الخميس 20 ديسمبر 2012
New Page 1


الواقعية والمعيارية في ضوء مقولة المقاصد

فيصل بن عامر الذويبي

ازدحم الدرْس الإسلامي بِكَمٍّ هائلٍ من الإنتاج المقاصدي، استوعب المراكز العلمية على جغرافيا المسلمين الممتدة: من ماليزيا في جنوب شرق آسيا، إلى المملكة المغربية في أطراف الشمال الإفريقي، وكان هناك التحام ظاهري بين فكرتي: المقاصد، والتجديد (1)، لدى تيار، ولدى تيارٍ آخر كان الالتحام الظاهري بين فكرتي: المقاصد، والحداثة. تباينت الاستخدامات، والفكرة واحدة، هي: المقاصد، وعدم اسْتِجْرار القديم بكل سلبياته.

كان الدافع لهذا الدرْس بهذا الكم الهائل من الإنتاج المقاصدي هو: أن العصر الحديث امْتَلأ، بل ازدحم بمستجداتٍ كثيرة، ومتنوعة، ومتلاحقة، بل ومتسارعة، في مختلف شؤون الحياة، وأنماطها المتنوعة، فلم تعد النظم والقوانين تفي بمتطلبات ذلك: إنِ اقْتُصِر على حرفيتها، والظاهر من ألفاظها ؛ ولذلك كان التنادي من أهل القانون بالكشف عن قصد المشرع، وغايته، وإرادته، فكان ما يُسمَّى بتفسير النصوص بما لا يبتعد عن غاياتها النهائية، فالدستور - عندهم - وثيقة، نابضة بالحياة، لا تصد عن التطور، فنسيجها متناغماً مع روح العصر (2).

وأما الشريعة الإسلامية فهي معتمِدة على نصوص تشريعية، في القرآن والسنة، وهي متناهية، والوقائع غير متناهية، وما هو متناهي – إنِ اقْتُصِر على الحرفية والظاهرية – لا يفي بما لا يتناهى، فكانت الحاجة لإيجاد العلل واستخدام المقاييس، ثم مع تباعد الزمان عن زمان النبوة اشتدت الحاجة إلى ما يُسمَّى بالمصالح المرسلة، ثم تباعد الزمان أكثر، وكَثُرَت المستجدات، وتشابكتْ في الحياة، وازدحمت المصالح مع المفاسد، وحصل التعارض فيها، وكَثُرَت الاختلافات الفقهية، فظهرت الحاجة إلى ما يُسمَّى بمقاصد الشريعة العامة، حتى إن الطاهر بن عاشور، العالم، التونسي الأصل(3) – أراد بتأليفه لكتابه:"مقاصد الشريعة الإسلامية": أن تكون تلك المقاصد نبراساً للمتفقهين في الدين، ومرجِعاً بينهم عند اختلاف الأنظار، وتبدل الأعصار، وتوسُّلاً إلى إقلال الاختلاف بين فقهاء الأمصار، ودُرْبةً لأتباعهم على الإنصاف في ترجيح بعض الأقوال على بعض، عند تطاير شَرَرِ الخلاف؛ حتى يَسْتَتِبَّ بذلك ما أراد من نبذ التعصب، والفَيْئة إلى الحق (4). وأراد أن يستنبط مقاصد شرعية قطعية ؛ لكي يَقْطَع القطعيُّ الخلاف، فهو يرى أن سبب كثرة الخلاف: الاستناد إلى الظنيات، التي تختلف فيها الأفهام (5).

غير أن عناية الفقهاء بمقاصد نصوصهم التشريعية: بتأصيلها، والبناء عليها - أكثر بكثير مما هو عند أهل القانون ؛ وذلك لأن الداعي الذي قام عند فقهاء الشريعة لم يقم عند أهل القانون، وبيان ذلك: أن التشريع الوضعي قابلٌ للتعديل، والتغيير بما يزعم مُشَرِّعوه: أنه يحقق مصالح الجماعة والأفراد، فهو تشريع قابل للتغيير والتعديل باستمرار، فليس بحاجة ماسَّة إلى نظرة مقاصدية، مجالها في التعليل من أجل القياس، وفي تفسير النصوص، فمثل هذه النظرة ضرورية في التشريع الثابت، غير القابل للزيادة أو النقصان، وهو تشريع القرآن والسنة (6)، وهذا لا يعني عدم حاجة أهل القانون لمقاصد تشريعهم، وإلا لم يكن ما يُسَمَّى بروح القانون، الذي يحكُم تفسير النصوص، ثم إن الرجوع لروح القانون يَضْطَرُّ إليه مَن تكون السوابق القضائية في عُرْف بلده تشريعاً، لا يُنْقَض.

ويمكن أن يُراد بالمقاصد في الشريعة والقانون: الحِكَم والغايات المصلحية من التشريع، التي هي الإرادة التشريعية (7).

وعند جَعْل مقولة:"المقاصد" في مَحَكِّ التطبيق نجد أنها موطنٌ احتدم فيه الصراع من قبل التيارات: المحافظة، التي قد توصَف بالظاهرية، والمنفتحة، التي قد توصَف باتباع الرأي. الأول يُشَدِّد في اتباع النص، ويُظْهِر قدسيته، ويَتَّهم الآخَر بزعزعة الثوابت باسم المقاصد، وأنه يريد أن يجعلها متغيرة، حتى في المقدَّرات والحدود، والثاني يُشَدِّد في اتباع المعاني، ويَفْهَم النصوصَ بها، ويَتّهم الآخر بجعل المتغيرات ثوابت، حتى في الأمور العرفية المصلحية، التي تتغير بتغير الزمان والمكان والشخص والحال.

وهناك تيار لا ينطلق من أرضية التسليم للنص (8)، وإنما من الواقع الذي يَفْهَمُه العقل، فهو يرى أن المقاصد لم تحقق الهدف منها، وهو: الإقلال من الخلاف، وكونها قواطع يُحْتَكم إليها ؛ إذ الخلاف – في نظره – لم يَنْحسِم، بل ولا انْحَسَر، فقد استمر، وازداد، واشتد، وانتقل الخلاف من الفروع إلى الخلاف في مقولة المقاصد: في تكوينها، وفي الاستدلال بها، فما ظُنَّ أنه به يَحْسِم الخلاف إذا به سببٌ للخلاف، وما ظُنَّ أنه قواطع يُحْتَكم إليها إذا بها ظنون، توقع في النسبية ؛ ويذكر أن السبب في الوقوع مما أُريد الإفلات منه هو: أن العقلَ الفقهي – سواء عند المحافظين، أو المنفتحين – معقولٌ، أي: أنه داخل قفص النصوص، عاجز عن الانطلاق، وكَسْر قيود التقليد، وأنه بذلك لا يقوى عن مجاراة الحياة الحاضرة، ولا يستوعبها ؛ لأنه أنكر الحياة، فأنكرته، فانْفَصَمَتْ صلتها بالعقل الفقهي، فلا يمكنها أن تأنس إلا بعقل يكون من طينتها، وهو العقل النقدي الحر، فهو سليلها بلا نزاع؛ هكذا يزعم هذا التيار.

وهذا التيار – الذي ينطلق من الواقع في تكوين مبادئه – يَدْرُس النصوصَ بالسياق التاريخي، فيُفَسِّرها بمنهج:"تفكيك النص": مُقَدَّساً كان، أو غير مُقَدَّس ؛ لتنتهي بذلك سلطة النص(9).

إن الجدل في مقولة:"المقاصد" دائرٌ بين الصفة الواقعية والصفة المعيارية، فالغاية من التشريع: معاني وحِكَم مصلحية، تعود بالنفع على البشرية، وهذه المنافع مبثوثة في واقع الوجود، في هذه الدنيا، فيرى البعض أن الفِكْر يحتكِم للنص، فهو معيارٌ لتقويمه وتصحيحه، يرفع الواقعَ إليه. وآخر يرى أن المقاصد لها الصفة المعيارية، فلا يجمد على ظاهر النص، لكنه لا يزال في دائرة تقديس النص. وآخر يرى أن الواقع هو المعيار، ينظر إلى النص بمنظارٍ تاريخي، وبمنهجٍ تفكيكي، فلا النص معيارٌ، ولا مقاصده معيارٌ، غير أن جَعْل المقاصد معياراً، وهي المنافع في واقع الوجود – يَرْتَدُّ إلى نوعٍ من كون الواقع هو المعيار ؛ ولذلك مَن لا يعتبر المقاصد معياراً، مع كونه يعتبر الواقع معياراً - يقع في التناقض ؛ لكون المقاصد منافعَ في الواقع. كأن الأمر يدور في حلَقة: واقعية... معيارية ... واقعية... وهكذا دواليك.

يزداد الأمر إشْكالاً عند تراجع السلطتين: السياسية والعلمية، أو عند شغور الزمان منهما(10) ؛ إذ تكون المقاصد حينئذٍ هي المنقِذ(11)، فالإحالة على أمور كلية مقاصدية أولى من التخَبُّط في الجهالات، والمقاصد هي منافع في الواقع، وقد اعْتُبِرَتْ معياراً، فارْتَدّ الأمر إلى نوعٍ من كون الواقع هو المعيار، ورجعنا إلى الدوران في الحلَقة...

وحينئذٍ تبرز الحاجة الملحة إلى اكتشاف العلاقة بين الصفتين: الواقعية، والمعيارية في ضوء مقولة:"المقاصد"، وأطْرَح ذلك على طاولة البحث والدراسة، حاثًّا المفكرين على اكتشاف هذه العلاقة، وما كان هذا المقال إلا دعوة للبحث في اكتشاف هذه العلاقة.

سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

_ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _ _

(1) انظر : مدخل أصولي للمقاصد الشرعية ، لمحمد كمال الدين إمام : 12 ، ضمن دورة متخصصة عن :"المقاصد وقضايا العصر" ، في كلية الحقوق بجامعة الاسكندرية ، بالتعاون مع مركز الدراسات والبحوث القانونية والاقتصادية هناك ، لشهر ذي القعدة ، وذي الحجة ، لعام 1427هـ ، الموافق نوفمبر ، وديسمبر ، لعام 2006م ، ومطبوع ضمن كتاب مقاصد الشريعة الإسلامية ، الناشر : مؤسسة الفرقان للتراث الإسلامي – مركز دراسات مقاصد الشريعة الإسلامية ، بلندن ، الطبعة الأولى ، عام 2007م .

(2) انظر : فكرة المقاصد في التشريع الوضعي ، لمحمد سليم العوا : 267 ، ضمن نفس الدورة الآنفة الذكر ، ومطبوع ضمن الكتاب الآنف الذكر .

(3) هو : محمد الطاهر بن الشيخ محمد ، وعاشور من أجداده ، علامة الفقه ، وأصوله ، والتفسير ، وعلومه ، تولى منصب كبير أهل الشورى ، وكان قاضياً مالكياً ، وعميداً للجامعة الزيتونية ، وعضواً في مجمع اللغة العربية بدمشق ، ومشاركاً ببحوثه في مجمع اللغة العربية بالقاهرة ، توفي عام 1973م ، له : تفسير التحرير والتنوير ، وأصول النظام الاجتماعي ، وحاشية التوضيح في أصول الفقه ، والفتاوى .

انظر : محمد الطاهر بن عاشور ، لإياد خالد الطباع ، طبع : دار القلم بدمشق ، الطبعة الأولى ، عام 1426هـ ، الموافق 2005م .

(4) انظر - في سبب تأليف الطاهر بن عاشور لكتابه :"مقاصد الشريعة الإسلامية"- ما ذكره في مقدمة كتابه : 165 ، طبع : دار النفائس بالأردن ، الطبعة الثانية ، عام 1421هـ ، الموافق 2001م .

(5) انظر : مقاصد الشريعة الإسلامية ، للطاهر بن عاشور : 168-174.

(6) انظر : فكرة المقاصد في التشريع الوضعي ، لمحمد سليم العوا : 270-272.

(7) عَرَّف الطاهر بن عاشور مقاصد الشريعة العامة بأنها : المعاني والحكم الملحوظة للشارع في جميع أحوال التشريع ، أو معظمها ، بحيث لا يختص ملاحظتها بالكون في نوع خاص من أحكام الشريعة .

وعَرَّف علال الفاسي مقاصد الشريعة بأنها : الغاية منها – أي : من الشريعة – والأسرار التي وضعها الشارع عند كل حكم من أحكامها .

انظر : مقاصد الشريعة الإسلامية ، للطاهر بن عاشور : 249 ، ومقاصد الشريعة ومكارمها ، لعلال الفاسي : 7 ، طبع : دار الغرب الإسلامي بيروت ، الطبعة الخامسة ، عام 1993م .

(8)انظر – في أدبيات هذا التيار تجاه مقاصد الشريعة - : مقاصد الشريعة ، التشريع الإسلامي المعاصر بين طموح المجتهد ، وقصور الاجتهاد ، لنور الدين بوثوري : 101، 111 ، طبع : دار الطليعة ببيروت ، الطبعة الأولى ، عام 2000م .

(9)انظر – في أدبيات هذا التيار تجاه موضوع الدلالة من النصوص - : مدخل مقاصدي للاجتهاد ، لجاسر عودة :50، ضمن دورة متخصصة عن :"المقاصد وقضايا العصر" ، في كلية الحقوق بجامعة الاسكندرية ، بالتعاون مع مركز الدراسات والبحوث القانونية والاقتصادية هناك ، لشهر ذي القعدة ، وذي الحجة ، لعام 1427هـ ، الموافق نوفمبر ، وديسمبر ، لعام 2006م ، ومطبوع ضمن كتاب مقاصد الشريعة الإسلامية ، الناشر : مؤسسة الفرقان للتراث الإسلامي – مركز دراسات مقاصد الشريعة الإسلامية ، بلندن ، الطبعة الأولى ، عام 2007م .

(10) كتب إمام الحرمين أبي المعالي الجويني في المخرَج عند شغور الزمان من الإمام ، ومن المجتهدين ، أو من نقلة المذاهب – كتاباً ، بعنوان : غياث الأمم في التياث الظلم ، المسمَّى بالغياثي ، طبع : مؤسسة الريان ببيروت ، الطبعة الأولى ، عام 1428هـ ، الموافق 2007م .

(11) انظر – في ارتباط مفهوم المقاصد بالمُشْكِل الاجتماعي والسياسي - : الفكر الأصولي وإشْكالية السلطة العلمية في الإسلام ، قراءة في نشأة علم الأصول ومقاصد الشريعة ، لعبد المجيد الصغير : 434، توزيع : المؤسسة الجامعية للدراسات ببيروت ، الطبعة الأولى ، عام 1415هـ ، الموافق 1994م .

 
 
   Bookmark and Share      
  
 الواقعية والمعيارية في ضوء مقولة المقاصد

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7