الخميس 6 ديسمبر 2012

العلمانية ضد الدين
د. يوسف القرضاوي
قلنا: إن "العلمانية" بالمعنى الذي بيناه، مرفوضة في أوطاننا عامة، وفي مصر خاصة، بأي معيار احتكمنا إليه، وأول هذه المعايير هو الدين.

فإذا احتكمنا إلى الدين، أعني الدين الذي تؤمن به الأغلبية، وتنزل على حكمه -وهو الإسلام- نجده يرفض العلمانية رفضًا حاسمًا؛ ذلك لأنها هي لا تقبل التعايش معه، كما أنزله الله، كما بينا ذلك من قبل.

فهي قد تقبله عقيدة في ضمير الفرد، ولكنها لا تقبل هذه العقيدة أساسًا للولاء والانتماء، ولا ترى أن من موجبات العقيدة الالتزام بحكم الله ورسوله.

وهي قد تقبله عبادة ونسكًا، لكن على أن تكون شأنًا موكولاً إلى الأفراد، لا على أن ترعاه الدولة، وتحاسب عليه، وتقدِّم الناس، أو تؤخرهم على أساس الالتزام بذلك أو عدمه.

وهي قد تقبله أخلاقًا وآدابًا، ولكن فيما لا يمسّ التيار العام، المقلِّد للغرب، فالأصل لدى العلمانيين أن يبقى الطابع الغربي سائدًا غالبًا، على عاداتنا وتقاليدنا في المأكل، والملبس، والزينة، والمسكن، والعلاقة بين الرجال والنساء ونحوها، ضاربين عرض الحائط بما قيد الله به الفرد المسلم والمجتمع المسلم من أحكام الحلال والحرام.

أما الشيء الذي تقف العلمانية ضده بكل صراحة وقوة، فهو "الشريعة" التي تنظم بأحكامها الحياة الإسلامية، وتضع لها الضوابط الهادية، والعاصمة من التخبُّط والانحراف، سواء في ذلك ما يتعلق بشئون الأسرة "الأحوال الشخصية"، أو المجتمع، أو الدولة في علاقاتها الداخلية أو الخارجية، السلميَّة أو الحربية، وهو ما عنى به الفقه الإسلامي بشتى مدارسه، ومختلف مذاهبه، وخلّف لنا فيه ثروة تشريعية طائلة، تغنينا عن استيراد القوانين من غيرنا، وهي قوانين لم تنبت في أرضنا، ولم تنبع من عقائدنا وقيمنا وأعرافنا، وهي بالتالي تظل غريبة عنا، مرتبطة في أذهاننا وقلوبنا بالاستعمار الدخيل، الذي فرضها علينا دون إرادة ولا اختيار منا.

هذا هو حال القوانين الوضعية بالنسبة لنا، ولكن العلمانية تقبلها، وترفض شريعة الله، تتبنى الزنيم، وتنفي نسب الابن الأصيل.

فهي تأخذ من الإسلام ما يوافق هواها، وتعرض عما يخالف هواها، تؤمن ببعض الكتاب وتكفر ببعض، وهو ما صنعه بنو إسرائيل قديمًا، فقرعهم الله أشد التقريع حين قال: {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} [البقرة: 85].

وبهذا تناصب العلمانية العداء للدين، أعني للإسلام، الذي أنزله الله نظامًا شاملاً للحياة، كما أن الإسلام يناصبها العداء أيضًا؛ لأنها تنازعه سلطانه الشرعي في قيادة سفينة المجتمع، وتوجيه دفتها، وفقًا لأمر الله ونهيه، والحكم بما أنزله على رسوله صلى الله عليه وسلم. وإذا لم يحكم المجتمع بما أنزل الله، سقط -لا محالة- في حكم الجاهلية، وهو ما حذر الله منه رسوله والمؤمنين من بعده، حين قال: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ * أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُون} [المائدة: 49، 50].

إن العلمانية بمعيار الدين دعوة مرفوضة؛ لأنها دعوة إلى حكم الجاهلية، أي إلى الحكم بما وضع الناس، لا بما أنزل الله.

إنها دعوة تتعالم على الله جل جلاله! وتستدرك على شرعه وحكمه! كأنّها تقول لله رب العالمين: نحن أعلم بما يصلح لنا منك، والقوانين -التي أدخلها الغرب إلى ديارنا في عهود استعماره- أهدى سبيلاً من أحكام شريعتك!!

فماذا عسى أن يوصف من وقف هذا الموقف من ربه وشرعه؟!!

 
 
   Bookmark and Share      
  
 العلمانية ضد الدين د. يوسف القرضاوي

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7