الأربعاء 10 أكتوبر 2012

فى الثالث من اكتوبر الحالى  إفتتح الرئيس الفرنسى فرانسوا هولاند "مرصد فاروس لتعددية الثقافات والأديان" فى باريس ، "لنشر التسامح الدينى عن طريق المعرفة وتشجيع أعمال المواطنين المستنيرين" .. وذلك تلبية لنداءات البابا بنديكت 16 ، الذى لم يكف عن ترديد صيحاته من أجل تطبيق ما يطلق عليه "الحرية الدينية"، وتعنى هذه العبارة فى المفهوم الفاتيكانى "حرية أن يغيّر الإنسان ديانته دون أن يتعرض لأية مضايقات". وهى من المطالب الأساسية التى أقرها مجمع الفاتيكان الثانى (1962ـ1965) إضافة إلى كل ما قرره وفرضه من قوانين. لذلك يطالب البابا أن تكون الحرية الدينية كحق مدنى وإجتماعى تكفله الدولة بمعنى أن تكون كمكتسب حضارى وسياسى وقانونى يُخضِع المتهاون فيه للمساءلة القانونية الدولية !

 وعودة إلى العام الماضى لمتابعة مدى إصرار البابا على تنفيذ هذه الفكرة نشير إلى أنه كرر عبارة "الحرية الدينية"  فى الخطاب الذى ألقاه أمام السلك الديبلوماسى فى الفاتيكان، فى 10 يناير 2011، تسعة عشر مرة! ولم يكف عن الإشارة إليها فى كل خطبه توطئة لكل الترتيبات التى كان قد أعدها ويتم تنفيذها تباعا. ويعتمد فى مطلبه هذا على البند  رقم 18 من الإعلان الدولى لحقوق الإنسان، على أن تكون حرية تغيير الديانة كحق مدنى وإجتماعى تكفله الدولة لكل مواطن أيا كانت عقيدته ، والغرض من هذا هو التحايل على حدّ الردة فى الإسلام. لذلك طالب المسيحيين  عند زيارته للبنان الشهر الماضى بعدم الخوف من الإعلان عن مسيحيتهم وأن يقوموا بعمليات التبشير والتنصير بكل جرأة وعدم الخوف لأنه "يعتمد على ترسانة من القوانين الدولية" التى ستعاونه على تحقيق له ذلك...

وتنص المادة 18 التى يستند إليها بنديكت 16فى بيان حقوق الإنسان على ما يلى : "أن كل فرد يحق له التمتع بالحرية الفكرية وحرية العقيدة والدين ؛ وهذا الحق يتضمن حرية تغيير الديانة أو العقيدة وكذلك حرية الإعلان عن الديانة أو العقيدة مفردا أو جماعة فى المجال العام أو الخاص ، فى التعليم والتطبيق والعبادة والطقوس".

وقد بدأت هذه الفكرة تتزايد تضامنا مع مسيحيو الشرق الأوسط أيام الإعداد لسينودس الأساقفة الذى أقيم فى اكتوبر 2010 ، إلا أنها سرعان ما اتخذت منحى سياسى موازى لما هو متّبع فى الولايات المتحدة فى نفس المجال. ويهتم هذا المرصد الجديد بالإشارة المبكرة إلى أية تعديات على حرية العقيدة وحرية التعبير الدينية فى العالم وخاصة تغيير الديانة، لأن "الربيع العربى يثير القلق من تزايد الوجود الإسلامى" كما يرددون..

ولا شك فى أن الدافع هنا استراتيجى وفقا لما أعرب عنه مجلس وزراء الخارجية الأوروبى فى يونيو 2009 بحضور 27 وزيرا من وزراء الخارجية موضحا : "أن القوى الغربية الأكثر علمانية تتبين أن الدين يلعب دورا هاما فى العلاقات الدولية وأن إهمال هذا العامل يعنى المساس بسياستهم الخارجية". واللافت للنظر أن يقوم بعدها مباشرة برنار كوشنير فى نفس شهر يونيو 2009 بإنشاء "إدارة لمراقبة الأديان" فى وزارة الخارجية الفرنسية. ويعد هذا الإجراء سابقة هى الأولى من نوعها فى الحكومة  الفرنسية أو فى الإتحاد الأوروبى، كما يفسر كل المحاولات المتتالية التى تتم فى فرنسا خاصة وفى أوروبا بصفة عامة و سرعة إيقاع تزايد تصريحات وإجراءات لمطاردة الإسلام والمسلمين.

ومع تزايد النقاش حول حرية التعبير وحرية العقيدة فى الآونة الأخيرة ، خاصة منذ عام 1999 مع نشر الرسوم المسيئة للرسول عليه الصلاة والسلام، حاولت بلدان منظمة المؤتمر الإسلامى العمل على أن تتولى منظمة اليونسكو إصدار قرار ضد الإساءة للأديان ، إلا أن الإتحاد الأوروبى و فرنسا تحديدا إعترضت على هذا المطلب بشدة لأنه سلاح يستخدمونه وفقا لأهوائهم.

وما تقوم به فرنسا حاليا، نظرا  لدورها الخاص تجاه المسيحيين فى الشرق الأوسط ، هو تكثيف الجهود بحيث تكون الخطوط الأساسية للإتحاد الأوروبى عبارة عن التأكيد على تنفيذ قرار الحرية الدينية. ويقول أحد العاملين بوزارة الخارجية الفرنسية :"إن الفكرة ليست محاكاة نموذج العقوبات الأمريكى لكن أن نمنح أنفسنا وسائل الحصول على نتائج محددة فى الأعوام القادمة (...). ويمكننا إقتراح ارتباط بنّاء للبلدان التى تود التعاون معنا فى حماية أقلياتها المسيحية".

 ويُفهم من هذه العبارة أن النيّة متجهة إلى التلويح بإغراءات معينة لقيادات البلدان الإسلامية التى ستتواطأ معها لمحاصرة الإسلام و تصعيد وجود الأقليات المسيحية مثلما هو متّبع فى لبنان ، حيث أن عدد المسيحيين هناك بكل فرقهم لا يتجاوز 18 % من التعداد ، إلا أن فرنسا أيام فرضها الوصاية هناك قامت بترتيب أن تكون لبنان دولة مسيحية و يكون رئيس الدولة مسيحيا ورئيس الوزراء مسلما ، أما البرلمان  فتكون عضويته مناصفة بين المسلمين والمسيحيين وكذلك الوظائف الحكومية...  ثم يتحدثون عن إحتقان النفوس وأن المسلمين يضطهدون الأقليات المسيحية لأنهم متعصبون وإرهابيون !!

أما الوضع فى أمريكا التى يحاكونها فقد تبنى الكونجرس سنة 1998 قانون "الحرية الدينية الدولية" ، واضعا تفعيل هذه الحرية فى قلب سياسة الدولة الأمريكية. وتم إنشاء مكتبا فى الإدارة الأمريكية لمتابعة أحوال الأقليات وإصدار تقرير سنوى يتعلق "بالبلدان المقلقة" أو"التى تضطهد الأقليات المسيحية" على حد  زعمهم.

وحتى الآن كان المجلس الأوروبى يقوم بدوره فى مراقبة "حرية الفكر والعقيدة والدين" فى البلدان الأعضاء عن طريق المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان ، لكن قليلة هى البلدان التى أدخلت هذا البُعد فى سياستها الخارجية حتى الآن. وتشير المقالات التى تناولت موضوع إفتتاح مرصد فاروس إلى أن الأصوات المنادية بتفعيل هذا القرار تنطلق أساسا من مسيحيى الشرق الأوسط سواء المقيمين به أو الذين هاجروا إلى الولايات المتحدة..

وما تقوم به فرنسا حاليا ، نظرا لدورها الخاص تجاه المسيحيين فى الشرق الأوسط هو تكثيف الجهود بحيث تكون الخطوط الأساسية للإتحاد الأوروبى هى التأكيد على ضرورة تطبيق قرار الحرية الدينية وحرية المعتقد. ولمن يستغرب لموقف فرنسا هذا نذكّره بأن إسمها رسميا "الإبنة الكبرى للكنيسة" ، وأن كل رئيس فرنسى يتولى رئاسة الدولة عليه أن يتوجه إلى الفاتيكان وإلقاء خطاب ولاءه للفاتيكان فى كنيسة "سان جاك دى لاتران" التى يترأسها رسميا ، إلا إن كان هناك ما يحول دون دخوله الكنيسة كالرئيس الحالى ووضعه الأسرى غير الشرعى بالنسبة للكنيسة...  لكن ذلك لا ينمعه من القيام بإلتزاماته حيال الفاتيكان بموجب الإتفاقية الدولية الموقعة بين الدولتين فى العصور السابقة ، والتى تتحمل فرنسا رسميا بموجبها ثلثا تكاليف عمليات التبشير والتنصير من أموال وأشخاص ومعدات..

واسم المرصد مستوحى شكلا كما هو معلن من إسم جزيرة فاروس التى شيّد عليها فنار الإسكندرية، ورمزا أو كنايةً  نسبة الى المكان الذى يقال أن القديس يوحنا قد إعتكف فيه لكتابة الإنجيل المعروف بإسمه !. وهو ما يؤكد الجانب التبشيرى أو الإنحيازى للمرصد و يكشف عن حقيقة مقاصده  لتحقيق ما يسعى إليه البابا من تطبيق النموذج اللبنانى على بلدان الشرق الأوسط ، بمعنى أن تكون الأقلية المسيحية هى الحاكم الفعلى للبلد ، وذلك لسهولة التضامن مع الكيانات الغربية الساعية إلى التوغل فى الشئون الداخلية إعتمادا على القوانين التى لا يكفون عن إصدارها !.

 وقد خصصت للمرصد ميزانية مبدئية بمبلغ 850000 يورو، تتحملها وزارة الخارجية الفرنسية وبعض الميزانيات الخاصة التى لم يُفصح عنها. وتقول السيدة ميراى دلماس ـ مارتى ، رئيسة المرصد "أن نظام العولمة تصاحبه عملية تصعيد فى المساس بالحريات الأساسية للدين والتعبير. لذلك سيتم الإهتمام أولا ببلدان ما حول البحر الأبيض المتوسط ، إضافة إلى كوريا الجنوبية وكوبا وفنزويلا وأندونسيا والهند. وستضاف أربعون دولة حتى نهاية العام".

ومن المفترض أن يقدم المرصد معلوماته بثلاث لغات هى الفرنسية والإنجليزية والعربية ، إلا أنه بدأ حاليا بلغتين فقط. ويعتمد المرصد فى تجميع معلوماته وبياناته على وسائل الإعلام والمنظمات غير الحكومية والجماعات الدينية والعقائدية وخاصة المؤسسات الدينية والكنائس المحلية على أنها الأدرى بمشكلات أتباعها. أى من المفترض أن تكون "مساحة المعلومات تدعيما للتسامح والمواطنة التى يجب أن تكون مكفولة للجميع أيا كانت ثقافتهم أو عقيدتهم" على حد قول السيدة ميراى دلماس ـ مارتى رئيسة المرصد.

والمرصد كأداة لجمع المعلومات التاريخية والقانونية والإحصاءات ، التى تعاون على توضيح حقيقة الموقف فى كل دولة من الدول التى يتابعها ، يعتمد على تخصيص بؤرة إتصال مباشر فى كل بلد مكونة من الجامعيين والصحفيين المتخصصين. كما يتعاون مع أربع هيئات أساسية هى : مؤسسة جرّان ـ هيرميس للسلام ، وهى مؤسسة دولية للأبحاث منذ سنة 1966، تهتم بمسألة التربية على مبدأ السلام ؛ ووزارة الخارجية الفرنسية والأوروبية ؛ ومركز الدراسات والأبحاث الدولية الذى تم إنشاؤه عام 1952 وهو مرتبط بمركز الأبحاث والدراسات الوطنى الفرنسى ؛  ومركز الأبحاث السياسية الذى اُنشئ سنة 1960 ومتخصص فى تحليل التيارات السياسية الكبرى والعوامل التى تساعد على توجيه التصرفات والمواقف السياسية للمواطنين.

أما الجانب القانونى فإن المرصد يعتمد على البيان الدولى لحقوق الإنسان الذى أقرته الجمعية العامة لهيئة الأمم سنة 1948 ؛ وعلى الإتفاق الدولى للحقوق المدنية والسياسية التى تبنتها الجمعية العامة لهيئة الأمم سنة 1966 ؛ وبيان هيئة الأمم حول إستبعاد كافة أشكال عدم التسامح والتفرقة القائمة على الدين أو العقيدة الذى أقرته هيئة الأمم فى سنة 1981 ؛ وعلى إتفاقية اليونسكو حول حماية وتفعيل تعددية التعبير الثقافى التى أقرتها سنة 2005.

وحين نتأمل هذا الكمّ الغريب من المؤسسات والإتفاقيات والقوانين الدولية التى سيلجأ إليها مرصد فاروس ليستعين بها فى فرض قراراته ، ندرك الأبعاد الحقيقية لعبارة البابا بنديكت 16 حينما راح يحث المسيحيين فى لبنان مكررا عبارة ألا يخشوا شيئا وأن يبشروا ويعلنوا عن ديانتهم بلا أى خوف أو حرج لأنه "يعتمد على ترسانة من القوانين الدولية" لمسانتدهم وحمايتهم ...                        


 
 
   Bookmark and Share      
  
 مرصد فاروس للحريات الدينية !!

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7