الثلاثاء 15 يناير 2013
New Page 1

 الخلاف..مفهومه، وحكمه، وأنواعه
عبدالوهاب بن محمد الحميقاني
مفهوم الخلاف
أولاً: الخلاف في اللغة:
الخلاف لغةً: مصدر خالف، كما أن الاختلاف مصدر اختلف، والخلاف هو: المضادة، وقد خالفه مخالفة وخلافاً، وتخالف الأمران واختلفا، لم يتفقا، وكل ما لم يتساوَ فقد تخالف واختلف، قال سبحانه: "وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفاً أُكُلُهُ" [الأنعام:141](1).

إذاً: الخلاف والاختلاف في اللغة: ضد الاتفاق، وهو أعم من الضد، قال الراغب الأصفهاني: "الخلاف: أعم من الضد؛ لأن كل ضدين مختلفان، وليس كل مختلفين ضدين"(2).

فمثلاً: السواد والبياض ضدان ومختلفان، أما الحمرة والخضرة فمختلفان وليسا ضدين، والخلاف أعم من الضدية؛ لأنه يحمل معنى الضدية، ومعنى المغايرة مع عدم الضدية(3).

إذاً: فمعنى الخلاف والاختلاف هو المضادة والمعارضة وعدم المماثلة، وهذا المعنى هو الذي جاء في نصوص القرآن الكريم.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية –رحمه الله-: "ولفظ الاختلاف في القرآن يراد به التضاد والتعارض، لا يراد به مجرد عدم التماثل، كما هو اصطلاح كثير من النظار، ومنه قوله تعالى: "وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ الله لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً"[النساء:82]، وقوله: "إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ، يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ" [الذاريات:8-9]، وقوله: "وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ" [البقرة:253]"(4).

ثانياً: الخلاف في الاصطلاح:

الاختلاف والمخالفة: أن يأخذ كل واحد طريقاً غير طريق الآخر في حاله أو قوله، ولما كان الاختلاف بين الناس في القول قد يقتضي التنازع، استعير ذلك للمنازعة والمجادلة، قال –تعالى: "فَاخْتَلَفَ الأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ" [مريم:37]، وقوله تعالى:"وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ..." [هود:118](5).

وعليه فيكون الخلاف والاختلاف في الاصطلاح هو: "أن يذهب كل واحد إلى خلاف ما ذهب إليه الآخر"(6).

أو هو: "منازعة تجري بين المتعارضين؛ لتحقيق حق أو لإبطال باطل"(7).

والمسائل الخلافية في الأحكام الشرعية هي: "المسائل الفقهية التي لم يتفق عليها من يعتد بخلافه من العلماء"(8).

فيمكن القول بأن الخلاف والاختلاف يراد به مطلق المغايرة، في القول، أو الرأي، أو الحالة، أو الموقف.

وقد فرق بعض العلماء بين الخلاف وبين الاختلاف في الاصطلاح، من أربعة وجوه ذكرها أبو البقاء الكفوي في كلياته، وهي أن(9):

1- (الاختلاف): ما اتحد فيه القصد، واختلف في الوصول إليه، و(الخلاف): يختلف فيه القصد مع الطريق الموصل إليه.

2- (الاختلاف): ما يستند إلى دليل، بينما (الخلاف): لا يستند إلى دليل(10).

3- (الاختلاف): من آثار الرحمة، بينما (الخلاف): من آثار البدعة.

4- (الاختلاف): لو حكم به القاضي لا يجوز فسخه من غيره، بينما (الخلاف): يجوز فسخه. وخلاصة قوله: إنه إذا جرى الخلاف فيما يسوغ سمي اختلافاً، وإن جرى فيما لا يسوغ سمي خلافاً.

والتفرقة بين الخلاف والاختلاف بهذا الاصطلاح الذي ذكره أبو البقاء الكفوي وغيره، لا تستند إلى دليل لغوي، ولا إلى اصطلاح فقهي.

فالخلاف والاختلاف في اللغة ضد الاتفاق، فهما بمعنى واحد، ومادتهما واحدة.

قال المناوي –رحمه الله-: "الاختلاف افتعال من الخلف، وهو ما يقع من افتراق بعد اجتماع في أمر من الأمور"(11).

أما في الاصطلاح الفقهي والعلمي فالذي يستقرئ استخدام علماء وفقهاء المسلمين لهذين اللفظين، يجد أن عامتهم لا يفرقون بينهما عند الاستخدام, وإن كانوا يفرقون بين المسائل التي يسوغ فيها الخلاف مما لا يسوغ فيها، مع اختلاف تعبيراتهم عن هذه التفرقة.

لكن قد يوجد فرق دقيق بين اللفظين من جهة الاستعمال؛ فكل منهما يستعمل باعتبار معين في حال المختلفين، وإن كان معناهما العام واحد، يبين ذلك محمد الروكي بقوله: "والملحوظ في استعمال الفقهاء أنهم لا يفرقون بين الخلاف والاختلاف؛ لأن معناهما العام واحد، وإنما وضعت كل واحدة من الكلمتين للدلالة على هذا المعنى العام من جهة اعتبار معين، وبيان ذلك: أننا إذا استعملنا كلمة (خالف) كان ذلك دالاً على أن طرفاً من الفقهاء –شخص أو أكثر– جاء باجتهاد مغاير لاجتهاد الآخرين، بغض النظر عن هؤلاء الآخرين، هل اجتهادهم واحد أو متباين...لكن إذا نظرنا إلى طرفين من أطراف الخلاف، أو إلى أطرافه كافة؛ فإننا نسمي ما ينشأ عنهم من آراء متغايرة اختلافاً...ويؤكد هذا التفريق اللفظي الدقيق استعمال القرآن الكريم لمادة الخلاف والاختلاف، فقد قال الله –تعالى– على لسان شعيب –عليه الصلاة والسلام-: "وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ" [هود:88]، فلما كان السياق هنا مرتبطاً بطرف واحد من أطراف الخلاف، عبر بكلمة (أخالف).

لكن حينما يكون السياق مرتبطاً بكافة أطراف الخلاف، يعبر حينئذ بكلمة (اختلف) كقوله –تعالى–: "فَاخْتَلَفَ الأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِم" [مريم:37].

إذاً: فالتعبير بكلمة (الخلاف) مرتبط باعتبار معين، والتعبير بكلمة (الاختلاف) مرتبط باعتبار آخر معين، والاعتباران معاً يكونان صورة واحدة، هي المعنى العام للخلاف والاختلاف، ولهذا لا تجد فرقاً بينهما في استعمال الفقهاء"(12).

حكم الخلاف

يأتي حكم الله على جهتين، ومن خلال التفرقة بين حكم الله الشرعي وبين حكمه القدري، -أي: بين إرادة الله للخلاف في تقديره وتكوينه، وبين إرادته له في دينه وشرعه- يتجلى لنا الحكم الشرعي في الخلاف، ونخلص إلى ما يلي:

1- أن الخلاف أمر قدري حتمي، أراده الله فلا بد من وقوعه.

2- أن الخلاف شر وعذاب، نهى الله عنه وذمه في شرعه، فلا بد من اجتنابه.

3- أن الخلاف وقع بين الصحابة وأئمة الهدى عرضاً لا قصداً.

وإليك بيان كل مسألة من هذه المسائل الثلاث:

أولاً: الخلاف أراده الله قدراً:

لقد قدر الله –سبحانه- الاختلاف على بني آدم، وجعل ذلك من لوازم خلقتهم، يقول –سبحانه–:"وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ، إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ" [هود:118-119].

وقد اختلف السلف في تفسير هذه الآية على أقوال عدة، أولاها: ما صححه ابن جرير الطبري وابن كثير –رحمهما الله– وهو أن الله خلق الناس للاختلاف بالشقاء والسعادة، إلا من رحم الله من المؤمنين، الذين اتبعوا الرسل وما جاءوا به من الدين؛ فإنهم وإن اختلفوا فإن اختلافهم لا يعود عليهم بضر.

قال ابن جرير –رحمه الله-: "وأولى الأقوال في تأويل ذلك بالصواب قول من قال: معنى ذلك ولا يزال الناس مختلفين في أديانهم وأهوائهم، على أديان وملل وأهواء شتى، "إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ" [هود:119] فآمن بالله وصدق رسله؛ فإنهم لا يختلفون في توحيد الله، وتصديق رسله، وما جاءهم من عند الله"(13).

وأخرج أيضاً بسنده عن الحسن البصري –رحمه الله- أنه قال: "وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ" [هود:119] قال: "أما أهل الرحمة؛ فإنهم لا يختلفون اختلافاً يضرهم"(14).

وقال ابن كثير-رحمه الله-: "أي: ولا يزال الخلف بين الناس في أديانهم، واعتقادات مللهم ونحلهم ومذاهبهم وآرائهم"(15).

وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم أن الخلاف واقع في هذه الأمة لا محالة؛ ولذا قال صلى الله عليه وسلم لحذيفة بن اليمان –رضي الله عنه- يحذره من فرق الضلال: "فاعتزل تلك الفرق كلها، ولو أن تعض بأصل شجرة؛ حتى يدركك الموت وأنت على ذلك"(16).

وقوله صلى الله عليه وسلم: "فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً؛ فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ"(17).

قال ابن رجب –رحمه الله-: "هذا إخبار منه صلى الله عليه وسلم بما وقع في أمته بعده، من كثرة الاختلاف في أصول الدين وفروعه، وفي الأعمال والأقوال والاعتقادات، وهذا موافق لما روي عنه من افتراق أمته على بضع وسبعين فرقة، وأنها كلها في النار إلا فرقة واحدة، وهي ما كان عليه وأصحابه؛ ولذلك في هذا الحديث أمر عند الافتراق والاختلاف بالتمسك بسنته وسنة الخلفاء الراشدين من بعده، والسنة هي الطريق المسلوك؛ فيشمل ذلك التمسك بما كان عليه هو وخلفاؤه الراشدون من الاعتقادات والأعمال والأقوال، وهذه هي السنة الكاملة"(18).

وعلق شيخ الإسلام ابن تيمية –رحمه الله- على حديث: "ستفترق أمتي..."(19) بقوله: "وهذا المعنى محفوظ عن النبي صلى الله عليه وسلم من غير وجه، يشير إلى أن الفرقة والاختلاف لا بد من وقوعها في الأمة"(20).

والاختلاف من هذه الوجهة لا يخرج عن سائر المخالفات والمعاصي، التي تقع من ابن آدم دون أن يمكنه السلامة منها؛ لما خلقه الله فيه من طبع وعادة.

قال ابن تيمية –رحمه الله-: "لا بد أن تقع الذنوب من هذه الأمة، ولا بد أن يختلفوا؛ فإن هذا من لوازم الطبع البشري، لا يمكن أن يكون بنو آدم إلا كذلك"(21).

وقال ابن القيم –رحمه الله- عن الاختلاف: "فإنه أمر لا بد منه في النشأة الإنسانية"(22).

وقال الشاطبي -رحمه الله-:"فتأملوا -رحمكم الله- كيف صار الاتفاق محالاً في العادة"(23). وقال ابن حزم -رحمه الله-: "الله –تعالى– نص على أن الاختلاف شقاق، وأنه بغي، ونهى عنه وعن التنازع والتفرق في الدين، وأوعد على الاختلاف بالعذاب العظيم، وبذهاب الريح، وأخبر أن الاختلاف تفرق عن سبيل الله، ومن عاج عن سبيل الله فقد وقع في سبيل الشيطان، قال تعالى: "قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِن الغَيِّ" [البقرة:256]، وقد نص على أن الاختلاف ليس من عنده، معنى ذلك: أنه تعالى لم يرض به، وإنما أراده تعالى إرادة كون، كما أراد كون الكفر وسائر المعاصي"(24).

فالله –سبحانه وتعالى– قدر علينا الخلاف كما قدر علينا سائر المعاصي، وتقدير المعاصي علينا لا يبرر تعاطينا لها، ولا يسوغها بحال؛ فكذلك الخلاف لا يجوز لنا قصده، بحجة أنه مقدر علينا، وإن كان لا بد أن يقع منا.

كما لا يجوز أن نتخذ من إخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم بوقوع الخلاف ذريعة لقصده أو للرضا به؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم بين ذلك إقامة للحجة علينا، وتحذيراً من الوقوع فيه؛ ليهلك عن بينة من هلك، وينجو من شاء الله له النجاة.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية –رحمه الله- مبيناً علة إخبار النبي صلى الله عليه وسلم بوقوع الافتراق في أمته: "كان يحذر أمته؛ لينجو من شاء الله له السلامة"(25).

فعلينا أن نفرق بين إرادة الله القدرية للخلاف، وبين إرادته الشرعية له؛ فإن إرادة الله للخلاف قدراً لا يستلزم إرادته له شرعاً، ولا ريب أن الله لا يقدر لعباده شيئاً إلا لحكمة علمناها أو جهلناها, ومما يظهر من حكمة تقدير الله للخلاف، أن يحرص العبد المكلف على تحري الصواب، ويبذل الجهد لموافقة الحق، مع مراقبة الله تعالى سبحانه في طلب انجلاء الحق في مواقع النزاع؛ تعظيماً لله ولحرماته"(26).

ثانياً: الخلاف نهى الله عنه شرعاً:

الخلاف في دين الله وشريعته مذموم، ومن له أدنى معرفة بنصوص الكتاب والسنة يجد تواردها على ذم الفرقة والاختلاف، والدعوة إلى الجماعة والائتلاف، وقد تناول السلف والعلماء هذه النصوص بالبيان والتوضيح، داعين الأمة إلى الجماعة ومحذرينها من الفرقة، وآثارهم وأقوالهم في ذلك تُعجز الباحث عن حصرها، مما يؤكد أن نبذ الفرقة والاختلاف فريضة شرعية، بل من أهم فرائض الدين، ودلالات العقل، وتسند ذلك، وتؤكده الضرورة الواقعية لذلك.

فضلاً عن كون قصد الاختلاف مخالفة للشرع، ومعصية للرب سبحانه؛ فإن من حكَّم العقل، ونظر في مواقع الناس، يجد أن الخلاف غالباً ما يؤول إلى الفرقة والتنازع، والتباغض والتدابر، والبغي والاعتداء، وغيرها من شرور الخلاف التي لا تنقضي، ولا تخفى على ذي لب؛ ولذا كثرت الآثار عن السلف الصالح من التخذير منه، وبيان آثاره.

فعن عبد الرحمن بن يزيد –رضي الله عنه- قال: "صلى بنا عثمان بن عفان –رضي الله عنه- بمنى أربع ركعات، فقيل ذلك لعبد الله بن مسعود –رضي الله عنه- فاسترجع، ثم قال: صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنى ركعتين، وصليت مع أبي بكر بمنى ركعتين، وصليت مع عمر بن الخطاب بمنى ركعتين، ثم تفرقت بكم الطرق، فليت حظي من أربع ركعات ركعتان متقبلتان"(27).

لكن عبد الله –رضي الله عنه- صلى في منى خلف عثمان أربعاً، فقيل له: عتبت على عثمان ثم صليت أربعاً؟! قال: الخلاف شر(28).

وأخرج ابن جرير-رحمه الله- بسنده عن قتادة -رحمه الله- قال: "إياكم والفرقة فإنها هلكة"(29). وقال المقبلي –رحمه الله-(30): "وأي فتنة أشد من الخلاف؛ بل هو أصل الفتن، نسأل الله السلامة"(31).

وكما أن الاختلاف يتسبب في جلب كثير من الشرور على الأمة؛ فإنه أيضاً يتسبب في الحرمان من كثير من الخير ويفوته عليها.

فعن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس -رضي الله عنهم- أنه قال:"لما حُضِر النبي صلى الله عليه وسلم قال -وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب- قال صلى الله عليه وسلم:"هلم أكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعده"، قال عمر: إن النبي غلبه الوجع، وعندكم القرآن فحسبنا كتاب الله، واختلف أهل البيت واختصموا؛ فمنهم من يقول: قربوا يكتب لكم رسول الله صلى الله عليه وسلم كتاباً لن تضلوا بعده، ومنهم من يقول ما قال عمر؛ فلما كثر اللغط والاختلاف عند النبي صلى الله عليه وسلم قال: "قوموا عني".

قال عبيد الله -رحمه الله- :"فكان ابن عباس –رضي الله عنه- يقول: إن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب من اختلافهم ولغطهم"(32).

قال ابن حجر –رحمه الله-: "أي أن الاختلاف كان سبباً لترك كتابة الكتاب، وفي الحديث دليل على جواز كتابة العلم، وعلى أن الاختلاف قد يكون سبباً في حرمان الخير، كما وقع في قصة الرجلين اللذين تخاصما في رفع تعيين ليلة القدر بسبب ذلك"(33).

وحق لابن عباس –رضي الله عنه- أن يقول ما قال؛ فإن اختلاف الصحابة ولغطهم كان السبب في المصيبة العظمى، وهي حرمان الأمة من ذلك الكتاب، الذي أراد النبي صلى الله عليه وسلم كتابته، والذي كان سيعصم الأمة من الضلال إلى قيام الساعة، ولو شاء الله ما اختلفوا ولكن الله يفعل ما يريد .

ومن ينظر إلى الواقع ويعتبر بمسيرة التاريخ، يدرك أن الفشل والخذلان الذي لحق بالأمة، كان سببه الفرقة والخلاف.

وصدق الله –سبحانه- حيث يقول:"وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ الله مَعَ الصَّابِرِينَ" [الأنفال:46].

وصدق النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال: "إنما هلك من كان قبلكم باختلافهم في الكتاب"(34).

وما تتَالى التتار والصليبيون في الماضي، واليهود والنصارى في الحاضر على المسلمين، وما تسلطوا على رقابهم وأخذوا ما في أيديهم، إلا بسبب اختلافهم وتفرقهم وتشرذمهم.

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية-رحمه الله-: "وبلاد الشرق من أسباب تسليط الله التتر عليها، كثرة التفرق والفتن بينهم في المذاهب وغيرها"(35).

ويقول أيضاً: "وهذا التفرق الذي حصل من الأمة، علمائها ومشائخها وأمرائها وكبرائها، هو الذي أوجب تسلط الأعداء عليها، وذلك بتركهم العمل بطاعة الله ورسوله،...فمتى ترك الناس بعض ما أمرهم الله به، وقعت بينهم العداوة والبغضاء، وإذا تفرق القوم فسدوا وهلكوا، وإذا اجتمعوا صلحوا وملكوا؛ فإن الجماعة رحمة والفرقة عذاب"(36).

وما ذكره ابن تيمية –رحمه الله- عن عصره من أدواء، هو تشخيص لواقعنا المريض المثقل بها.

ثالثاً: ما وقع بين السلف الصالح من خلاف في الشريعة كان عرضاً لا قصداً:

لا ريب أن الخلاف جرى بين الصحابة -رضوان الله عليهم- في كثير من المسائل الشرعية العلمية والعملية، وكل واحد منهم يسوغ لصاحبه اجتهاده، من غير لوم ولا تعنيف لمن خالفه. قال شيخ الإسلام ابن تيمية-رحمه الله-: "وقد اختلف الصحابة في مسائل وتنازعوا فيها، على إقرار الفريق الآخر على العمل باجتهادهم، كمسائل في العبادات والمناكح والمواريث والعطاء والسياسة، وغير ذلك"(37).

فكان ذلك منهم اتفاقاً على تسويغ تباين الاجتهاد في فروع الشريعة، ووقوع الخلاف فيها.

ولا ريب أن الصحابة لا يلحقهم ذم الاختلاف ووعيد الفرقة؛ لأنهم ما قصدوا الاختلاف ولا سعوا إليه، بل تحروا الحق، وبذلوا جهدهم للوصول إليه؛ فأصابوا وأخطأوا؛ ففاز بعضهم بأجرين، وبعضهم بأجر واحد، وكانوا -رضي الله عنهم- متى ما ظهر لأحدهم خطؤه ومخالفته للحق، رجع عنه ووافق الصواب.

فخلاف الصحابة -رضي الله عنهم- كان عرضاً لا قصداً، وهكذا اختلاف من سلك مسلكهم من أئمة الدين وعلماء المسلمين.

قال ابن حزم-رحمه الله-: "فإن قال قائل: إن الصحابة قد اختلفوا وهم أفاضل الناس! أفيلحقهم هذا الذم؟ قيل -وبالله التوفيق-: كلا، ما يلحق أولئك شيء من هذا؛ لأن كل امرئ منهم تحرى سبيل الله ووجه الحق؛ فالمخطئ منهم مأجور أجراً واحداً لنيته الجميلة في إرادة الخير، وقد رفع عنهم الإثم في خطئهم؛ لأنهم لم يتعمدوه ولا قصدوه ولا استهانوا بطلبهم، والمصيب منهم مأجور أجرين، وهكذا كل مسلم إلى يوم القيامة، فيما خفي عليه من الدين ولم يبلغه، وإنما الذم المذكور والوعيد الموصوف لمن ترك التعلق بحبل الله –تعالى– الذي هو القرآن وكلام النبي صلى الله عليه وسلم بعد بلوغ النص إليه، وقيام الحجة عليه، وتعلق بفلان وفلان، مقلداً عامداً للاختلاف، داعياً إلى عصبية وحمية الجاهلية، قاصداً للفرقة، متحرياً في دعواه برد القرآن وكلام النبي صلى الله عليه وسلم؛ فهؤلاء المختلفون المذمومون.

وطبقة أخرى، وهم: قوم بلغت بهم رقة الدين وقلة التقوى، إلى طلب ما وافق أهواءهم، من قول كل قائل؛ فهم يأخذون ما كان رخصة من قول كل عالم، مقلدين غير طالبين ما أوجبه النص عن الله –تعالى– وعن رسوله صلى الله عليه وسلم(38).

وقال أيضاً: "وإذا صح الاختلاف بين الصحابة –رضي الله عنهم- فلا يجوز أن يحرم على من بعدهم ما حل لهم من النظر، وأن يمنعوا من الاجتهاد الذي أداهم إلى الاختلاف في تلك المسألة، إذا أدى إنساناً بعدهم دليل إلى ما أدى إليه دليل بعض الصحابة"(39).

فما وقع بين الصحابة من الاختلاف في المسائل الشرعية، وما وقع بين غيرهم من المجتهدين، لا بد منه لوجود الظنيات في الشريعة، والتي تكون مجالاً لتباين الأنظار واختلاف المدارك، "فإن الله –تعالى– حكم بحكمته أن تكون فروع هذه الملة قابلة للأنظار، ومجالاً للظنون، وقد ثبت عند النظار أن النظريات لا يمكن الاتفاق عليها عادة، فالظنيات عريقة الاختلاف، لكن في الفروع دون الأصول، وفي الجزئيات دون الكليات؛ فلذلك لا يضر هذا الاختلاف" (40).

وهذه الظنيات وجدت في الشريعة لا ليقصدها الخلاف، وإنما لتكون مجالاً لاستفراغ الوسع وبذل الجهد في طلب مقصد الشارع، واتباع الحق، ابتلاءً للمجتهدين، وإذا وقع الخلاف بينهم؛ فإنما هو لتفاوت أفهامهم، وقوى إدراكهم وسعة علومهم في طلب الحق، لا لأنهم قصدوه أو أرادوه. قال ابن القيم-رحمه الله-: "ووقوع الاختلاف بين الناس أمر ضروري لا بد منه؛ لتفاوت إرادتهم وأفهامهم وقوى إدراكهم، ولكن المذموم بغي بعضهم على بعض وعداوتهم، وإلا فإذا كان الاختلاف على وجه لا يؤدي إلى التباين والتحزب، فكل من المختلفين قصده طاعة الله ورسوله، لم يضر ذلك الاختلاف؛ فإنه أمر لا بد منه في النشأة الإنسانية، ولكن إذا كان الأصل واحداً، والغاية المطلوبة واحدة، والطريق المسلوكة واحدة، لم يكد يقع اختلاف، وإن وقع كان اختلافاً لا يضر، كما تقدم من اختلاف الصحابة؛ فإن الأصل الذي بنوا عليه واحد، وهو كتاب الله وسنة رسوله، والقصد واحد وهو طاعة الله ورسوله، والطريق واحد وهو النظر في أدلة القرآن والسنة، وتقديمها على كل قول ورأي وقياس وذوق وسياسة"(41).

والله -سبحانه وتعالى- لعلمه أن الاختلاف واقع بين الناس، أشرع لهم أصل يرجع فيه إليه، وهو قوله –تعالى-: "فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى الله وَالرَّسُولِ" [النساء:59](42) ومتى ما رجع العلماء إلى هذا الأصل عند اختلافهم، كان ما صدر عنهم من اجتهاد توسعة على الأمة، وما آل إليه اختلافهم من توسعة يكون رحمة بالأمة، وإن كان نفس الخلاف شر وعذاب لا خير فيه ولا رحمة.

وما يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "اختلاف أمتي رحمة" فهذا لا يثبت عنه صلى الله عليه وسلم، بل هو حديث موضوع مكذوب.

قال الألباني-رحمه الله-: "لا أصل له، ولقد اجتهد المحدثون في أن يقفوا له على سند فلم يوفقوا؛ حتى قال السيوطي في الجامع الصغير: ولعله خرج في بعض كتب الحفاظ التي لم تصل إلينا، وهذا بعيد عندي؛ إذ يلزم منه أنه ضاع على الأمة بعض أحاديثه صلى الله عليه وسلم، وهذا ما لا يليق بمسلم اعتقاده، ونقل المناوي عن السبكي أنه قال: وليس بمعروف عند المحدثين، ولم أقف له على سند صحيح ولا ضعيف ولا موضوع"(43).

وكيف لمثل هذا الكلام أن يكون حديثاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم ومعناه ظاهر الفساد؟ ومناقض لقوله صلى الله عليه وسلم: "الجماعة رحمة والفرقة عذاب"(44)!

بل هو مناقض لقول رب العزة -سبحانه وتعالى-:"وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ" [البقرة:176].

قال ابن حزم-رحمه الله-: "وهذا من أفسد قول يكون؛ لأنه لو كان الاختلاف رحمة لكان الاتفاق سخطاً، وهذا ما لا يقوله مسلم؛ لأنه ليس إلا اتفاق أو اختلاف، وليس إلا رحمة أو سخط، وأما الحديث المذكور فباطل مكذوب، من توليد أهل الفسق"(45).

وقال المزني –رحمه الله-: "ولو كان الاختلاف رحمة، لكان الاجتماع عذاباً؛ لأن العذاب خلاف الرحمة"(46).

ويقول المقبلي –رحمه الله-: "والعجب ممن يقول "الاختلاف رحمة"، مع بيان الكتاب والسنة في غير موضع أنه عذاب وبلاء على هذه الأمة"(47).

ويقول عبد الكريم زيدان: "الائتلاف والاتفاق خير من الاختلاف قطعاً، حتى في المسائل الاجتهادية السائغ الاختلاف فيها، فلا يجوز الحرص على الاختلاف، والرغبة فيه، وإن كان سائغاً؛ لأن معنى ذلك جواز تعمده ووقوعه، ومعنى ذلك جواز مخالفة مقتضى الدليل الشرعي؛ حتى يحصل الخلاف، وهذا باطل قطعاً، وأيضاً فإن من شروط الاختلاف السائغ، تجريد القصد للوصول إلى الحق والصواب، وهذا لا يتفق مع الرغبة في وقوعه"(48).

وأما ما جاء عن بعض السلف من أن الخلاف فيه سعة على الأمة، كقول عمر بن عبد العزيز -رحمه الله-: "ما يسرني أن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم لم يختلفوا؛ لأنهم لو لم يختلفوا لم تكن رخصة"(49).

وقول القاسم بن محمد-رحمه الله-: "لقد نفع الله باختلاف أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في أعمالهم، لا يعمل العامل بعمل رجل إلا رأى أنه في سعة، ورأى أن خيراً منه قد عمل عمله"(50).

فلا تنطلق السعة والرحمة إلى ذات الاختلاف، وإنما إلى غاية ومرامي الاختلاف، وهو أن جواز الاجتهاد في الفروع للوصول إلى مراد الشارع كان سعة ورحمة؛ إذ لما جاز لهم الاجتهاد في ظنيات دلالة النصوص، أو عند عدم النص فيما يعرض لهم من حوادث، وجاز لهم العمل بما أوصلهم إليه اجتهادهم؛ جاز ذلك لمن بعدهم؛ فكان في ذلك توسعة على الأمة ورحمة بها، وإلا لضاق على العلماء ومن يسألهم كثير من الأحكام.

أما ذات الخلاف الذي وقع بينهم، فليس فيه توسعة، وإنما هو خطأ وصواب، وإن كانوا يُعذرون فيه ولا يؤثمون بسببه؛ لأنهم لم يقصدوه ولا تعمدوه؛ لذا قال ابن القاسم-رحمه الله-: "سمعت مالكاً والليث يقولان في اختلاف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس كما قال ناس: فيه توسعة، ليس كذلك، إنما هو حق وصواب"(51).

فالتوسعة كانت من فتحهم باب الاجتهاد، أو في العمل بما أدى إليه اجتهادهم، لا في ذات الخلاف بينهم.

قال الشاطبي-رحمه الله-: "ومعنى هذا أنهم فتحوا للناس باب الاجتهاد، وجواز الاختلاف فيه؛ لأنهم لو لم يفتحوه، لكان المجتهدون في ضيق؛ فوسع الله على الأمة بوجود الخلاف الفروعي فيهم، فكان فتح باب للأمة؛ للدخول في هذه الرحمة"(52).

وقال أيضاً: "فيحمل أن يكون من جهة فتح باب الاجتهاد، وأن مسائل الاجتهاد قد جعل الله منها سعة بتوسعة مجال الاجتهاد لا غير ذلك.

قال القاضي إسماعيل: إنما التوسعة في اختلاف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم توسعة في اجتهاد الرأي، فأما أن يكون توسعة أن يقول الإنسان بقول واحد منهم من غير أن يكون الحق عنده فيه فلا، ولكن اختلافهم يدل على أنهم اجتهدوا فاختلفوا، قال ابن عبد البر: كلام إسماعيل هذا حسن جداً"(53).

إذن فالسعة والرحمة تكمن في فتح باب الاجتهاد، وعمل المجتهد بما أدى إليه اجتهاده، وتقليد الناس له في ذلك؛ ظناً منهم أنهم أخذوا بالراجح، وإن كان في ذاته مرجوحاً، فيكون في خفاء الحكم الشرعي عنهم رحمة بهم، وتوسعة عليهم؛ لما في ظهوره من الشدة والتضييق عليهم.

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية –رحمه الله-: "والنزاع في الأحكام قد يكون رحمة إذا لم يفض إلى شر عظيم، من خفاء الحكم، ولهذا صنف رجل كتاباً سماه (كتاب الاختلاف)؛ فقال أحمد: (سمه كتاب السعة) وإن الحق في نفس الأمر واحد، وقد يكون من رحمة الله ببعض الناس خفاؤه؛ لما في ظهوره من الشدة عليه، ويكون من باب قوله تعالى: "لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ" [المائدة:101].

وهكذا ما يوجد في الأسواق من الطعام والثياب، قد يكون في نفس الأمر مغصوباً. فإذا لم يعلم الإنسان بذلك كان كله له حلالاً، لا إثم عليه فيه بحال، بخلاف ما إذا علم, فخفاء العلم بما يوجب الشدة قد يكون رحمة، كما أن خفاء العلم بما يوجب الرخصة قد يكون عقوبة، كما أن رفع الشك قد يكون رحمة وقد يكون عقوبة والرخصة رحمة"(54).

والخلاف وإن كان في ذاته شر، إلا أنه متى ما كان المختلفون يرجعون فيه إلى الكتاب والسنة ويقصدون الحق، ويجتهدون في تحصيله؛ فإنهم يدخلون في من قال الله فيهم: "فَهَدَى الله الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ" [البقرة:213]. وهؤلاء هم الذين يكون في اختلافهم رحمة باعتبار مآله لا ذاته.

قال ابن القيم-رحمه الله-: "فمن هداه الله سبحانه إلى الأخذ بالحق حيث كان، ومع من كان، ولو كان مع من يبغضه ويعاديه، ورد الباطل مع من كان، ولو كان مع من يحبه ويواليه؛ فهو ممن هدي لما اختلف فيه من الحق؛ فهذا أعلم الناس وأهداهم سبيلاً وأقومهم قيلاً.

وأهل هذا المسلك إذا اختلفوا فاختلافهم اختلاف رحمة وهدى، يقر بعضهم بعضاً عليه، ويواليه ويناصره، وهو داخل في باب التعاون والتناظر الذي لا يستغني عنه الناس في أمور دينهم ودنياهم، بالتناظر والتشاور، وإعمالهم الرأي، وإجالتهم الفكر في الأسباب الموصلة إلى درك الصواب؛ فيأتي كل بما قدحه زناد فكره، وأدركته قوة بصيرته، فإذا قوبل بين الآراء المختلفة والأقاويل المتباينة، وعرضت على الحاكم الذي لا يجور، وهو كتاب الله وسنة رسوله، وتجرد الناظر عن التعصب والحمية، واستفرغ وسعه، وقصد طاعة الله ورسوله، فقل أن يخفى عليه الصواب من تلك الأقوال، وما هو أقرب إليه، والخطأ وما هو أقرب إليه؛ فإن الأقوال المختلفة لا تخرج عن الصواب وما هو أقرب إليه، والخطأ وما هو أقرب إليه، ومراتب القرب والبعد متفاوتة. وهذا النوع من الاختلاف لا يوجب معاداة ولا افتراقاً في الكلمة، ولا تبديداً للشمل؛ فإن الصحابة –رضي الله عنهم- اختلفوا في مسائل كثيرة... فلم ينصب بعضهم لبعض عداوة، ولا قطع بينه وبينه عصمة، بل كان كل منهم يجتهد في نصر قوله بأقوى ما يقدر عليه، ثم يرجعون بعد المناظرة إلى الألفة والمحبة، والمصافاة والموالاة، من غير أن يضمر بعضهم لبعض ضغناً، ولا ينطوي له على معتبة ولا ذم، بل يدل المستفتي عليه مع مخالفته له، ويشهد له بأنه خير منه وأعلم منه.

فهذا الاختلاف أصحابه بين الأجرين والأجر، وكل منهم مطيع لله بحسب نيته واجتهاده وتحريه الحق"(55).

وخلاصة القول: إن الخلاف ذاته لا يمكن أن يكون رحمة؛ إذ لو كان رحمة لكان مطلوباً شرعاً، ويلزم من ذلك قصده وتعمده، ومعنى ذلك جواز مخالفة مقتضى الدليل الشرعي؛ حتى يحصل الخلاف، وهذا باطل قطعاً، فالائتلاف والوفاق من المعروف الذي يجب الأمر به، والخلاف والفرقة من المنكر الذي يجب النهي عنه.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية-رحمه الله-: "من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الأمر بالائتلاف والاجتماع، والنهي عن الاختلاف والفرقة"(56).

وهذا الذم للخلاف يشمل الخلاف في أصول الدين وفروعه، أما الخلاف في أصول الدين الثابتة بالكتاب والسنة والإجماع؛ فقد اتفقت كلمة علماء المسلمين على أن قصد الخلاف فيها محرم مذموم، وأنه من التفرق الذي نهى الله –عز وجل– ورسوله صلى الله عليه وسلم عنه، وليس لأحد الخروج عنها أو المخالفة فيها(57).

يقول الشوكاني –رحمه الله-: "أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ" [الشورى:13]،

أي: لا تختلفوا في التوحيد والإيمان بالله، وطاعة رسله وقبول شرائعه؛ فإن هذه الأمور قد تطابقت عليها الشرائع، وتوافقت فيها الأديان؛ فلا ينبغي الخلاف في مثلها"(58).

فكل خلاف يقصد في الأصول مذموم، ويتعلق به الوعيد، ويشذ بصاحبه عن الجماعة، ويؤدي به إلى الهلكة؛ لأن وجه الحق مقطوع بصوابه، والآخر مقطوع بخطئه، وقد يكون هذا الخطأ كفراً أو بدعة أو فسقاً.

وهذا النوع من الخلاف في الحقيقة ليس بخلاف، ولا يعتد به مهما كان صاحبه الذي صدر منه.

وذكر العلماء لهذا النوع من الخلاف، إنما هو للتنبيه عليه، وعلى ما فيه، لا لاعتباره، قال الشاطبي –رحمه الله-: "فأما المخالف للقطعي فلا إشكال في اطراحه، ولكن العلماء ربما ذكروه للتنبيه عليه، وعلى ما فيه لا للاعتداد به"(59).

أما الخلاف في فروع الدين، فإنه عند بعض العلماء غير مذموم؛ لقصرهم ذم التفرق والاختلاف الذي وردت به النصوص الشرعية على الخلاف في الأصول، والتفرق فيها.

وأما الخلاف في فروع الشريعة وجزئياتها، فإن الذم عندهم لا يشمله ولا يتناوله، إلا إذا اقترن به بغي أو تفرق، أو صدر من غير أهل العلم.

قال ابن العربي –رحمه الله-: "التفرق المنهي عنه يحتمل ثلاثة أوجه:

الأول: التفرق في العقائد لقوله –تعالى-:"شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ" [الشورى:13](60). الثاني: قوله صلى الله عليه وسلم: "لا تحاسدوا، ولا تدابروا، ولا تقاطعوا، وكونوا عباد الله إخواناً"(61).

الثالث: ترك التخطئة في الفروع والتبري فيها، وليمض كل أحد على اجتهاده؛ فإن الكل بحبل الله معتصم، وبدليله عامل؛ وقد قال صلى الله عليه وسلم: "لا يصلين أحد منكم العصر إلا في بني قريظة"؛ فمنهم من حضرت العصر فأخرها حتى بلغ بني قريظة؛ أخْذاً بظاهر قول النبي صلى الله عليه وسلم، ومنهم من قال: لم يرد هذا منا، يعني: وإنما أراد الاستعجال، فلم يعنّف –عليه السلام- واحداً منهم(62).

والحكمة في ذلك: أن الاختلاف والتفرق المنهي عنه، إنما هو المؤدي إلى الفتنة

والتعصب، وتشتيت الجماعة، فأما الاختلاف في الفروع؛ فهو من محاسن الشريعة، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر واحد"(63)، وروي أن"له إن أصاب عشرة أجور"(64) (65).

وقال الآمدي –رحمه الله-: "فيجب حمل ما ورد من ذم الاختلاف والنهي عنه على الاختلاف في التوحيد والإيمان بالله ورسوله، والقيام بنصرته، وفيما المطلوب فيه القطع دون الظن، والاختلاف بعد الوفاق، واختلاف العامة، ومن ليس له أهلية النظر والاجتهاد، وبالجملة: كل ما لا يجوز فيه الاختلاف جمعاً بين الأدلة بأقصى الإمكان"(66).

وقال الجصاص-رحمه الله- في قوله تعالى "وَلا تَفَرَّقُوا" [آل عمران: 103]: "وفي ذلك دليل على أن التفرق المذموم المنهي عنه في الآية، هو في أصول الدين والإسلام، لا في فروعه"(67).

وقال ابن عابدين-رحمه الله-: "الاختلاف بين المجتهدين في الفروع –لا مطلق الاختلاف– من آثار الرحمة؛ فإن اختلافهم توسعة للناس، فمهما كان الاختلاف أكثر كانت الرحمة أوفر"(68). وقد خالفهم كثير من العلماء في ذلك، وذهبوا إلى أن أي اختلاف مذموم، سواءً كان في الأصول أو الفروع، وأن الذم الذي جاءت به النصوص الشرعية، يشمل الخلاف في النوعين على حد سواء.

قال ابن حزم-رحمه الله-:"قال قوم: هذا مما يسع فيه الاختلاف... وهذا باطل، والاختلاف لا يسع البتة، ولا يجوز، وإنما الفرض علينا اتباع ما جاء به القرآن عن الله –تعالى– الذي شرع لنا دين الإسلام، وما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي أمره الله تعالى ببيان الدين"(69).

وقال الشاطبي-رحمه الله-: "الاختلاف منفي عن الشريعة بإطلاق؛ لأنها الحاكمة بين المختلفين؛ لقوله –تعالى-: "فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى الله وَالرَّسُولِ" [النساء:59]؛ إذ رد التنازع إلى الشريعة، فلو كانت الشريعة تقتضي الخلاف لم يكن في الرد إليها فائدة"(70).

وقال الشوكاني-رحمه الله-: "قيل: وهذا النهي عن التفرق والاختلاف يختص بالمسائل الأصولية، وأما المسائل الفرعية الاجتهادية، فالاختلاف فيها جائز، وما زال الصحابة فمن بعدهم من التابعين وتابعيهم مختلفين في أحكام الحوادث، وفيه نظر؛ فإنه ما زال في تلك العصور المنكر للاختلاف موجوداً، وتخصيص بعض مسائل الدين بجواز الاختلاف فيها دون البعض الآخر، ليس بصواب، فالمسائل الشرعية متساوية الأقدام في انتسابها إلى الشرع"(71).

ويقول المقبلي-رحمه الله-: "فعليك أيها الناظر! ألا تصغي إلى قولهم: (العبرة بالعقائد، أما الفروع فأمرها سهل)، ولكن تعلم أن الخلاف كله شر، وتزن نفسك بميزان الصحابة رضوان الله عليهم، والذي يعلم السهل من الحزن، هو الذي شرع الشرائع، ووصى بترك الخلاف في الدين، ومسمى الدين لا يخص عقائدهم هذه، وتسميتهم الأصول والفروع مجرد اصطلاح، يتوصل به إلى كيفية الاستدلال، لا إلى الإغراء على الخلاف، وتهوين أمره"(72).

وهذا الخلاف بين العلماء في ذم الخلاف في الفروع مبني على مذهبي المصوبة والمخطئة في مسائل الاختلاف، ولكي نصل إلى الصواب في حكم الخلاف في الفروع لا بد من تحرير هذه المسألة وتحقيق الصواب فيها وهي:

هل كل مجتهد مصيب؟

أي إذا ساغ الاجتهاد في مسألة ما؛ فهل أن المصيب للحق فيها واحد وما عداه مخطئ؟ أم أن كل المختلفين فيها على الصواب والحق فيها متعدد؟

ولبيان وجه الحق في ذلك، لا بد من تحقيق معنى الإصابة في كلامهم.

فإن كان المراد بالإصابة: إصابة الأجر والثواب، أو أن الحق الواجب على المجتهد فعله هو ما وصل إليه، فهذا كله حق، وبهذا المعنى يكون كل مجتهد مصيباً، ويكون الخلاف على هذا المراد خلافاً لفظياً.

أما إن قصدوا بالإصابة: أن حكم الله في المسألة متعدد، وهو ما أدى إليه اجتهاد كل مجتهد، أي: أن الحق في الأقوال المتنافية غير واحد بل متعدد؛ فهذا فيه نزاع حقيقي، وللناس فيها ثلاثة مذاهب(73):

فذهبت بعض الطوائف أن المصيب واحد في كل مسألة أصلية أو فرعية، وكل ما سوى المصيب آثم؛ لأنه مخطئ، والخطأ والإثم عندهم متلازمان، وهذا قول بشر المريسي، وكثير من معتزلة البغداديين.

وذهب بعضهم إلى أن المصيب واحد في المسائل الأصولية، وكذلك الفرعية التي عليها دليل قطعي، أما العملية التي ليس عليها دليل قاطع، فليس لله فيها حكم في الباطن، وحكم الله في حق كل مجتهد ما أدى إليه اجتهاده.

وهم كالأولين عندهم الإثم والخطأ متلازمان، وأن كل مخطئ آثم، لكن خالفوهم في المسائل الاجتهادية؛ فقالوا: ليس فيها قاطع، وهذا القول قول أبي الهذيل العلاف، ومن اتبعه كالجبائي وابنه، وهو المشهور عن القدرية والمعتزلة، وهو أشهر قولي الأشعري، وهو اختيار القاضي الباقلاني، وأبي حامد الغزالي، وأبي بكر بن العربي، وكثير من الفقهاء أتباع المذاهب الأربعة، وغيرهم .

فكل مجتهد عند هؤلاء في المسائل العملية الاجتهادية مصيب ظاهراً وباطناً، والمخطئ في المسائل القطعية علمية أو عملية مذموم آثم.

وذهب آخرون إلى أن المصيب واحد، وأن الحق لا يتعدد، وأنه لا إثم على المخطئ من المجتهدين من هذه الأمة، لا في الأصول ولا في الفروع.

وهذا هو قول الجمهور، وهو القول المعروف عن الصحابة والتابعين، وأئمة الدين، كالثوري وداود بن علي، والأئمة الأربعة، وجمهور أتباعهم(74).

فعندهم حكم الله في المسألة الواحدة واحد لا يتعدد ولا يختلف، قد يصيبه المجتهد وقد يخطئه، وإن كان المخطئ معذوراً في خطئه، مأجوراً على اجتهاده، سواء كان ذلك في مسألة علمية أو عملية، أصولية أو فرعية، وهذا المذهب هو ما يعرف عند الأصوليين بمذهب المخطئة، وهو الحق الذي تشهد له الأدلة الشرعية الكثيرة والجلية منها:

- قول الله -عز وجل-:"وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ الله لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً" [النساء:82].

فدلت الآية على أن الشرع المنـزل من عند الله منـزه عن الاختلاف، وفروع الشريعة مما جاء من عند الله؛ فلا يكون فيها اختلاف.

قال الشاطبي-رحمه الله- معلقاً على الآية:"فنفى أن يقع فيه الاختلاف البتة، ولو كان فيه ما يقتضي قولين مختلفين، لم يصدق عليه هذا الكلام"(75).

- وقول الله -عز وجل-:"فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى الله وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً" [النساء:59].

ووجه الدلالة في الآية: أن الله –سبحانه- جعل شريعته هي الحاكمة بين المختلفين في الفروع وفي غيرها؛ فإذا نفس الشريعة تقتضي الخلاف؛ فإن رد المتنازعين إليها يكون عبثاً؛ لأن ما يقتضي الخلاف لا يرفع الخلاف وهذا باطل قطعاً (76).

قال المزني-رحمه الله- في كتاب ذم التقليد: "وقد ذم الله الاختلاف في غير ما آية، ولو كان من دينه ما ذمه، ولو كان التنازع من حكمه ما رده إلى كتابه وسنة نبيه، ولا أمر بإمضاء الاختلاف على ما هما به، وما حذر رسول الله صلى الله عليه وسلم أمته من الفرقة، وأمرها بلزوم الجماعة"(77).

- ومن الأدلة على ذلك أيضاً قوله تعالى:"وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ، فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلاًّ آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً"[الأنبياء:78-79].

حيث خص الله سليمان –عليه الصلاة والسلام- بإصابة الحكم في هذه المسألة دون داود؛ فدل على أن الحق واحد فقط، ولو كان كل منهما مصيباً، لما كان لتخصيص سليمان بفهم الحكم أي مناسبة.

- ومن أدلة السنة على ذلك: أنه كان من وصيته صلى الله عليه وسلم لأمراء جيشه: "وإذا حاصرت أهل حصن فسألوك أن تنزلهم على حكم الله فلا تنزلهم على حكم الله، فإنك لا تدري ما حكم الله فيهم، ولكن أنزلهم على حكمك وحكم أصحابك"(78).

فهذا الحديث يدل على أن لله في كل مسألة حكماً، قد يصيبه المجتهد وقد يخطئه.

قال ابن الأمير الصنعاني-رحمه الله- في شرحه للحديث:"وهو دليل على أن الحق في مسائل الاجتهاد مع واحد، وليس كل مجتهد مصيباً للحق"(79).

- ومثله قوله صلى الله عليه وسلم: "إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر واحد"(80).

حيث بين النبي صلى الله عليه وسلم أن المجتهد في الحق قد يصيب الحق وقد يخطئه؛ فدل على أن حكم الله في المسألة المختلف فيها اختلاف تضاد حكم واحد، من أصابه أعطي أجرين، ومن أخطأه أعطي أجراً واحداً؛ لبذله الجهد في الوصول إلى الصواب، وإن كان لم يدركه.

- ومما يدل أيضاً على ذلك: ما رواه أبو سعيد الخدري رضي الله عنه: أن أناساً –يعني: يهود قريظة- نزلوا على حكم سعد بن معاذ، فأرسل إليه، فجاء على حمار، فلما بلغ قريباً من المسجد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "قوموا إلى خيركم أو سيدكم"، فقال: "يا سعد! إن هؤلاء نزلوا على حكمك" قال: فإني أحكم فيهم أن تقتل مقاتلتهم، وتسبى ذراريهم، قال صلى الله عليه وسلم: "حكمت بحكم الله أو بحكم الملك"(81).

وفي رواية للترمذي: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أصبت حكم الله فيهم"(82).

فقول النبي صلى الله عليه وسلم لسعد رضي الله عنه: &artshow-86-174329.htm#671;أصبت حكم الله أو حكمت بحكم الملك»؛ يدل على أن لله في المسألة الواحدة حكماً، قد يصيبه المجتهد وقد يخطئه.

وعلى هذا المعنى تدل آثار الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، حين كانوا يجتهدون في المسائل التي يسألون عنها من ذلك:

- أن أبا بكر -رضي الله عنه- سئل عن الكلالة فقال: "إني سأقول فيها برأيي؛ فإن كان صواباً فمن الله، وإن كان خطأ فمني ومن الشيطان،: أراه ما خلا الوالد والولد"(83)، فلما استخلف عمر قال: "إني لأستحيي من الله أن أرد شيئاً قاله أبو بكر"(84).

- وابن مسعود –رضي الله عنه- أتي في رجل تزوج امرأة، فمات قبل أن يدخل بها، ولم يسم لها صداقاً؛ فاختلفوا إليه في ذلك شهراً أو قريباً من شهر، فقالوا: لا بد أن تقول فيها، قال: أقضي أن لها صداق امرأة من نسائها لا وكس ولا شطط، ولها الميراث وعليها العدة؛ فإن يكن صواباً فمن الله، وإن يكن خطأ فمن نفسي ومن الشيطان، والله ورسوله بريئان من ذلك"(85).

فالصحابة-رضوان الله عليهم- كانوا يعلمون أن اجتهادهم قد يصيب حكم الله وقد يخطئه؛ ولذا كانوا ينسبون الخطأ إلى أنفسهم والشيطان، ويبرئون حكم الله من ذلك، كما أن رجوع بعضهم إلى قول بعض في المسألة، دليل كذلك على ما قرر.

قال ابن عبد البر-رحمه الله-: "وفي رجوع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بعضهم إلى بعض، دليل واضح على أن اختلافهم عندهم خطأ وصواب"(86).

- ومن الأدلة على أن الحق واحد غير متعدد في اختلاف التضاد:

أن الشريعة لو أثبتت الخلاف في فروعها، وأن كل قول لكل مجتهد في نفس المسألة صواب؛ لرفض باب الترجيح بين الأدلة المتعارضة؛ إذ لا فائدة من الترجيح، ولا حاجة إليه ما دام وقوع التعارض في الشريعة صحيح، وحيث أن هذا فاسد فما أدى إليه فاسد أيضاً(87).

- وكذلك لو كان الحق عند الله متعدداً لأدى ذلك إلى تكليف المخاطب بما لا يقدر عليه؛ وبيان ذلك: أن الدليلين اللذين يظهر فيهما التعارض، لو فرضنا أن دلالتيهما المتعارضتين مقصودتان معاً للشارع الحكيم؛ فإن المكلف بها لا يخلو من حالات ثلاث:

الأولى: أن لا يطالب بمقتضاهما معاً، وهذا باطل؛ لأنه خلاف الفرض المطلوب منه شرعاً.

الثانية: أن يطالب بإحداهما دون الأخرى، وهذا غير صحيح؛ لأن الفرض العمل بهما لا أحدهما فقط، فلا يبقى للمكلف إلا حالة واحدة وهي:

الثالثة: أنه مطالب بمقتضاهما، وذلك يقتضي التكليف بفعل الشيء والنهي عنه -أي: افعل ولا تفعل- لمكلف واحد وذلك غير مقدور عليه(88).

وعليه فإن القولين المتنافيين لا يمكن أن يطلق الصواب عليهما جميعاً، فلا بد أن يكون أحدهما خطأً والآخر صواباً، سواءً كان ذلك في أصول الدين أو في فروعه.

يقول ابن قدامة-رحمه الله: "الحق في قول واحد من المجتهدين، ومن عداه مخطئ، سواءً كان في فروع الدين أو أصوله"(89).

وبين –رحمه الله- فساد قول: "كل مجتهد مصيب" بقوله: "هذا المذهب أوله سفسطة وآخره زندقة؛ لأنه في الابتداء يجعل الشيء ونقيضه حقاً، وبالآخرة يخير المجتهدين بين النقيضين عند تعارض الدليلين، ويختار من المذاهب أطيبها"(90).

وها هو الإمام الشافعي-رحمه الله- يقرر هذا المذهب، -أي: أنه لا يجوز أن يكون الحق عند الله فيما اجتهد فيه المجتهدون كلهم إلا واحداً- بقوله: "فإن قال قائل: ما اجتهد فيه المجتهدون كيف الحق فيه عند الله؟ قيل: لا يجوز فيه عندنا -والله تعالى أعلم- أن يكون الحق فيه عند الله كلّه إلا واحداً؛ لأن علم الله –عز وجل– وأحكامه واحد لاستواء السرائر والعلانية عنده، وأن علمه بكل واحد جل ثناؤه سواء، فإن قيل: من له أن يجتهد فيقيس على كتاب أو سنة، هل يختلفون ويسعهم الاختلاف؟ أو يقال لهم: إن اختلفوا مصيبون كلهم أو مخطئون، أو بعضهم مخطئٌ وبعضهم مصيب؟ قيل: لا يجوز على واحد منهم إن اختلفوا إن كان ممن له الاجتهاد، وذهب مذهباً محتملاً أن يقال له: أخطأ مطلقاً، ولكن يقال لكل واحدٍ منهم: قد أطاع فيما ُلف وأصاب فيه، ولم يكلف علم الغيب الذي لم يطلع عليه أحد، فإن قال قائل: فمثل لي من هذا شيئاً.

قيل: لا مثال أدل عليه من الغيب عن المسجد الحرام واستقباله، فإذا اجتهد رجلان بالطريقين عالمان بالنجوم والرياح والشمس والقمر؛ فرأى أحدهما القبلة متيامناً منه، ورأى أحدهما القبلة منحرفة عن حيث رأى صاحبه، كان على كل واحد منهما صواب عين البيت؛ لأنه لا يراه، وقد أدى ما كلف من التوجّه إليه بالدلائل عليه، فإن قيل: فيلزم أحدهم اسم الخطأ؟ قيل: أما فيما كلف فلا، وأما خطأ عين البيت فنعم؛ لأن البيت لا يكون في جهتين.

فإن قيل: فيكون مطيعاً بالخطأ؟ قيل: هذا مثل المجتهد يكون مطيعاً بالصواب لما كلّف من الاجتهاد، وغير آثم بالخطأ إذ لم يكلف صواب المغيب العين عنه، فإذا لم يكلف صوابه لم يكن عليه خطأٌ، ما لم يجعل عليه صواب عيْنِه، فإن قيل: أفتجد سنة تدل على ما وصفت؟ قيل: نعم! عن عمرو بن العاص أنّه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران وإذا حكم فاجتهد فأخطأ فله أجر".

فإن قال قائلٌ: فما معنى هذا؟ قيل: ما وصفت من أنه إذا اجتهد فجمع الصواب بالاجتهاد، وصواب العين التي اجتهد كان له حسنتان، وإذا أصاب الاجتهاد وأخطأ العين التي أمر يجتهد في طلبها، كانت له حسنة"(91).

فالشافعي –رحمه الله- فرق بين إصابة الاجتهاد التي يؤجر عليها المجتهدون، وبين إصابة الحق الذي يؤجر عليه من أصابه دون غيره، وعليه فإن: "الشريعة كلها ترجع إلى قول واحد في فروعها، وإن كثر الاختلاف، كما أنها في أصولها كذلك، ولا يصح فيه غير ذلك"(92).

مع التنبيه هنا إلى تباين العلماء والطوائف الإسلامية في تحديد الأصول من الفروع.

فالمسلمون مجمعون على أن شرائع وفرائض الدين، تتفاوت تفاوتاً يجعل بعضها أجل وأعظم وأوجب من بعض، ابتداء من قول: (لا إله إلا الله)، إلى (إماطة الأذى عن الطريق).

ومهما تباينت آراء الطوائف الإسلامية في تحديد الأصول من الفروع، إلا أن ثمة قدر مجمع عليه بين الجميع يسمى (أصول الدين)، وما سوى ذلك فهم مختلفون في الاعتبار الذي تنقسم لأجله مسائل الدين إلى أصول وفروع.

فما هي الأصول من الفروع؟

بعض الطوائف حددت أصول الدين باعتبارات فاسدة، ونزلتها على معانٍ لا تستند إلى الشرع، إن لم تكن معارضة له، ولما أنكر عليهم من أنكر من علماء المسلمين كشيخ الإسلام ابن تيمية وغيره، هذا التقسيم بالاعتبار الفاسد الذي فرقوا به، ظن بعض الناس أن هؤلاء العلماء ينكرون تقسيم الدين إلى أصول وفروع، ومن فهم ذلك من كلامهم فقد غلط عليهم، فهم ما أنكروا إلا الاعتبارات التي بُني عليها ذلك التقسيم، لا سيما وأن أول من اشتغل بهذا التقسيم هم أهل الكلام.

أما تقسيم الدين إلى أصول وفروع باعتبار معنى صحيح فلا يمانع هؤلاء العلماء ولا غيرهم من إطلاقه؛ لأن ذلك تقسيم اصطلاحي، والعبرة بالمسميات لا بالأسماء.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية-رحمه الله-: "إن طائفة من أهل الكلام يسمي ما وضعه "أصول الدين" وهذا اسم عظيم، والمسمى به فيه من فساد الدين ما الله به عليم؛ فإذا أنكر أهل الحق والسنة ذلك، قال المبطل: قد أنكروا أصول الدين وهم لم ينكروا ما يستحق أن يسمى أصول الدين، وإنما أنكروا ما سماه هذا أصول الدين، وهي أسماء سموها هم وآباؤهم بأسماء ما أنزل الله بها من سلطان؛ فالدين ما شرعه الله ورسوله، وقد بين أصوله وفروعه، ومن المحال أن يكون الرسول قد بين فروع الدين دون أصوله"(93).

وعند النظر في اختلاف العلماء في ما يفرق به بين الأصول والفروع، نجد أن أقرب الفوارق إلى الصواب، يمكن به تحديد الفارق الذي به تحدد الأصول من الفروع، يكون باعتبار دليلها من جهة قطعيته وظنيته.

فتكون الأصول ذات الأدلة القطعية، وتكون الفروع ذات الأدلة الظنية، سواء كانت مسائل علمية أو عملية.

يقول الشاطبي-رحمه الله-: "إن الأصول والقواعد إنما تثبت بالقطعيات ضرورية كانت أو نظرية، عقلية أو سمعية، وأما الفروع فيكفي فيها مجرد الظن"(94).

وقال الشيرازي-رحمه الله-: "إن الفروع ليس عليها أدلة قاطعة ... بخلاف الأصول فإن عليها أدلة قاطعة"(95).

مع التنبيه إلى أن هذا التفريق غير جامع ولا مانع؛ لأن كون المسألة قطعية أو ظنية هو أمر إضافي، بالنسبة إلى علم المجتهد في المسألة، وعليه فقد يخطئ العالم في مسألة قطعية، فيُخَطَّأ فيها، ولا يؤثّم ما دام أن كلامه فيها بناه على أصول الاجتهاد.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية-رحمه الله-: "وقول الله –تعالى- في القرآن:"رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا" [البقرة:286] قال الله: قد فعلت، ولم يفرق بين الخطأ القطعي والظني، بل لا يجزم بأنه خطأ إلا إذا كان أخطأ قطعاً.

قالوا –أي: أهل الحق-: فمن قال: إن المخطئ في مسألة قطعية أو ظنية يأثم؛ فقد خالف الكتاب والسنة والإجماع القديم، قالوا: وأيضاً فكون المسألة قطعية أو ظنية هو أمر إضافي، بحسب حال المعتقدين، ليس هو وصفاً للقول في نفسه؛ فإن الإنسان قد يقطع بأشياء علمها بالضرورة أو بالنقل المعلوم صدقه عنده، وغيره لا يعرف ذلك لا قطعاً ولا ظناً، فالقطع والظن يكون بحسب ما وصل إلى الإنسان من الأدلة، وبحسب قدرته على الاستدلال.

والناس يختلفون في هذا وهذا، فكون المسألة قطعية أو ظنية ليس هو صفة ملازمة للقول المتنازع فيه، حتى يقال: كل من خالفه قد خالف القطعي، بل هو صفة لحال الناظر المستدل المعتقد، وهذا مما يختلف فيه الناس؛ فعلم أن هذا الفرق-أي: بين الأصول والفروع- لا يطرد ولا ينعكس"(96).

وبين -رحمه الله- في موطن آخر إلى أن صواب ما يفرق به بين الأصول والفروع في المسائل الشرعية هو جلها من دقها، سواء كانت علميةً أو عملية، وقال -رحمه الله-: "الحق: أن الجليل من كل واحد من الصنفين –أي: المسائل الخبرية والعملية- مسائل أصول والدقيق فيها مسائل فروع"(97).

قصد الخلاف منهي عنه شرعاً، سواء كان ذلك في الأصول أو الفروع؛ لأن الاختلاف والتفريق في الدين الذي نهى الله عنه في كتابه وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، لم يفرق فيه بين أصول الدين وفروعه.

فالنبي صلى الله عليه وسلم عندما أرسل أبا موسى الأشعري ومعاذ بن جبل معاً إلى اليمن ليعلما أهلها دين الإسلام قال لهما: "يسرا ولا تعسرا، وبشرا ولا تنفرا، وتطاوعا ولا تختلفا"(98).

فحضهم صلى الله عليه وسلم "على الجماعة والألفة والتحذير من الفرقة والاختلاف"(99).

دون تفرقة بين أصول الدين وفروعه، وقد كان معلوماً لديه صلى الله عليه وسلم، ولديهما-أيضاً- أنهما سيعلمان الدين أصوله وفروعه.

وإذا كان الله -عزّ وجل- نهى عن التفرقة والاختلاف في دينه، كما في قوله تعالى:"شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلاَ تَتَفَرَّقُوا فِيهِ" [الشورى:13].

والدين يشمل الفروع كما يشمل الأصول؛ فإن تجويز البعض للخلاف في فروع الدين تجويز للخلاف الذي نهى الله عنه.

وعليه فلا فرق بين مسائل الأصول والفروع من جهة ذم الاختلاف فيها.

وإن كان الخلاف في الأصول أبلغ ذماً، وأكثر فرقة منه في الفروع، أي أن حرمة الاختلاف في الفروع لا تكون كحرمة الاختلاف في الأصول؛ فالحرمة الثانية أشد وأغلظ من الحرمة الأولى.

قال الشافعي-رحمه الله- رداً على من قال: فإني أجد أهل العلم قديماً وحديثاً مختلفين في بعض أمورهم فهل يسعهم ذلك؟ قال: فقلت له: الاختلاف من وجهين أحدهما محرم، ولا أقول ذلك في الآخر، قال: فما الاختلاف المحرم؟ قلت: كل ما أقام الله به الحجة في كتابه، أو على لسان نبيه منصوصاً بيناً، لم يحل الاختلاف فيه لمن علمه، وما كان يحتمل التأويل، ويدل قياساً، فذهب المتأول أو القايس إلى معنى يحتمله الخبر أو القياس، وإن خالفه فيه غيره، لم أقل: إنه يضيق عليه ضيق الخلاف في المنصوص"(100).

فيلحظ من كلام الشافعي-رحمه الله- تضييقه الخلاف في الفروع، وإن لم يكن كالتضييق في الخلاف في الأصول، وقد فهم المزني ذلك، وهو تلميذ الشافعي الأدنى فقال معلقاً: "فظاهر قوله أنه ضيق الخلاف كتضييقه في المنصوص"(101).

وخلاصة القول في حكم الشرع في الخلاف:

- أن الخلاف -وإن أراده الله قدراً كسائر الذنوب- إلا أنه نهى عنه شرعاً؛ لأنه شرٌّ وعذاب. - أن التوسعة والرحمة في الاجتهاد المأذون به شرعاً، لا في الخلاف المنهي عنه شرعاً المحرم قصده، سواءً كان في الأصول أو الفروع.

- وأن الخلاف إذا كان عن اجتهاد لا يذم، ولا يأثم صاحبه، سواءً كان في الأصول أو الفروع، وإن خُطِّئ في اجتهاده.

- أن الخلاف الذي وقع فيه الصحابة وأئمة العلم -رضي الله عنهم- ما طلبوه ولا رغبوا فيه-أي: ما وقعوا فيه قصداً- وإنما وقعوا فيه عرضاً.

- مع التنبه إلى أن أدلة الشريعة لا تتعارض، ولا تتناقض في نفسها ولا مع بعضها، وما يظهر من خلاف أو تعارض بينها، فلا يرجع إلى ذات النصوص، وإنما هو بحسب ما يظهر للمجتهد في تلك النصوص، أما نصوص الشرع فلا يجوز أن يكون الاختلاف فيها، أو مقصوداً بها، مع نهي الشارع عنه وذمه له.

______________

[1]انظر: ابن منظور، لسان العرب: (4/181-192).

[2]الراغب الأصفهاني، مفردات ألفاظ القرآن، ط2، دار القلم، دمشق، سنة 1412هـ/1992م: (ص294).

[3]عوامه، محمد، أدب الاختلاف في مسائل العلم والدين، دار البشائر، بيروت، ط2، 1418هـ/1998م: (ص8).

[4]ابن تيمية، الفتاوى: (13/19-20).

[5]الراغب الأصفهاني، مفردات القرآن: (294).

[6]انظر: المصباح المنير في غريب شرح الوجيز.الفيومي، أحمد بن محمد، المكتبة العلمية، بيروت: (ص179).

[7]الجرجاني، علي بن محمد، التعريفات، ط الأولى 1416هـ/1996م: (ص135).

[8]معجم لغة الفقهاء: (ص 198).

[9]الكفوي، أبو البقاء أيوب بن موسى، الكليات، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1419هـ/1998م: (ص61).

[10]انظر: حاشية ابن عابدين على الدر المختار: (4/331).

[11]المناوي، عبد الرؤوف، فيض القدير، المكتبة التجارية الكبرى، مصر، ط1، 1356هـ: (1/209).

[12]محمد الروكي، نظرية التقعيد الفقهي وأثرها في اختلاف الفقهاء، ط.منشورات كلية الآداب، جامعة محمد الخامس، الرباط: الأولى 1414هـ: (1/179-180).

[13] ابن جرير، جامع البيان: ( 12/142-143).

[14]ابن جرير، جامع البيان: (12/144).

[15]ابن كثير، تفسير القرآن العظيم: (2/610).

[16]سبق تخريجه. ص (37).

[17]أبو داود في سننه: (2/610) برقم (4607) وأحمد في المسند: (4/126) برقم (17182) وكلاهما من حديث العرباض بن سارية.

[18]ابن رجب، أبو الفرج عبد الرحمن بن أحمد الحنبلي، جامع العلوم والحكم، دار المعرفة، بيروت، ط1، 1408هـ: (ص263).

[19]سبق تخريجه (ص 37).

[20] ابن تيمية، أحمد بن عبد الحليم، اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم، مطبعة السنة المحمدية، القاهرة، 1369هـص31، 32).

[21]ابن تيمية، الفتاوى: (4/150-151).

[22]ابن القيم، الصواعق المرسلة: (2/519).

[23]الشاطبي، الاعتصام: (1/470).

[24]ابن حزم، الإحكام: (5/65).

[25]انظر: التحرير والتنوير لابن عاشور (5/100) تفسير (فردوه إلى الله والرسول).

[26]انظر: ابن عاشور، المصدر نفسه (1/974).

[27]البخاري في صحيحه: (2/597) برقم (1574) ومسلم في صحيحه: (1/483) برقم (695).

[28]أبو داود في سننه: (1/602) برقم (1960).

[29] ابن جرير، جامع البيان: (25/16).

[30]المقبلي، صالح بن مهدي بن علي بن عبد الله بن سليمان المقبلي الربيعي، الصنعاني، ثم المكي، ولد سنة (1047هـ) في قرية المقبل من أعمال كوكبان، برع في جميع علوم الكتاب والسنة، وحقق الأصولين والعربية والمعاني والبيان، والحديث، والتفسير، وفاق في جميع ذلك، خلع ربقة التقليد وعمل بما تقتضيه الأدلة. له من المؤلفات: حاشية على البحر الزخار المسماة بالمنار، ونجاح الطالب على مختصر ابن الحاجب، والإتحاف لطلبة الكشاف. وتوفي سنة (1108هـ).

انظر: الشوكاني، محمد بن علي، البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع، دار المعرفة، بيروت: (1/289 وما بعدها).

[31]المقبلي، صالح بن مهدي، العلم الشامخ في تفضيل الحق على الآباء والمشايخ، مكتبة دار البيان: (ص486).

[32]البخاري في صحيحه: (5/2146) برقم (5345).

[33]ابن حجر، أحمد بن علي العسقلاني، فتح الباري شرح صحيح البخاري، دار المعرفة، بيروت، 1379هـ: (1/253).

[34]مسلم في صحيحه: (4/2053) برقم (2666) ، والنسائي في سننه الكبرى (5/33) برقم (8095) عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما.



[35]ابن تيمية، مجموع الفتاوى: (22/254).

[36]المصدر السابق: (3/421).

[37]المصدر السابق: (19/122).

[38]ابن حزم، الإحكام: (5/67-68).

[39]ابن حزم، علي بن أحمد بن سعيد الظاهري، النبذة الكافية في أحكام أصول الدين، تحقيق: محمد أحمد عبد العزيز، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1405هـ: (ص21).

[40]الشاطبي, الاعتصام: (2/168).

[41]ابن القيم، الصواعق المرسلة: (2/519).

[42]انظر: الشاطبي، الاعتصام: (2/145).

[43]الألباني، محمد ناصر الدين، سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة: (1/76) رقم (57).

[44]سبق تخريجه. ص (37).

[45]ابن حزم: الإحكام في أصول الأحكام (5/64).

[46]انظر: الزركشي، محمد بن بهادر، البحر المحيط، دار الكتب العلمية، بيروت- لبنان، ط1، 1421هـ/ 2000م: (3/586).

[47]المقبلي، العلم الشامخ: (ص485).

[48]الوجيز في أصول الفقه : ( ص 338 ) .

[49]المناوي، فيض القدير: (1/209).

[50]ابن عبد البر، جامع بيان العلم وفضله: (2/80).

 

 
 
   Bookmark and Share      
  
  الخلاف..مفهومه، وحكمه، وأنواعه

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7