الرئيسة مقالات مقالات 2009 دوافع حملات ( التبشير) فى البلاد الإسلامية .. دينية أم دنيوية ؟
 
الجمعة 4 سبتمبر 2009

 

قبل مناقشة ذلك السؤال أتوقف قليلا للتعقيب على تعليقات بعض القراء الأفاضل على المقال السابق "هل جاء المسيح عليه السلام رسولا للعلمانية؟" :-
صحيح أن الإشارة بأن نص (الله و القيصر) هو "العمود" الذى بنيت عليه العلمانية الغربية فيه شئ من المبالغة .. و صحيح أيضا أن دوافع نشأة العلمانية يقينا ليست دوافع دينية أو "نصية" .. و لكن !
أيضا يجب أن نعترف أن هذا النص الشهير يذكر دائما فى سياق ( تبريرى ) بأن العلمانية لا تخالف الديانة المسيحية ! .. و هو تدليس ( ثقافى ) فاقع اللون كما أثبتنا فى المقال السابق .. آية ذلك سياق النص نفسه .. و النص الآخر :"لا يقدر خادم أن يخدم سيدين..." و هو نص " توحيدى" بإمتياز .. ضمن ما أسميه النصوص "الشهيدة" فى العهد الجديد التى قلما رأيت أحد المثقفين أو رجال الدين المسيحى يستشهد بها فى كتابتهم أو فى مواعظهم !

نهايته !
نعود لسؤال المبتدأ : هل تنفق الدول الغربية أطنان الأموال على حملات (التبشير) حباً فى الدين !؟

الإجابة على هذا السؤال تدفعنا إلى البحث فى "الداخل" الغربى إذ لا يمر أسبوعاً إلا و نقرأ عن شكوى رجل دين أو يمينى متطرف من إنحسار المسيحية فى الغرب لا سيما أوربا.. فالكنائس صارت خاويةً على عروشها .. و أمست "مشروعا إقتصاديا فاشلاً" لقلة الرواد و يُتَخلَّص منها فى أقرب فرصة .. بتحويلها إلى مكتبات أو صالات للرياضة أو حتى لمسارح و مراقص !
إذن كان من الأولى - منطقاً - أن تتوجه حملات (التبشير) إلى الداخل الأوروبى القريب عوضا عن الخارج البعيد فى العراق و فى أفغانستان و فى الجزائر و فى مصر و غيرها من البلدان!!
و هو الشئ الذى لم يحدث .. الأمر الذى يجعلنا نجزم أن دافع و محرك هذه الحملات ليس " الدعوة " أو " الكرازة " بالتعبير المسيحى يقيناً .. ترى ماذا يكون إذن هذا الدافع !؟

أيكون الدافع دنيوياً !؟
هذا السؤال يسحبنا إلى سؤال آخر : إذن لماذا لا تكون الدعوة إلى "الدنيوية" و إلى نبذ الغيبى أو "الميتافيزيقى" بــ"أسلوب مباشر" و ذلك عن طريق الترويج " للذائذ الحياة و متعها" و بأن "الفردوس" على الأرض و ليس فى السماء ؟!

لا .. لن يتم ذلك أبداً لسببين :
الأول أن التكوين النفسى لمجتمعات الشرق هو تكوين "متدين" منذ القدم و هو الأمر الذى يُفشل أى محاولة لنزع الدين من قلوب القوم و إحلاله بثقافة ( إن هى إلا حياتنا الدنيا و ما نحن بمبعوثين ) إذا استعرنا التعبير القرآنى فى هذا السياق .. وهكذا "لا يفل الميتافزيقى إلا ميتافزيقى آخر" هكذا يرى و يفكر "مهندسو" حملات "التبشير" الموجهة إلى بلاد الشرق !

السبب الثانى ـ الأهم فى تصور كاتب هذه السطورـ و هو أن إقناع "المبَشَرين" بأن الفردوس على الأرض و ليس فى السماء يستلزم إثباتاً عمليا على أرض الواقع.. بعبارة أخرى فإن على الدول الغربية أن تحمل عبأ إنتشال هذه البلاد من الفقر و الفساد إلى نهضة إقتصادية شاملة .. و هو الأمر الذى لن يحدث إلا بالكف عن مساندة السلطات الغاشمة المستبدة الطابقة على رقاب العباد و المستنزفة لثروات البلاد !! .. و طبعا ًلأن يحدث ذلك لهو المستحيل الرابع بعد الغول و العنقاء و الخل الوفى !!

ولكن ما الذى يجعل " للميتافيزيقى المسيحى" الأفضلية عند "مهندسى" حملات (التبشير) الغربيين ؟
لابد للإجابة على هذا السؤال مما ليس منه بُد .. و هو الدخول فى "تلافيف" اللاهوت المسيحى "السائد"!!
صحيح أننا أثبتنا أن تمَسُّح العلمانية بالعقيدة المسيحية هو تطفل و تعسف لا أساس له فى المقال السابق.. و لكن يجب أن نعترف أن فى المسيحية "سمات" تُسَّهل لأى طاغية محتل مهمته فى ممارسة الطغيان و الظلم :

أولى هذه السمات هى أن الثابت عن المسيح عليه السلام أنه لم يقاوم المحتل الرومانى مقاومة مسلحة ! .. صحيح أن هناك نصوصاً "سيفية" منسوبة للمسيح عليه السلام و لكنها تبقى فى الحيز الشفاهى أو المعنوى إذ أنها لم "تُفعَل" على أرض الواقع !

ثانى هذه السمات أن المحتل الرومانى فى اللاهوت المسيحى "مشارك" فى خطة الخلاص الإلهية للإنسان !.. إذ طبقاً للاهوت المسيحى "السائد" أن خطة الله لخلاص البشر تكمن فى مقتل "يسوع ابن الله" نيابة عن البشر .. و هو ما نفذه المحتل الرومانى بتحريض يهودى .. أى أن "المحتل" فى اللاشعور اللاهوتى المسيحى جزءُُّّ مشارك فى الحل و له دور أساس فى الخلاص !

السمة الثالثة أن نموذج الإنسان الكامل فى المسيحية يتمثل فى "شخص مقتول معلق على الصليب".. على الرغم من أن اللاهوت المسيحى يُحَّول مشهد الهزيمة و الإنكسار إلى إنتصار بواسطة رواية القيامة من الأموات .. إلا أن " النموذج البطولى" فى العقيدة يظل " شخصاً مقتولاً مهزوماً مثخناً بالجراح!!"

نقيض هذه السمات على طول الخط نجده فى "الميتافيزيقى الإسلامى" - و إستعمالى للفظ الميتافيزيقى سواء للمسيحية أو للإسلام هو على سبيل المشاكلة - فالإسلام كما هو معروف يقاوم "الطاغوت الوطنى" بكل الوسائل السلمية منها و المسلحة فما بالك بالطاغوت إذا جاء من مستعمر !!
أضف إلى ذلك أن النموذج أو الأسوة لدى المسلم هو الرسول صلى الله عليه و سلم و هو نموذج "منتصر" على أعدائه إنتصاراً عزيزاً عارما شهدت به أقوام الأرض أجمعين..
إن مشهد الرسول صلى الله عليه و سلم و هو يحمل على كتفيه الكريمتين الحجارة مع أصحابه فى غزوة الخندق ليمثل كابوساً مرعباً لأى طاغية مستعمر! و لهذا كان من مصلحة أى مستعمر إشاعة "الميتافيزيقى المسيحى" بسماته "الإستسلامية الإنسحابية" مقارنة "بالميتافيزقي الإسلامى" الثورى المواجه المقاوم و المنتصر أيضاً و إن طال الزمن ..

ليس "الميتافيزيقى المسيحى" هو ما ( يبشر) به فقط .. أيضاً بعض النزعات الصوفية الإسلامية المتطرفة التى تروج للإنسحاب من الحياة الدنيا و الإغراق فى تقديس الأولياء و كرامتهم .. و لهذا لم يكن غريباً أن يضع السفير الأمريكى بالقاهرة بعضاً من شيوخهم على أجندة زياراته!!

فى نفس السياق أيضاً نرى المحاولات اليائسة لأعداء الإسلام للطعن فى سيرته صلى الله عليه و سلم أو سيرة أصحابه .. و ذلك بتسمين خنازير تحمل أسماءاً عربية فى حظائر صهيونية تنسب نفسها للقرآن الكريم !! .. كأن المسلمين الأوائل و جدوا القرآن الكريم ملقاً على الأرض أو مكتوباً على جدران إحدى المغارات و لم ينزل على قلب رسوله الكريم أية أية و سورة سورة .. صلى الله عليه و سلم .. إنه الحقد على هذا الدين و على رسوله الذى يأخذ صورا شتى .. تارة بتزويق الإستسلام و استخدام (قوة الضعف) كما تغوط أحد الخنازير و تارة بضرب سنة الرسول و صحابته و تارة بـ(تبشير) بمفاهيم دينية عافها الغربيون أنفسهم.

ختاماً لا أريد أن يفهم بعض القراء أننى أعقد مقارنة بين الأنبياء إذ أن الإسلام نهى عن ذلك تهيا تاماً .. فالأنبياء و الرسل أسرة واحدة .. صحيح ربما تفاعل الأنبياء و الرسل بشكل مختلف "ظاهرياً" مع ظروف مجتمعاتهم عن بعضهم البعض و لكن رسالنهم فى النهاية رسالة و احدة.

(آمن الرسول بما أنزل إ ليه من ربه و المؤمنون كل ءامن بالله و ملائكته وكتبه و رسله لا نفرق بين أحد من رسله و قالوا سمعنا و أطعنا غفرانك ربنا و إليك المصير )البقرة 285
و الحمد لله رب العالمين.
 
 
   Bookmark and Share      
  
 دوافع حملات ( التبشير) فى البلاد الإسلامية .. دينية أم دنيوية ؟

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7