرجعه إلى ماكان عليه في الحقيقة وهو نظام الوفاق والخلق الواحد المتعدد في صور ابداعه. وهي نقلة حضارية ومنهجية لم تعهدها البشرية من قبل وهو ماجعل الجماعة المؤمنة تنسجم  مع حركة الكون بلاعداوة ولا "غزو" –كما هو المصطلح الغربي-بل وبالفاظ جديدة على الفلاسفة والعلماء صارت العلاقة بعد فك ارتباطاتها مع الوثنيات والأسرار والكهنة والسحر ، علاقة "تسخير"  لاتقديس، وتوغل ووفاق وانسجام  وتكامل وكشف وتنقيب،  وتجانس والتحام ، وتفاهم بين الإنسان والعالم، وذلك بعد تحرير المفاهيم من تلبيسات ووثنيات وتحرير الانسان من خرافات ومعوقات"(يمكنك الإطلاع على ذلك من خلال افضل ماكتب في العصر الحديث عن ذلك وهو كتاب" مدخل إلى الحضارة الإسلامية" للدكتور العلامة عماد الدين خليل)

وقد وضع القرآن ملامح وقواعد ومبادئ هذا التصور الجديد للكون بل وضع هذه الحقائق الدقيقة في صور من التعابير اللغوية البالغة الوصف، الدقيقة التصوير التحديد والتمييز، التي أسلم بمجرد سماعها علماء في الطب والفلك والتاريخ والكيمياء والفيزياء والطبيعة والانسان لم يجدوا ادق واقوم منها في الوصف والإسم والدقة العلمية، وفي ذلك يقول موريس بوكاي كمثال على تعبيرات معينة عن الأوصاف بالغة الدقة عن حركات الشمس والقمر الموجودة في القرآن :"ويظهر إذن أن في القرآن تلوينا في التعبير يشير إلي حركات خاصة بالشمس والقمر تثبتها معطيات العلم الحديث. ولايمكننا أن نفهم أن رجلا في القرن السابع الميلادي، مهما كان واسع العلم في عصره، وهو ما لم يكن عليه حال محمد صلى الله عليه وسلم، بإمكانه أن يتصورها"(ص197).

 

 

 
 
   Bookmark and Share      
  
 وسُوْسَةُ طرابيشي للجابري

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7