الثلاثاء 29 يناير 2013

 

 

تنزيل القرآن على الواقع عند الإمام ابن القيم رحمه الله

 

إعداد/ د. يحيى بن محمد زمزمي

 

  أستاذ مشارك بكلية الدعوة وأصول الدين

 

   جامعة أم القرى

 

أنزل الله سبحانه وتعالى القرآن الكريم منهجاً للعباد، يحكمون به حياتهم ،ويضبطون به تصرفاتهم ، ويحتكمون إليه في معاملاتهم ، ويطبقونه واقعاً عملياً في جميع شؤونهم ، حتى يكون محياهم كله لله عز وجل : ( قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين )

 

وكثيراً ما نقرأ القرآن الكريم ونغفل ربطه بواقع حياتنا، ونفصل بينه وبين أعمالنا وننسى تطبيقه على أحوالنا، وتبعاً لذلك فقد وجد في المسلمين من يقرأ القرآن طلباً لبركته فقط دون أن يفهم معانيه، ووجد من يقرؤه بلسانه ولا يعقل سوى مبانيه، وأسوأ منه من يقرؤه على أنه ماضٍ انتهى، وحكايات تتلى لا علاقة لها بواقعه وأحواله .

 

وقد عني أهل العلم قديماً وحديثاً بتدبر القرآن العظيم وتأمل آياته، والوقوف عند أحكامه وتوجيهاته، واستنباط العلاقة بين الواقع وحكمه وهداياته، وكان من الأئمة الأعلام، والعلماء الكرام، الذين عاشوا حياتهم بالقرآن ومع القرآن فقهاً وفهماً، وتدبراً وعلماً، وتطبيقاً وعملاً؛ الإمام المبارك: شمس الدين، أبو عبدالله، محمد بن أبي بكر الزرعي، المشهور بابن القيم رحمه الله تعالى .

 

لقد قام الباحث باستخلاص الآيات التي ربطها الإمام ابن القيم بالواقع, معتمدا على كتابه: (بدائع التفسير ) وأضاف للكتاب بعض المواضع غير المشمولة فيه , فكانت حصيلة المواضع محل الدراسة 56 موضعا .

 

والمقصود بتنزيل الآيات على الواقع: مقابلة الأحداث المعاصرة في زمن المفسر وإدخاله فيما يناسبها من الآيات القرآنية , وهذه المقابلة يمكن أن تكون بموافقة الواقعة لنص الآية كالتطبيق العملي له ، أو بمخالفة الواقعة لتوجيه الآية والإعراض عن تطبيق معانيها .

 

وعلاقة هذا الجانب بكتب التفسير ظاهرة، إذ التفسير هو مظنة شرح آيات القرآن وبيان معانيها وربطها بواقع الناس، وضرب الأمثلة الواقعة في عصر المفسر لتقريب المعاني ومن ثم مقابلة الوقائع والأحداث وإدخالها فيما تنطبق عليه من آيات القرآن الكريم .

 

ولهذا الأمر أهمية بالغة فهو يزيد من توضيح معاني الآيات , ويقربها للفهم , كما أنه ينمي علاقة المسلم بالقرآن وربطه بجميع أحواله , ويعيد صبغ حياة الناس بالقرآن , مما يؤكد للجميع شمول القرآن الكريم لجميع أحداث الحياة.
 

 

كانت هذه مقدمة تمهيدية لا بد منها , لينتقل الباحث بعد ذلك للخوض بمسألة عناية المفسرين بتنزيل الآيات القرآنية على الواقع , فذكر منهم على سبيل المثال : أحكام القرآن لابن العربي و المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية , الجامع لأحكام القرآن للقرطبي , البحر المحيط لأبي حيان , تفسير ابن كثير , مع ذكر مثال من كل كتاب من هذه الكتب , تبين اهتمام المفسر بمسألة تنزيل الآيات على الواقع .

 

وقد أصل الإمام ابن القيم مسألة تنزيل الآيات على الواقع من خلال:

 

1- إنكاره على من فصل بين القرآن والواقع : فقد أكد أن الواقع يدخل تحت نصوص القرآن وتوجيهاته وهداياته ويتضمنه لا محالة , من خلال قوله تعالى : (قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض ... ) فقال رحمه الله : والقرآن مملوء من أمثالها ونظائرها، ولكن أكثر الناس لا يشعرون بدخول الواقع تحته وتضمنه له، ويظنونه في نوع وفي قوم قد خلوا من قبل لم يعقبوا وارثاً، وهذا هو الذي يحول بين القلب وبين فهم القرآن، ولعمر الله إن كان أولئك قد خلوا فقد ورثهم من هو مثلهم أو شر منهم أو دونهم , و تناول القرآن لهم كتناوله لأولئك .

 

2- تأكيده على أن العبرة بعموم اللفظ وأن تنزيل النصوص على الواقع هو الفقه في الدين : وقد أوضح ذلك من خلال الآية (الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة ) وقول من قال : إنه عام اللفظ خاص المعنى قول فاسد , فإن هذه الصورة المعينة وإن كانت سبب النزول، فالقرآن لا يقتصر به على محال أسبابه، ولو كان ذلك لبطل الاستدلال به على غيرها .

 

3- تقريره أن خطاب القرآن عام لمن بلغه ومتناول لمن أتى بعد عصر الرسول صلى الله عليه وسلم : وذلك من خلال قوله تعالى ( ثم لتسألن يومئذ عن النعيم ) رد على من قال : إنه خاص بالكفار , بما صح في السنة النبوية حين قال الرسول صلى الله عليه وسلم لأبي بكر وعمر رضي الله عنهما : ( والذي نفسي بيديه لتسألن عن هذا النعيم يوم القيامة ) ثم قال : والواقع أيضا يشهد بعدم اختصاص الآية بالكفار , فالإلهاء بالتكاثر واقع من المسلمين كثيراً، بل أكثرهم قد ألهاه التكاثر .

 

4- حثه على تنزيل الآيات على الواقع : من خلال كثير من الآيات في تفسيره منها : (ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ) ثم قال : نزل هذه الآية على أحوال العالم، وطابق بين الواقع وبينها، وأنت ترى كيف تحدث من تلك الآفات والعلل كل وقت في الثمار والزرع والحيوان .

 

هذا وقد اتبع ابن القيم رحمه الله تعالى منهجا خاصا في مسألة تنزيل الآيات على الواقع , تتمثل في أسلوبين هما : التصريح المباشر من خلال حثه الواضح على هذا الأمر , والتلميح والتعريض وهو الأغلب في طريقته , من خلال ذكر أقوال المخالفين والتعريض بمن يصد عن الحق ويكيد له في سبيل الرياسة , أو من الملاحدة وأصحاب البدع والضلالات , وقد استخدم عبارات مشهورة في مسألة تنزيل الآيات على الواقع منها : وهذا حال أكثر الخلق .. أو ومن تأمل أحوال العالم .

 

وقد تنوعت الموضوعات والقضايا التي نزل عليها الآيات حيث شملت : الجوانب السياسية والاجتماعية والعقدية , إلى جانب الاعجاز العلمي للقرآن الكريم والأحوال العامة .

 

وقد جعل الإمام ابن القيم -رحمه الله- الحكم في ( تنزيل الآيات على الواقع ) والقول الفصل للكتاب والسنة، فلم يتكلف في ذلك أو يحمل النصوص الشرعية مالا تحتمله، بل يؤكد أثناء تطبيقاته هذا المبدأ الأصيل، وينكر أشد النكير على من خالف هذا المنهج , مع النصح والإرشاد للقارئ , ودعوته لتدبر الآيات من جهة، والتأمل في نفسه وحاله ، حتى يعرف حقيقة أمره ومدى قربه أو بعده عن التوجيه القرآني، وقدر تعظيمه للنصوص الشرعية وموقفه منها .

 

عند هذا الحد يكون الباحث قد أنهى القسم الأول من بحثه , الذي تضمن الجانب النظري لموضوعه , والذي شمل على : مقدمات تمهيدية , و تعريف موجز بالإمام ابن القيم وعصره ,  وعناية المفسرين بتنزيل الآيات على الواقع , وتأصيل مسألة (تنزيل الآيات على الواقع) عند الإمام ابن القيم , والملامح العامة لمنهج الإمام ابن القيم في تنزيل الآيات على الواقع .

 

ثم شرع في القسم الثاني التي تضمن الدراسة التطبيقية التي ركزت على أبرز القضايا في عصر الإمام ابن القيم وتنزيله الآيات عليها وهي:

 

1-بدع الصوفية وشطحاتها :

فقد انتشرت الصوفية في عصره الذي عاش فيه , فكان إنكاره لهذه البدع ملحوظاً في تنزيل الآيات على الواقع ومن ذلك : في تفسير قوله تعالى : ( اهدنا الصراط المستقيم ) قال : وأما ما يقوله كثير من أصحاب الخيالات والجهالات: حدثني قلبي عن ربي : فصحيح أن قلبه حدثه، ولكن عن من ؟ عن شيطانه أو عن ربه ؟ مبينا الفرق بين طريق المهتدين المذكور في الآية , وطريق المخالفين لهذا السبيل السالكين سبل الشياطين , داعياً القارئ إلى التفريق بين الحالين والطريقين .

 

2- نفاة صفات الله تعالى:

التي أخذت حيزا كبيرا من اهتمام ابن القيم , من خلال تنزيله الآيات على واقع الفرق التي ضلت وحادت عن الصواب .

 

 ومن أمثلة ذلك: قوله تعالى (مثلهم كمثل الذي استوقد ناراً فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم ..... إن الله على كل شيء قدير ) والآيات تتكلم عن صفات المنافقين , فأنزل الآية على الواقع بقوله : وقد شاهدنا نحن وغيرنا كثيراً من مخانيث تلاميذ الجهمية والمبتدعة إذا سمعوا شيئاً من آيات الصفات وأحاديث الصفات المنافية لبدعتهم، رأيتهم عنها معرضين , ويقول مخنثهم: سدوا عنا هذا الباب واقرؤوا شيئاً غير هذا، وترى قلوبهم مولية وهم يجمحون لثقل معرفة الرب سبحانه وتعالى وأسمائه وصفاته على عقولهم وقلوبهم .

 

3- السماع والرقص والغناء:

حيث افتتن الناس في زمنه بأصوات الغناء والرقص الصوفي , فاهتم لذلك من خلال الإشارة إلى بعض ما تفعله الصوفية من رقص وغناء زاعمين أنه محبة للنبي صلى الله عليه وسلم , فقد أنزل الآية القرآنية التالية على ما يفعلون  (وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاءً وتصدية ) مقارنا سماع المشركين بالسماع في عصره , الذي أضيف إليه الآلات والرقص والحركات .

 

4- القضايا الاجتماعية والأحوال العامة:

وذلك بتنزيل الآيات على أحوال الناس في عصره , وبيان علاقتها بسنن الله تعالى في الأمم والمجتمعات , فقد قال تعليقا على قوله تعالى : (ذلك بأن الله لم يك مغيراً نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ) ومن تأمل ما قص الله في كتابه من أحوال الأمم الذين أزال نعمه عنهم، وجد سبب ذلك جميعه إنما هو مخالفة أمره، وعصيان رسله , وكذلك من نظر في أحوال أهل عصره، وما أزال الله عنهم من نعمه، وجد ذلك كله من سوء عواقب الذنوب .

 

5- مظاهر الشرك والفسوق:

فقد تكلم رحمه الله عن المساجد والقباب المبنية على القبور، ودعوته إلى المسارعة في هدمها وإزالتها، وفتواه بأن الوقف على مثل هذه المخالفات لا يصح ولا ينفذ، وذلك عند تفسيره لقوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون )

 

6- المتكلمون والفلاسفة:

حيث أشار ابن القيم إلى زعم بعض المتكلمين بأن المراتب  المذكورة في قوله تعالى (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن ) إنما هي القياسات المنطقية , فرد عليهم بقوله :

 

هذا هو الصحيح في معنى هذه الآية – أي ما ذكره من تفسير لها - لا ما يزعم أسير منطق اليونان أن (الحكمة) قياس البرهان وهي دعوة الخواص، و(الموعظة الحسنة) قياس الخطابة وهي دعوة العوام، و(المجادلة بالتي هي أحسن) القياس الجدلي , فهذا باطل وهو مبني على أصول الفلسفة , وهو مناف لأصول المسلمين وقواعد الدين من وجوه كثيرة ليس هذا موضع ذكرها .

 

وقد توصل الباحث إلى أهم نتائج بحثه وهي:

 

1- القرآن الكريم منهج حياة، ومحور نجاة، لمن أراد السعادة والريادة في كل زمان ومكان

 

2- تنزيل الآيات على الواقع جانب مهم في تفسير القرآن وتقريب معانيه للأفهام , وقد عني المفسرون بذلك قديما وحديثا , وتفاوتهم في ذلك تبعا لمناهجهم التفسيرية أو قوة الأحداث وشدة الوقائع والنوازل .

 

3- ارتباط مسألة تنزيل الآيات على الواقع بعدد من قواعد التفسير ومسائل علوم القرآن.

 

4- عناية الإمام ابن القيم -رحمه الله- بتنزيل الآيات على الواقع, تأصيلا وتنظيرا,بالإضافة إلى منهجه الخاص في ذلك , وتنوع الموضوعات التي عني بها في هذا المجال , مع الانضباط بالنص القرآني دون تكلف .

 

وأخيرا : أوصى الباحث أهل العلم وطلابه بالعناية بكتاب الله تعالى فهماً وتدبراً، وعلماً وعملاً , كما أوصى الباحثين بمزيد من العناية بمسألة تنزيل الآيات على الواقع , بحثاً وتأصيلاً وجمعاً وتحريراً , وأهاب بالكليات المعنية بالقرآن وعلومه في الجامعات , بإعداد مشروعات علمية يشترك فيها الأساتذة والطلاب , تعنى بجمع أقوال المفسرين في تنزيل الآيات على الواقع ودراستها وتصنيفها موضوعياً وتاريخياً .

 

نسأل الله تعالى أن يجزي الباحث الدكتور يحيى بن محمد زمزمي خير الجزاء على هذا البحث القيم, الذي يحتاجه كل باحث ومسلم , وأن يجعل ذلك في صحيفة أعماله إنه سميع قريب مجيب

 

 لتحميل الدراسة اضغط هنا:

 

 
 
   Bookmark and Share      
  
 تنزيل القرآن على الواقع عند الإمام ابن القيم رحمه الله

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7