الأربعاء 25 يناير 2012
New Page 1

 

هل انقسم الشعب المصري حول العسكر؟

د. عبد الله الأشعل

هل انقسم الشعب المصري حول العسكر؟

المراقب للشارع المصري خلال الآونة الأخيرة، خاصة بعد أحداث مجلس الوزراء الدامية والمؤسفة، يلحظ أن هناك انقسامًا ظاهريًّا في موقف الشعب المصري من الجيش؛ خاصة في ضوء متابعة الانقسام الذي حدث وبصورة شكلية بين ميدان التحرير وميدان العباسية.

والحق أن المصريين منقسمون انقسامًا مصطنعًا بفعل فاعل، وممزقون تمزيقًا احترافيًّا، مما يلحق أبلغ الضرر بمصر، وهو جزء من المؤامرة على هذا الوطن، وقد تابع المراقبون الهجوم القاسي الذي نقلته الصحف حول هجوم سيدات من ميدان العباسية ضد السيدة التي سحلت أمام مجلس الوزراء، وعزز من ذلك الهجوم القاسي على هذه السيدة من جانب بعض التيارات؛ مما أدى إلى انقسام المجتمع حول هذه القضية من منطلقات مختلفة، وتجاوز الجدل حول هذا الموضوع الحقائق الأساسية فيه.

من ناحية ثالثة ثار الجدل حول الشك في أهداف الاعتصام أساسًا، وأمام مجلس الوزراء بشكل خاص، كما امتد الجدل إلى أن كل هذه الأحداث الدامية والمؤسفة بدأت بأعمال البلطجة، والتحرش بقوات الجيش الحارسة لمجلس الشعب، كذلك شمل الجدل حكمة الاعتصام، وتعويق استخدام مبنى مجلس الوزراء.

ولتوضيح الحقائق حول هذه الموضوعات نلخص وجهة نظرنا في النقاط التالية:

أولًا: لا خلاف بين المصريين على أن الجيش المصري ملك للشعب، وهو جيش وطني قام بالثورة المجيدة عام 1952، وحرر سيناء عام 1973، ويحرس البلاد في أوقات الشدة؛ ولذلك ثار القلق والخوف على هذا الجيش، والفزع مما حدث؛ لأن هذا الجيش وفرقه الخاصة بالذات أُعدت خصيصًا لحراسة الوطن والمواطن، وأن بطولات هذه الفرق تتم في مواجهة العدو وفي ميادين القتال؛ ولذلك فإن ما تردد من سلوكيات بعض ضباط الوحدات الخاصة يسيء إلى الجيش المصري وإلى عموم المصريين؛ لأن الجيش يملك السلاح كما يملك السلطة، فلا يجوز لأي سبب وأي مبرر أن يمارس أي درجة من درجات العنف ضد المواطنين العزل في هذه الظروف.

وقد ترتب على هذا السلوك الإضرار بسمعة الجيش، ورأى العالم الخارجي أن الجيش المصري يرتكب جرائم ضد المصريين؛ خاصة أن هذه الجرائم تُرتكب بشكل متعمد، وفي غير ساحات القتال، وبطريقة يغلب عليها الرغبة العارمة في الانتقام، وهي إن ارتُكبت في ساحات القتال فإنها تشكل جرائم حرب؛ ولذلك فإنني أطالب السلطة في مصر بالتحقيق الجاد ومعاقبة المسئولين؛ لأن الأخلاق هي الأبقى، وأنه إذا اهتزت أخلاق المؤسسة العسكرية لحق الوطن أكبر الضرر.

ولذلك لا يجب أن يختلف المصريون حول هذه النقطة، وأن يبرر بعضهم سلوك الجيش بأي مبرر، مهما كان، وإلا كان ذلك مشاركة في الجريمة، ومساهمة في الإساءة إلى الجيش وصورته في الداخل والخارج، كما يفتح الباب للملاحقات القانونية حتى من جانب من لا علاقة لهم بالموضوع، وحتى من أعداء مصر؛ رغبة في الإساءة وليس خوفًا على الضحايا؛ ولذلك لا يجوز أن يصور المجتمع المصري على أنه منقسم حول مكانة الجيش، وأن الحرص على هذه المكانة يتطلب تطهيره ممن أساءوا إليه؛ لأن هذه الجرائم لا تسقط بالتقادم، وهذه مسألة لا يجوز مطلقًا التلبيس فيها أو القفز عليها.

ثالثًا: إن المحظور حظرًا مطلقًا عند الجميع هو حرمة الدم والعرض والكرامة في مصر، وأن كل منتهك لهذا الحظر هو عدو هذا المجتمع ويجب نبذه، ولا يجوز الخلط بين مواقف ذات أساس ديني مغلوط، ومواقف ذات أساس سياسي مصطنع، لتبرير انتهاك الدم أو العرض أو الكرامة، ويعظم خطر هذا الانتهاك إذا كان الجيش المصري طرفًا في هذه الأعمال.

رابعًا: إذا كان الكل مجمعًا على هذه الحقائق، فلماذا هذه القسمة المصطنعة، وهذا الصراع الذي يقوم على مؤامرة فاسدة؟. نحن مع الجيش المصري ومع المجلس العسكري، ولكن إذا أخطأ أي منهما فلا بد أن نشير بشجاعة إلى هذا الخطأ؛ لأن السكوت عليه إضرار بهما، كما يسكت الوالد على جرائم ابنه بزعم الرحمة به وهو لا يدري أنه يزرع فيه بذور الإجرام.

خامسًا: أن السحل والقتل بالرصاص الحي والإصابة، حتى لو كانت الضحية من البلطجية، يعتبر جريمة؛ لأن الذي يقوم بهذه الجريمة هو السلطة الرسمية التي تظل شرعية ما دامت في حدود القانون، فإذا خرجت عن دائرة القانون فقدت شرعيتها، وأصبحت هي والعصابة سواءً بسواء.

كذلك فإن افتراض أن الذي قام بهذه الجرائم هم البلطجية، وهذا افتراض يستخف بالجميع ويناقض الصور الثابتة عن هذه المشاهد القبيحة، لا يعفي السلطة الرسمية من المسئولية؛ لأنها تؤكد دائمًا الحق في الاعتصام السلمي، وهذا يترتب عليه التزام حماية هذا الاعتصام من كل المخاطر، بما في ذلك البلطجية، كما يجب أن تمكن للمعتصمين وتهيئ لهم إمكانات الاعتصام، أما أن تتحدث عن حق الاعتصام ثم تغدر بهم لأي سبب فإنه أمر خطير يدعو إلى التأمل، ولا يجوز لأحد أن يدافع عن جرائم السلطة، أيًّا ما كان اسمها.

سادسًا: أن للمرأة حرمة إنسانية ودينية، فلا يجوز تبرير العدوان عليها بأي ذريعة، ويجب أن نفصل بين صواب مشاركتها في الاعتصام من عدمه، وبين إهانتها والتنكيل بها، وهو أمر محظور حظرًا مطلقًا.

في ضوء هذه الحقائق تظهر لنا بوضوح حكمة القصاص؛ حفاظًا على كرامة الجيش وصورته؛ لأنه لا أحد أسمى من الوطن والحق، وفي تاريخ أمتنا الإسلامية ما يؤكد هذه الحقيقة، فلم يجد أبو بكر رضي الله عليه مفرًا من استدعاء خالد بن الوليد قائد الجيش الإسلامي في حروب الردة، وهو في أوج انتصاره لكي يحقق معه في شكوى تخل بأخلاق القائد وصورته عند جنوده، بل تخل برسالة الإسلام كلها، وهي شكوى مقدمة من أبي هريرة الذي روى معظم أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم.

وفي شهر أكتوبر الماضي تم توقيع خمس عقوبات انتهت بالطرد من الخدمة في أحد قيادات سلاح الطيران الإسرائيلي لأسباب أخلاقية؛ حرصًا على سمعة الجيش.

وأخيرًا فإن حرصنا على جيشنا وصورته ودوره وقيمته هو الذي يدفعنا إلى المطالبة بتنقية صفحة الجيش مما لحق بها، وأن الذين يتسترون على ذلك ويرهبون الناس حتى يسكتوا عما لحقهم من إساءة هم ألد أعداء الجيش. فالتحقيق والقصاص العادل لا يجوز التهاون فيهما، وحفظ الله جيشنا مما يراد له من سوء.

ومن ناحية أخرى، فإنه من الواضح أنه لا يوجد انقسام بين الميادين، ولا خلاف بين المصريين على ضرورة حماية الجيش، وعدم توريطه فيما لا يليق، وعلى ضرورة التمسك بحرمة الدم والكرامة والعرض، فهي ثوابت التقاليد المصرية والإسلامية الصحيحة.

 

 
 
   Bookmark and Share      
  
 هل انقسم الشعب المصري حول العسكر؟

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7