الرئيسة بحوث ودراساتبحوث عام2011قنبلة إسرائيلية تنفجر جنوب النهر
 
الخميس 13 يناير 2011
قنبلة إسرائيلية تنفجر جنوب النهر
قنبلة إسرائيلية تنفجر جنوب النهر ( 4 - 5 )
بقلم: الأستاذ دكتوررفعت سيدأحمد

 

 

* لقد كان لحركات التمرد فى جنوب السودان علاقات وثيقة بإسرائيل ، وتحديداً لأحد أبرز قادتها الراحل د. جون جارانج طيلة حياته وقبل اغتياله فى حادث الطائرة الشهير ، ورغم إنكار تلك الحركات لهذه العلاقات إلا أن رجل الموساد الإسرائيلى (العميد موشى فرجى) فى كتابه / الوثيقة الذى نعرض له (كتاب إسرائيل وحركة تحرير جنوب السودان) يؤكد تلك العلاقات ، بل ويكشف عن أسماء الضباط والسياسيين الذين تولوا إمرة التواصل مع (جارانج) ورفاقه ، بل ويكشف أيضاً عن الدورة العسكرية التى حصل عليها جارانج فى إسرائيل ، وعلاقاته الحميمة حتى بشارون الجزار الصهيونى الشهير .
إن هذه الأسرار والمعلومات ، تحتاج إلى إعادة قراءة من المسئولين ، وتحديداً من الخارجية المصرية ، حتى تبنى سياساتها ومواقفها القادمة على أسس جديدة أبرزها أن هناك خطراً داهماً تقوده إسرائيل يتهدد أمننا القومى فى جنوب السودان ، خطر يحتاج إلى مواجهة هادئة وعاقلة وحازمة ، مواجهة لا يقدر عليها طاقم السفراء الموظفين الموكل إليهم هذا الملف . خطر يحتاج إلى رجال أولى بأس شديد ، يفهمون أهمية النيل ، وخطورة أن تكون لإسرائيل دولة جديدة عليه ، مع كامل التقدير لمظالم الجنوبيين ومشاكلهم .
تعالوا بنا نقرأ أسرار هذا الخطر وتاريخه الأسود ، من خلال رجل الموساد الإسرائيلى موشى فرجى .
*******
يقول (فرجى) فى الفصل الثالث من كتابه والمعنون بـ (بداية الاتصالات مع الحركات الانفصالية فى جنوب السودان المباشرة وغير المباشرة) انه عند النظر بتعمق فى العوامل التى ساعدت على بلورة الدور الإسرائيلى المباشر وغير المباشر نجدها تتحرك فى عاملين رئيسيين :
العامل الأول : فى الانتشار الإسرائيلى فى (32) دولة أفريقية التى أقامت إسرائيل علاقات شاملة معها وأنجزت فيها أكثر من (67) مشروعاً تنموياً و(28) مشروعاً زراعياً ، والأهم من ذلك أن إسرائيل أوفدت إلى هذه الدول أكثر من (3000) خبير .
وانصب معظم هذا الجهد الإسرائيلى على ثلاث دول أفريقية رئيسية هى زائير وأثيوبيا وأوغندا المحاذية والمجاورة للسودان ، وبالطبع لم يشمل هذا العدد مجموعات من المستشارين العسكريين الذين أوفدوا لتدريب قوات كل من الأقطار الثلاث ، وخاصة القوات الجوية والبرية وتزويدها بالأسلحة الإسرائيلية .
وإذا ما أضفنا إلى ما سبق عنصراً حاسماً آخر ألا وهو التدقيق فى انتقاء العناصر القيادية لتولى عملية السيطرة ، وتوجيه هذه الأنشطة الإسرائيلية ؛ لساعدنا ذلك على فهم النجاح الذى أحرز فى هذه الأقطار الثلاث وخاصة على الصعيد العسكرى والاستخباراتى .
وكان من أبرز هذه القيادات التى استطاعت تبوؤ موقع صدارة وتأييد فى ثلاث من الأقطار الأفريقية الرئيسية : رجل الموساد (أهود جبريائيل) الذى تواجد فى زائير وكانت له سطوة ونفوذ واسعين لدى موبوتو . و(شلومو هيليل) الذى استقر فى العاصمة الأثيوبية أديس أبابا ، وقد تم اختياره وإيفاده من أجل مد خيوط إلى الجنوب السودانى والتعرف على أوضاعه وعلى الاتجاهات داخله ، وكذلك استيعاب معطياته السياسية والاقتصادية والاجتماعية والمذهبية . هذا بالإضافة إلى اشتراك (أهرون زعير) قائد سلاح الجو الإسرائيلى الأسبق الذى كلّف بتأسيس قوات جوية أوغندية واستطاع بذلك أن يتقرب إلى زعماء أوغندا وعلى رأسهم عيدى أمين ، ولا ينبغى أيضاً أن نتجاوز فى حديثنا الشخصيات العسكرية والأمنية التى ساهمت بدور هام فى هذه الأقطار وخاصة أثيوبيا منهم (استر بن ناثان) رجل الموساد الذى انطلق إلى أثيوبيا ليقيم شركات إسرائيلية منها (شركة أنكودا) للمنتجات الزراعية ولها فرع لتعليب الأسماك .
العامل الثانى : من التقديرات غير الرسمية التى نشرت فى جنوب السودان يتضح أن مجموع سكان جنوب السودان يشكل نسبة 35% من المجموع الإجمالى لسكان السودان الذين ارتفعوا من 10.2 مليون عام 1965 إلى 15 مليون عام 1973 ليزدادوا بنسبة 20% عام 1982 ثم يصل عدد السكان إلى 30 مليون حتى بداية القرن الحادى والعشرين .
وينقسم الجنوبيون إلى عدة قبائل أهمها : قبيلة الدونكا ونوار والزند وسيلوف ومادى وطوبوسا وقبائل أخرى كثيرة معظمها تتركز على مناطق الحدود المجاورة لأوغندا وأثيوبـيا وكينيا . هذا التنوع العرقى هو الدافع الثانى للتحرك وفقاً لفرجى .
*******
أما نتائج الاتصال بالانفصاليين فجاءت على شكل تكليف القائمين على النشاط الإسرائيلى فى الدول المجاورة للسودان بمهمة إجراء اتصالات مع القيادات الجنوبية عبر وسيلتين :
وسيلة اتصالات غير مباشرة : أى التى تمت خارج حدود جنوب السودان فى العواصم الآتية: (أديس أبابا – كامبالا – نيروبى – كينشاسا) .
وسيلة اتصالات مباشرة : وهى الاتصالات التى تمت فى مناطق جنوب السودان بواسطة قيادات إسرائيلية أوعز إليها بتخطى الحدود والتوغل داخل الجنوب فى حماية عناصر من الحركات المقاومة من قبائل الجنوب .
ومما يتعين الإشارة إليه أيضاً أن قياديين من هذه الدول مهدوا السبيل لإجراء مثل هذه الاتصالات منهم : الرئيس الزائيرى السابق (موبوتو) ومسئولون فى جهاز الأمن ، والجنرال (مونجا أواندو) المستشار العسكرى لموبوتو والذى شغل بعد ذلك منصب سفير زائير لدى إسرائيل ، و(إياتوماتارو ، وصومائيل بيرسون) من العناصر الأمنية فى الحكومة الأوغندية وغيرهم .
لقد أسفرت هذه الاتصالات التى جاءت متزامنة مع حدوث الانقلاب العسكرى فى السودان الذى قاده الجنرال (إبراهيم عبود) عن إقامة علاقات مباشرة ومهمة فى تلك المرحلة ، علاقات بين جنوب السودان وشماله .
وفى أعقاب هذه المرحلة بدأت تتدفق على حركات التمرد فى الجنوب السودانى أولى شحنات الأسلحة الخفيفة التى وصلت إلى أثيوبيا وأوغندا وزائير من إسرائيل وبناءاً على طلب من المستشارين العسكريين الإسرائيليين وتضمنت هذه الشحنات :
* 1000 رشاش من طراز عوزى .
* 50 مدفع هاون عيار 60 مم من نوع سولتام .
* أعداد كبيرة من الألغام الأرضية صناعة إسرائيلية .
* 50 رشاش ثقيل براونينج .
ووصل فى جنوب السودان فى بداية عقد السبعينات من القرن الماضى عدد من المستشارين العسكريين الإسرائيليين ليساعدوا حركات المقاومة فى جنوب السودان على تشكيل أجنحتها العسكرية وميليشياتها المسلحة .
وبفضل هذا الدور الذى قامت به إسرائيل بواسطة خبرائها العسكريين الذين انتقلوا إلى جنوب السودان تمكنت حركات المقاومة المسلحة فى الجنوب السودانى من تعزيز قدراتها العسكرية وأدائها القتالى .
ونتيجة لتعاظم قوة الجنوبيين وخاصة بعد وقف إطلاق النار الذى أبرم فى عهد الجنرال (جعفر النميرى) عام 1973 ، بدأ المنتسبون الجنوبيون فى الجيش السودانى يتمردون على قياداتهم وينضمون بأسلحتهم إلى الحركة (حركة تحرير جنوب السودان) .
وكان من أهم عمليات التمرد التى شهدها الجنوب السودانى هذه الحركة التى قادها ضباط وجنود قاعدة أكوبو العسكرية فى منطقة أعالى النيل ، وعملية التمرد التى قام بها الضابط (ألفريد أجوان) وهو من القيادات العسكرية فى الجنوب الذى هرب مع أفراد كتيبته من الجيش السودانى وانضم إلى قوات التمرد وعبر الحدود برجال كتيبته إلى أثيوبيا .
وهناك تلقفته مجموعة المستشارين الإسرائيليين وأقنعوه بالعودة إلى جنوب السودان هو وأفراد كتيبته مقابل وعد بزيادة حجم الدعم العسكرى والمالى الإسرائيلى له ليكون قوة إضافية لقوات التمرد .
وينبغى أن أشير بأنه فى هذه الأثناء ظهرت على سطح الأحداث فى الجنوب السودانى عدة حركات ومنظمات متمردة من أهمها :
1 – حزب الاتحاد الوطنى السودانى الأفريقى المعروف باسم (سانو SANO) .
2 – الجبهة الجنوبية وتضم المثقفين والموظفين الإداريين وبعض العناصر من الضباط والجنود الذين كانوا ينتسبون من قبل للجيش السودانى من مناطق بحر الغزال وأعالى النيل .
*******


 

يقول العميد (فرجى) فى موضع آخر من كتابه أنه على الرغم من الموقف المرن والمتهاون الذى اتخذه الرئيس السودانى الأسبق لجنرال (جعفر النميرى) من الصراع العربى الإسرائيلى وتجلى ذلك فى تأييده مبادرة السادات وتوقيع معاهدة الصلح مع إسرائيل إلا أن إسرائيل لم تُحد أو تُقلص من حجم دعمها للجنوبيين ، وفى تفسير هذا الموقف المنطوى على مفارقة كبيرة أوضح (موشى ديان) وزير خارجية إسرائيل الأسبق بأن النُميرى لن يحكم السودان إلى الأبد ، ولهذا فإن المصالح الإسرائيلية يجب أن تُصان عن طريق وضع عدة خيارات حتى لا تفاجأ بمفاجآت غير سارة ، أو تقع فريسة لحُسن النوايا .
ولكى يعطى ديان هذا الموقف الإسرائيلى بُعداً عملياً اتفق مع وزير الدفاع آنذاك (عيزرا وايزمان) على زيادة حجم المساعدات العسكرية الإسرائيلية إلى حركة التحرير فى جنوب السودان .
وشملت هذه الزيادة تقديم (15) مليون دولار تصرف كمرتبات لقيادات وأفراد المقاتلين من أجل تحرير جنوب السودان ، هذا إضافة إلى مضاعفة كميات الأسلحة المرسلة إلى السودان عبر أوغندا وزائير .
وفى تقارير وزارة الدفاع الإسرائيلية والشعبة المسئولة عن هذه المساعدات والتى كان يرأسها (تسفى رويتر) يتضح أن تلك الشحنات شملت ما يأتى :
* 6000 بندقية من أنواع (كلاشينكوف / إم 16 / جاليلى / رشاشات عوزى) .
* 1000 رشاش خفيف (ديكرنوف / سيمنوف / براونينج) .
* 600 قاذفة آر بى جى .
* 150 مدفع هاون عيار 80 مم ، 120 مم .
* 40 مدفع مضاد للطائرات (أحادى وثنائى) .
* عدد من راجمات الصواريخ (الكاتيوشا) والصواريخ المضادة للطائرات من طراز (ستريلا).
العلاقات الشخصية مع قادة حركات الانفصال :
يذكر موشى فرجى فى كتابه الوثائقى أن المراجع الإسرائيلية أدركت أهمية تكوين علاقات خاصة ومباشرة مع قيادات الجنوب على غرار العلاقات التى نشأت مع قيادات الأكراد فى شمال العراق (مصطفى البرزانى) ثم نجله (مسعود البرزانى) .
وكان هذا الإدراك لأهمية توسيع العلاقات الخاصة والشخصية والمباشرة فعله حيث تعزز تعدد اختصاصات القائمين على إجراء مثل هذه الاتصالات بحيث تشكل الاختصاصات السياسية والعسكرية والأمنية وحتى الإعلامية .
وبدا ذلك جلياً فى تشكيل فريق ضم خيرة العقول والأدمغة التى بمقدورها أن تدير عملية الاتصال والتعاون مع حركة تحرير جنوب السودان ومن أبرز هذه العقول :
1 – فى المجال السياسى : اختير كل من (أورى لوبرانى) و(ديفيد كمحى) رجل الموساد والمهمات الخاصة و(يوسف ميوحاس) .
2 – فى المجال العسكرى : انضم قادة عسكريون بارزون تركون الخدمة العسكرية فى جيش الدفاع ولكنهم قرروا الانخراط فى النشاط الاستخباراتى والعسكرى الإسرائيلى فى أفريقيا وذلك من خلال القيام بأنشطة اقتصادية ومن بينها تجارة الأسلحة أى تصدير الأسلحة الإسرائيلية إلى الدول الأفريقية وخاصة فى دول شرق أفريقيا ، ومن هؤلاء الجنرال (ياموس بن جال) والجنرال (شموئيل جونين) والكولونيل (موشى فرجى) مؤلف هذا الكتاب الوثائقى ورجل المخابرات المعروف – .
3 – فى مجال الأمن والاستخبارات : ضم هذا الفريق (بن إلياهو) من جهاز الأمن العام (الشفاخ) و(يسرائيل مئيرى) من شعبة الاستخبارات العسكرية والبريغادير (شموئيل كيدير) هذا التوسع فى دائرة المختصين السياسيين والعسكريين والأمنيين فى مناطق جنوب السودان جاء متزامناً ومتواكباً مع قرار توسيع الاتصالات مع مختلف الأطياف والتيارات السياسية والفكرية والأيديولوجية وحتى مع الشخصيات الجنوبية التى تآلفت وتعاونت مع السلطات فى الخرطوم ومن بين هؤلاء : (آبور إينانج – بوتيه ملوول – داهول أنويل) .
ووفقاً للمؤلف فى كتابه الوثائقى الذى تعرض له ، فإن نشاط ما سمى بالجيش الشعبى لتحرير السودان الذى قاده جارانج عام 1983 واستمر فيه حتى تم قتله بالطائرة قبل سنوات .
إن نشاط هذا الجيش وقائده دفع كل من رؤساء الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة (إسحق شامير، بنيامين نتنياهو ، وحتى إسحاق رابين) على اتخاذ قرارات هامة بزيادة الدعم المقرر المقدم إلى حركة تحرير السودان خلال الفترة من 1990 – 1999 .
وكشفت مجلة إسرائيلية متخصصة هى مجلة " معرخوت " العسكرية أن قيمة هذا الدعم بمختلف أشكاله (الأسلحة – الدعم المادى – خدمات ومساعدات أخرى) قد وصل إلى أكثر من 500 مليون دولار ، قامت الولايات المتحدة بتغطية الجانب الأكبر منه .
على ضوء سلسلة العمليات التى بدأها الجيش الشعبى لتحرير السودان فى الجنوب اضطرت حكومة الخرطوم إلى الاعتراف بحركته مبرهناً بذلك على أنه أصبح قوة فاعلة ومؤثرة . ورغم عروض الحكومة السودانية المتتالية بوقف إطلاق النار والبدء بمفاوضات سلمية فقد قابل جارانج هذه العروض بالرفض مصراً على القتال بل وقرر تصعيده بعد أن استشعر ضعف مركز الحكومة المركزية فى السودان .
تعمد جارانج إعـلان موقفه بضرورة انفـصال الجنوب عن الشـمال ، على عكس حركة (إينا – نيا) التى كانت تحيط مطالبها بالكثير من الغموض وعدم الوضوح .
ومن خلال التقارير المعلوماتية التى تم إعدادها من قبل أكثر من مسئول سياسى وأمنى واستخباراتى إسرائيلى التقوا بجارانج فى عدة دول أفريقية (أوغندا وكينيا وأثيوبيا) ارتسمت الصورة التالية لجارانج :
* ولد جارانج فى ولاية (بور) عام 1943 .
* درس فى الولايات المتحدة بعد حصوله على منحة دراسية نتيجة لتوصيات السفارة الأمريكية فى كل من كينيا ثم أوغندا وزائير .
* حصل على درجة الماجستير من جامعة إيفا بالولايات المتحدة الأمريكية .
* وبعد انتهاءه من دراسته تلقى دورات عسكرية فى الولايات المتحدة الأمريكية .
* حصل على دورة عسكرية فى كلية الأمن القومى فى إسرائيل .
* عاد إلى جنوب السودان لينضم إلى حركة منظمة (هينانيا) .
لقد استخلص الخبراء الإسرائيليون الذين تعاملوا مع جارانج وهم : رئيس الموساد السابق (أدمونى) و(ديفيد كمحى) و(إيلياهو بن إيليسار) و(أورى لوبرانى) ملامح رئيسية لشخصية جارانج تتلخص فيما يأتى :
* أنه ذو شخصية قوية / يمسك بالهدف / مستعد للقتل من أجل هذا الهدف / مخلص لقومه من سكان الجنوب / حريص على تحقيق أهدافهم وفى مقدمتها حق تقرير المصير / صلبّ فى مواجهة الحكومة المركزية فى الخرطوم على مر العهود ابتداء من النميرى وحتى البشير .
* ضابط ذو كفاءة وخبرة فى شتى المجالات السياسية والعسكرية والتقنية والإدارية / متعدد الثقافات من خلال دراساته المتنوعة والعسكرية والزراعية .
هذه الملامح وهذه المزايا الكامنة فى شخصية جارانج لفتت نظر وكالة المخابرات المركزية الأمريكية والعناصر الاستخباراتية الإسرائيلية المتواجدة فى الولايات المتحدة خلال فترة دراسة جارانج فى أمريكا ، وتسابقت هذه العناصر فى ملاحقة حركته ونشاطه ورصدت نمط حياته وسلوكه حتى تتوصل إلى كيفية التعامل معه مستقبلاً .
وكان يؤكد فى لقاءاته المتكررة مع المسئولين الإسرائيليين والأمريكيين والأثيوبيين بأنه لن يقبل بأقل من استقلال الجنوب ولن يوقف القتال حتى ترضخ الحكومة السودانية فى الخرطوم لهذا المطلب .
ليس مما لاشك فيه أن حركة تحرير جنوب السودان لم تجد نفسها فى مواجهة الحكومة المركزية فى الخرطوم وجيشها فقط بل اصطدمت بمنافس قوى وهى حركة (إينا – نيا) ذلك الصدام الذى وصل إلى درجة الصراع العنيف .
ومن الوقائع الطريفة ما يذكره المؤلف من أن شارون الذى سبق له زيارة السودان عندما كانت الحرب مشتعلة داخل تشاد ذهب إليها من أجل العمل على إصلاح ذات البين بين القيادات السياسية والعسكرية فى الجنوب ، بيد أن حركة جارانج كانت لها الغلبة فى هذا الصراع وخاصة بعد نجاحها فى إحداث انقسامات داخل صفوف حركة (إينا – نيا) أدت إلى انشقاق مجموعة (لادولوكراونج) وانضمامها إلى الجيش الشعبى لتحرير السودان .
ونتيجة لهذا الدور الريادى لحركة تحرير السودان بزعامة جارانج ، رفض جارانج دعوات جديدة أخرى لوقف إطلاق النار والتفاوض مع الحكومة المركزية فى الخرطوم .
وأكثر من ذلك فقد بدء الجيش الشعبى لتحرير السودان بضغطه العسكرى من خلال توسيع عملياته لتشمل المحافظات الاستوائية جنوب كردفان والتى تقع خارج نطاق حدود الجنوب وهزيمة الميليشيات الحكومية التى شكلتها سلطات الخرطوم من أفراد قبيلتى (لوتوكا وتوفوسا) التى تعيش شرقى المحافظة الاستوائية .
واستمر هذا الحال طوال أعوام الثمانينيات والتسعينات وأوائل القرن الحادى والعشرين حيث راحت تتذبذب الاشتباكات والتوترات بين الصعود والانحسار والعنف والهدوء .
ومع ذلك أحرزت قوات الجيش الشعبى لتحرير السودان مكاسب هامة على الأرض حيث سيطرت فى إحدى المراحل على الجنوب بأكمله وكادت تسيطر على العاصمة (جوبا) .
وقاد هذا الأمر – وفى ظل متغيرات دولية وإقليمية خطيرة – إلى إرغام حكومة الجنرال البشير على التفاوض مع الجيش الشعبى فى كينيا ، والتوصل إلى اتفاق (مشاكوس) .
وينظر المحللون السياسيون فى إسرائيل وخاصة من الخبراء السابقين الذين عملوا فى الدول المجاورة للسودان إلى اتفاق (مشاكوس) بأنه قد وضع أساساً شرعياً وعملياً لانفصال الجنوب فى المستقبل عبر موافقة الحكومة السودانية على مبدأ تقرير المصير ، بالإضافة إلى مجموعة هامة من مطالب الجيش الشعبى لتحرير السودان ، وهو ما سيظهر واضحاً فى يناير 2011 .
 
 
(والحديث موصول)
E – mail : yafafr @ hotmail . com
 
 
 
   Bookmark and Share      
  
 قنبلة إسرائيلية تنفجر جنوب النهر ( 4 - 5 )

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7