الجمعة 7 ديسمبر 2012
 

المنهج وضرورته للبشرية

المنهج وضرورته للبشرية

عبد الرحمن بن علي إسماعيل

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله عليه الصلاة والسلام...وبعد: لا تستطيع هذه المليارات من البشر أن يعيشوا في هذه الحياة بدون منهج ونظام يسيرون عليه، ينظم جوانب حياتهم، ويحدد لهم المعالم التي يسيرون عليها والحدود التي يقفون عندها، ولا يتجاوزوها، ويضع الثواب والعقاب لمن التزم تلك الحدود أو خالفها بغض النظر عن ذلك النظام أو المنهج هل هو حق أم باطل وإلا أصبحت حياة الناس فوضى ليس لها هدف محدد، ولا حدود يقف الناس عندها، أو منهج يحتكمون إليه، وتصبح حياتهم أشبه بحياة الوحوش في الغابة، يأكل القوي الضعيف، وتسيطر عليهم الأهواء والشهوات، وينتشر الظلم والفجور والعدوان، وتقاسي البشرية الويلات في جميع جوانب حياتها، ومثل هذه الحياة لا يرضاها أحد من عقلاء البشر، بل الكل يدعو إلى وضع منهج للناس ونظام يسيرون عليه، ولكن السؤال هو من يضع لهذه الجموع من البشر نظامًا وشريعة يسيرون عليها؟! (1)  بحيث يتوافق ذلك النظام مع مصالح الناس، سواء كانوا أفراداً أم جماعات، ولا يتصادم مع مسلّمات العقل والفطرة البشرية والحكمة من خلق هذه البشرية، والمصير الذي ينتظرهم بعد الموت.
من يضع منهجاً لهذا الإنسان؟.
مع ضرورة وضع منهج ونظام لهذه البشرية فإن من الضرورة أيضاً تحديد من يضع ذلك النظام وتلك الشريعة؟ وما هي مواصفات من يحدد ذلك النظام ويرسمه، وما شروط تلك الشريعة؟! ولا يجادل أحد من عقلاء البشر أن من يضع لهذه البشرية نظاماً تسير عليه في حياتها فلا بد أن يكون على علم تام بحقيقة هذا الإنسان وكيفية خلقه، وما هي الغرائز المودعة فيه، والصفات التي قام عليه، وما الحكمة التي من أجلها خُلق؟ وما المصير الذي ينتظره بعد الموت؟ حتى تكون تلك الشريعة وذلك النظام ملائماً لهذا الإنسان من جهة، فيتعامل معه بحسب مواصفاته، ويكون محققاً لحكمة خلقه ووجوده في هذه الحياة من جهة ثانية، قائماً على أساس العقيدة الإسلامية. (2) ولا أحد يستطيع أن يضع  لهذه البشرية نظاماً بهذه الكيفية وبتلك المواصفات، إلا الذي خلق هذا الإنسان ويعلم كيف خلقه وركبه، وما هي الحكمة من خلقه، ويعلم المصير الذي ينتظر هذا الإنسان بعد موته، وذلك هو الله تعالى الخالق العظيم الموصوف بالعلم، والحكمة، والعدل والقدرة، لا إله غيره، ولا رب سواه. 
ضرر المناهج البشرية:- ورغم الحقيقة السابقة وأهميتها، فقد حاول الإنسان أن يضع شريعة ونظاماً، لبني جنسه، ظناً منه أنه قد وصل من العلم والخبرة ما يؤهله لذلك، وبدأت التجارب البشرية، ومارس الإنسان على أخيه قراراته وأهوائه وآرائه، سواء في جانب الغيب أم في جانب الشهادة، وسواء في قضايا العقيدة أم العبادة، أم المعاملات، وتمكن الشيطان بكيده ووساوسه أن يوحي إلى بعض الناس استعباد البشر،والتحكم فيهم وإلزامهم بما يراه من الأفكار والمبادئ بالترغيب والترهيب، وباسم الحرية والتحرر وتحكيم الأغلبية، والتخلص من الاستبداد والوصاية الخارجية  أياً كانت. وضع هذا الإنسان لبني جنسه نظاماً وطبق الناس تلك الأنظمة البشرية، حرية الاعتقاد – الرأسمالية – الاشتراكية – نظرية العقد الاجتماعي- الديمقراطية – العلمانية – العولمة -، وما يكاد يمر زمن إلا وتسمع عن تعديلات وتغييرات في تلك الأنظمة أو إعلان عن اكتشاف طريقة أخرى هي أسلم من السابقة، وتمر سنوات يتجرع الناس خلالها الويلات ويذوقون المرارات والشدائد، ثم يتنادى عقلاء الناس إلى تغيير الأنظمة وتعديلها، ولكن بعد فوات الأوان، وليس أدل على ذلك مما تتجرعه البشرية في ظل الأنظمة الاقتصادية، سواء منها الاشتراكية أو الرأسمالية، وما يصاحب ذلك من ظلم ونكبات وأزمات اقتصادية وأكل للأموال بغير حق واستيلاء على حقوق الناس، ورمي ملايين الأطنان من المواد الغذائية في البحر أو إحراقها من أجل المحافظة على السعر في الوقت الذي تموت فيه الآلاف من البشر من الجوع والفقر والمرض.
أهمية إبراز تجربة المناهج البشرية:- إن من أعظم واجبات أهل العلم اليوم وطلابه، وكل من يهمه شأن الإسلام من المدرسين والمثقفين وأهل الخير التعاون جميعاً لإبراز تجربة المناهج البشرية والأنظمة الوضعية، وبيان الأسس التي انطلقت منها، والآثار السيئة والنتائج المدمرة التي أدت إليها، وبيان قصور تلك الأنظمة، وضررها على البشرية جمعاء، في جميع ميادين الحياة وإظهار ما تجرعته وتتجرعه البشرية في ظلها من الظلم والقهر والويلات والأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية وسوء العلاقات بين الدول، وقيام الحروب المدمرة التي أكلت الأخضر واليابس، وإفساد جميع جوانب الحياة من تعليم وإعلام وقضاء وجيش،وضياع النسل وفساد الذرية وميوعة الشباب، وضياع المرأة، وذهاب العقول وانتهاك الأعراض. ليكون ذلك دليلاً من الأدلة على بطلان تلك المناهج البشرية وصد الناس عنها وصرفهم عن سلوك، مثل تلك الطرق، وإتباع مثل تلك المناهج، والإقبال على شريعة الله سبحانه وتعالى خالق هذه البشرية والمحيط علماً بما أودع فيها من الغرائز والصفات، وما ينتظرها في الدار الآخرة من الثواب والعقاب، وما يصلح لها في جميع جوانب حياتها، ويضمن لها سعادة الدارين. وبيان ما تناله البشرية في ظل شريعة الله سبحانه وتعالى وأحكامه من الراحة والطمأنينة، وصلاح أمر الدنيا والدين.

 ________________
(1 ) ينظر: أصول الدعوة د/ عبد الكريم زيدان ص99. 
(2) المرجع نفسه  101. 

 
 
   Bookmark and Share      
  
 المنهج وضرورته للبشرية عبد الرحمن بن علي إسماعيل

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7