الأحد 3 فبراير 2013
New Page 1

هل من ثورة سنية في العراق ؟
د. عامر الهوشان
والبشر يخضعون لقوانين ثابتة يسميها القرآن بالسنن , ومن أعظم هذه السنن , سنة الله في الأسباب والمسببات ( قانون السببية ) وقد أكد القرآن الكريم أن كل شيء يحدث بسبب , سواء كان الحدث يتعلق بالجماد أو النبات أو الحيوان أو الإنسان , يقول شيخ الإسلام ابن تيمية:" فليس في الدنيا شيء إلا بسبب, و الله خالق الأسباب و المسببات".

إن القانون الإلهي في ربط النتائج بالمقدمات لا يتبدل ولا يتغير , قال تعالى ( سنة الله التي قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا ) والفرق بين سنن الله المادية الكونية وبين السنن الاجتماعية البشرية , أن الأولى أسبابها واضحة بينة مضبوطة , يمكن التحكم بها بمجرد معرفتها ومثالها قول الله تعالى ( وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم )

أما الأحداث الاجتماعية بمختلف أنواعها السياسية والاقتصادية وغيرها فأسبابها دقيقة وكثيرة ومتشعبة و متشابكة , قد يعسر على الكثيرين الإحاطة بها تفصيلا , ولكن يمكن للمتأمل الفاحص أن يعرفها ويحيط بها علما , كما يمكنه الجزم بنتائجها إذا توفرت أسبابها , ومثالها قول الله تعالى ( إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا ) .

والمقصود بالسنة والقانون الإلهي المتعلق بالبشر: الطريقة المتبعة في معاملة الله تعالى للبشر بناء على سلوكهم و أفعالهم وموقفهم من شرع الله وأنبيائه , وما يترتب على ذلك من نتائج في الدنيا والآخرة .

ومن الواضح أن معرفة هذه السنن والقوانين الإلهية ضرورة دينية , لأن الله تعالى عندما قص علينا أحوال الأنبياء مع أقوامهم , وما حل بهم بسبب سلوكهم معهم وموقفهم من دين الله وأنبيائه ,طلب منا الاتعاظ والاعتبار بهم , وهذا يؤكد أن معرفة السنن والقوانين الإلهية ضروري , لأنه جزء من الدين , حيث تبصرنا هذه السنن بكيفية السلوك الصحيح في الحياة , حتى لا نقع في الخطأ و العثار والغرور والأماني الكاذبة التي وقع فيها بعض الأمم السابقة , فننجو مما حل بهم من عذاب , قال تعالى : ( لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ) وقال تعالى ( قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين ) .

هذه المقدمة ضرورية جدا لفهم ما يحدث في العراق وغيرها من دول العالم العربي والإسلامي الذي يشهد مظاهرات وثورات , وصراعات فكرية ومذهبية , سيكون لنتائجها أثر كبير على مستقبل المنطقة بشكل خاص , وعلى العالم الإسلامي بشكل عام .

وكما ينطبق قانون السببية على الأشياء المادية الحسية , من نزول المطر ونبات الزرع وحياة الإنسان منذ الولادة وحتى الوفاة , كذلك ينطبق هذا القانون على السلوك البشري الاجتماعي , فهذ المظاهرات و الاعتصامات التي تتزايد في المدن العراقية , والتي شملت نينوى والرمادي والفلوجة والموصل وسامراء وغيرها , لابد أن لها أسبابا ومقدمات , جعلت الشعب العراقي يثور ويمور , ويعبر عن إرادته و مطالبه .

أصحاب هذه الاعتصامات والمظاهرات يبغضون الطائفية التي يتبعها المالكي ويمقتونها , ويطالبون بإلغاء هذا النهج الذي يمكن أن يؤدي إلى خراب العراق ودماره , فالنهج الطائفي الذي تقوده ايران في المنطقة , كان وما زال يؤجج الخلافات والصدامات بين أبناء الشعب الواحد , بعد أن كانوا بالأمس القريب يعيشون بأمان وسلام , رغم وجود بعض الاختلاف في الأمور الدينية الإسلامية .

لا يلام المدافع عن وجوده وكيانه أبدا , إذا هب بعد صبر طويل , وتحمل للأذى شديد , لا يلام المدافع عن عقيدته ودينه عندما يتعرض للذم والتجريح , لا يلام الرجل إذا انتفض حماية للأعراض و المقدسات , ولا يمكن أن يقال عن ثورته ودفاعه بالطائفية , بل ردة فعل لطائفية المعتدي والظالم الذي كان سببا في هذه الثورة والانتفاضة .

وهذا ما حصل في العراق تماما , لقد صبر أهل السنة طويلا , وغضوا الطرف عن أفعال المالكي المتكررة , ولكنهم في النهاية وصلوا معه لطريق مسدود , وأصبحت خياراتهم معه ومع أفعاله محدودة , إما الخضوع والخنوع والذل , وإما الرفض لهذه السياسات الاقصائية الطائفية الظالمة , فقرروا الخيار الثاني , فخرجوا مع المظلومين من كل الطوائف تنادي بوقف هذه السياسات المدمرة .

يمكن تلخيص الأسباب التي أدت إلى خروج هذه المظاهرات والاعتصامات والتي تخفي بين طياتها ثورة عراقية سنية , وإن كان يشاركهم ويساندهم في ثورتهم بعض الطوائف الأخرى بعدة أمور هي :

1- قانون مكافحة الإرهاب

هذا القانون صدر في عام 2005 برقم 13 تحت مسمى ( قانون مكافحة الإرهاب ) الذي أقرته الجمعية الوطنية طبقا للمادة 33 من قانون إدارة الدولة العراقية للمرحلة الانتقالية , بلمسات أمريكية معروفة , وموافقة عراقية تامة , حيث كان يقود العراق في المرحلة الانتقالية المالكي ومن لف لفه , ممن دخلوا العراق على دبابة أمريكية بعد انسحاب القوات الأمريكية منه , هربا من ضربات المقاومة العراقية , والتي كانت بمجملها سنية , فأرادت أمريكا التخلص من هذه المقاومة المتمثلة بمعظمها بأهل السنة في العراق , فوضعت المالكي الشيعي صاحب النفس الطائفي البغيض , ليكون التخلص من أهل السنة والمقاومة بأيد عراقية كما أرادت أمريكا , فكان قانون مكافحة الإرهاب خير وسيلة لهذه العملية الاجرامية الخبيثة .

من خلال قانون مكافحة الإرهاب هذا, وخصوصا من خلال المادة الرابعة منه والتي تنص على : يعاقب بالإعدام كل من ارتكب- بصفته فاعلاً أصلياً أو شريك عمل - أياً من الأعمال الإرهابية الواردة بالمادة الثانية والثالثة من هذا القانون ، يعاقب المحرض والمخطط والممول وكل من مكن الإرهابيين من القيام بالجرائم الواردة في هذا القانون بعقوبة الفاعل الأصلي.

ويعاقب بالسجن المؤبد من أخفى عن عمد أي عمل إرهابي أو آوى شخصاً إرهابياً بهدف التستر.

لقد استغل المالكي هذه المادة من قانون مكافحة الإرهاب , مع المادة الثانية والثالثة التي تتضمن أفعالا كثيرة وألفاظا يمكن تأويلها على أكثر من وجه , من أمثال : تهديد الوحدة الوطنية , سلامة المجتمع , فعل يمس أمن الدولة و استقرارها ... و ذلك كعادة قوانين الطغاة والمفسدين في العالم العربي والإسلامي , الذين يضعون قوانين على مقاسهم ثم يفسرونها بما يخدم مصالهم بضرب خصومهم والقضاء عليهم .

استغل المالكي هذه المادة بالتخلص أولا من نائب الرئيس العراقي طارق الهاشمي السني , حيث بدأ باعتقال حرسه الخاص بتهمة ضلوعهم بأعمال إرهابية في العراق, تمهيدا لاعتقال الهاشمي فيما بعد بحجة اعتراف حرسه الخاص بتورطه بهذه الأعمال الإرهابية , ولكن الهاشمي خرج خارج البلاد , وما زال حتى اليوم خارج العراق , لا يستطيع الرجوع لبلده , خاصة بعد صدور حكم بالإعدام بحقه غيابيا .

ومنذ أسابيع أعاد المالكي السيناريو نفسه مع وزير المالية العراقي رافع العيساوي , السني المذهب , والقيادي في قائمة العراقية التي يقودها إياد العلاوي , حيث قامت قوة عسكرية بمداهمة مكتب مسؤول حماية وزير المالية رافع العيساوي في المنطقة الخضراء وسط بغداد، واعتقلت مسؤول الحماية وعددا من الجنود رغم وجود وزير المالية في المكتب أثناء وقوع الحادث, وأعلن مجلس القضاء الأعلى اعتراف آمر فوج حماية العيساوي بارتكابه أعمالاً إرهابية , حيث قال عبد الستار البيرقدار الناطق الرسمي باسم مجلس القضاء : (إن محكمة التحقيق المركزية أصدرت أوامر بإلقاء القبض بحق آمر فوج حماية العيساوي إثر اعترافات لمتهمين آخرين عليه وأنه اعترف أثناء التحقيق معه بقيامه بأعمال إرهابية، مشيرا إلى أن القبض على أفراد حماية العيساوي تم وفق أوامر قبض قضائية )

ولكن هذه المرة لم ينجح الأمرتماما مع المالكي كما حصل في المرة السابقة , فقد شعر أهل السنة في العراق أنهم مستهدفون , واحدا تلو الآخر في سلسلة تصفية القيادات السنية الموجودة في الحكومة العراقية , فقد شن وزير المالية القيادي في العراقية رافع العيساوي هجوماً على رئيس الوزراء نوري المالكي ودعاه الى الاستقالة، لكونه لا يعترف بالشراكة الوطنية ولا يلتزم بالقانون والدستور، وطالب مجلس النواب بتفعيل سحب الثقة عن الحكومة، وذلك على خلفية قيام قوة امنية باعتقال افراد حمايته ومسؤولهم" بحسب تعبيره.

وأضاف العيساوي : يجب إسقاط المخبر السري والمتعاملين به ومنع استخدام المادة الرابعة من قانون مكافحة الإرهاب في ضرب الخصوم والتنكيل بهم .

وقد انضم الهاشمي إلى العيساوي وأعلن تعاطفه وتضامنه اللا محدود مع العيساوي وقال: آمل أن ينتصر له ائتلاف العراقية وجمهورها بشكل يتناسب وحجم الأذى الذي تعرض له، وآمل أن لا يخذل كما خذل من سبقه , ويقصد نفسه حين تعرض لنفس الهجوم من المالكي .

وأشار الهاشمي الى أن المالكي لا يريد شركاء أندادا بل أتباعا أذلاء، وقال : أعتقد بأن تراكمات الظلم والفساد وسوء الإدارة ستؤدي إلى هبّة شعبية عفوية يتبناها ملايين من المحبطين ‏والمظلومين، ومن الفقراء والعاطلين من العمل .

وهذا ما حصل بالفعل بسبب أفعال المالكي التي تتسم بالصبغة الطائفية الاستقصائية , والتي باتت واضحة المعالم بعد الذي حصل مع العيساوي .

2- قانون المساءلة والعدالة

صدر هذا القانون عام 2008 رقم ( 10 ) باسم قانون الهيئة الوطنية العليا للمساءلة والعدالة بهدف تفكيك منظومة حزب البعث في المجتمع العراقي ومؤسسات الدولة ومؤسسات المجتمع المدني فكرياً وإدارياً وسياسيا وثقافياً واقتصادياً , إضافة إلى اجتثاث أجهزة الأمن العام والمخابرات والأمن الخاص والحمايات الخاصة والأمن القومي والأمن العسكري والاستخبارات العسكرية وفدائيي صدام في ظل النظام البائد , أي نظام صدام حسين .

وهذه الهيئة مستقلة ماليا وإدارياً وقد حلت محل الهيئة السابقة المسماة (الهيئة الوطنية العليا لاجتثاث البعث)و تتمتع الهيئة الجديدة بكافة صلاحيات الهيئة السابقة الدستورية , وتتمتع بالشخصية المعنوية ذاتها , وترتبط بمجلس النواب وتواصل أعمالها بالتنسيق مع السلطة القضائية والأجهزة التنفيذية .

وبدلا من اجتثاث البعث و رموزه كما هو عمل الهيئة , فقد بدأ المالكي باجتثاث رموز أهل السنة وقياداتهم , في محاولة منه للسيطرة على العراق , وممارسة الدكتاتورية على شعبه وأهله , وكما فعل بقانون مكافحة الإرهاب , واساءة استخدام هذا القانون بما يخدم أغراضه الطائفية , كرر الأمر نفسه بقانون المساءلة والعدالة , فاعتقل القيادات وأودعهم في سجونه , ولاحق كل من يخالفه في سياساته المتبعة في الدولة , واستفرد بكثير من القرارات والصلاحيات , حتى غدا في العراق الآمر الناهي , وكأنه المنفرد بالحكم , دون شركاء أو أنداد , مخالفا بذلك كل الاتفاقات الموقعة بينه وبين قائمة العراقية , شريكه في الحكم , والقائمة التي حصلت على أعلى نسبة من أصوات الناخبين , والتي كان من الواجب أن يكون رئيس الوزراء منهم , لولا الضغوطات الإقليمية الإيرانية والدولية , التي انحازت للمالكي وأوصلته إلى منصب رئاسة الوزراء , لهدف مشترك بين الغرب وايران , ألا وهو ضرب السنة وإقصاؤهم عن الحكم نهائيا

3- اعتقال وسجن النساء العراقيات

لقد قام المالكي بالزج بآلاف النساء العراقيات في السجون , بتهم الإرهاب وغيرها من الاتهامات الجاهزة كما يقول العراقيون , ومارس عليهن أشد أنواع التعذيب والإهانة , فقد أكد الشيخ الدكتور حارث الضاري الأمين العام لهيئة علماء المسلمين في العراق أن أكثر من خمسة آلاف امرأة ما زلن يقبعن في السجون الحكومية وليس (400) كما يزعم عملاء ومرتزقة المالكي، وأن هناك (500) معتقلة عراقية في سجن الكاظمية وحده، أنجب الكثير منهن في السجون نتيجة الانتهاكات وعمليات الاغتصاب التي اقترفها جلاوزة المالكي ضدهن.

وأشار الشيخ الضاري الى أن رئيس الحكومة الحالية لا يريد أن يطلق سراح المعتقلات خشية افتضاح الجرائم الوحشية والممارسات التعسفية التي تعرضن لها في سجونه سيئة الصيت. موضحا أن المالكي كان قد قال قبل أيام ان جميع المعتقلات "إرهابيات" وبالأمس يقول تم اعتقالهن بدلا عن أولياء أمورهن، أو بلا أوامر قضائية !!؟؟، وهذا ما يضاعف مسؤوليته الشرعية والقانونية باعتباره القائد العام للقوات المسلحة الحالية، ولذلك فان إطلاق سراح عشرة او عشرين أو مائة أو مائتين أو ثلاثة، لا يكفي ولا يتناسب مع مطالب المتظاهرين المشروعة.

لقد اعتبر المتظاهرون أعراض المسلمات خطا أحمر لا يمكن تجاوزه أبدا , ولذلك سمى المتظاهرون والمعتصمون جمعة انتفاضتهم باسم : جمعة شرف العراقيات .

أمام كل هذه الأسباب كان لا بد للشعب العراقي أن ينتفض ويثور , رافضا سياسة التهجير والاقصاء والظلم لشعب العراق بشكل عام ولأهل السنة بشكل خاص , فخرجت المظاهرات وكثرت الاعتصامات , وهي تنذر بثورة عارمة إن لم يستجيب المالكي وحكومته لمطالب المتظاهرين العادلة , وأبرزها : إطلاق سراح المعتقلين والمعتقلات , ووقف تنفيذ أحكام الإعدام، وتعليق العمل بالمادة الرابعة من قانون مكافحة الإرهاب, وإيقاف العمل بقانون المساءلة والعدالة, إضافة إلى إصدار قانون للعفو العام, وغيرها من المطالب التي وصلت إلى 12 مطلبا على الأقل .

ولكن الظاهر أن حكومة المالكي لم تدرك جدية وخطورة هذه الاعتصامات والمظاهرات حتى الآن , ولم تتعلم من دروس ثورات الشعوب العربية التي بدأت كذلك ببعض المظاهرات وبعض المطالب فقط , ثم تطورت حتى أصبحت ثورة عارمة , أزالت عروش حكام طغاة أو تكاد .

لقد حصل ذلك لأن المطالب البسيطة التي بدأت بها هذه المظاهرات لم تحقق ولم تنفذ , بل على العكس من ذلك , فقد قوبلت بالعنف والقتل والاعتقال , والاستهتار بها واتهامها بالعمالة والتعاون مع الخارج والخيانة للوطن و الطائفية , وغيرها من مصطلحات الحكام الطغاة , والظاهر أن المالكي يتبع نفس أسلوب هؤلاء من خلال البدء بقمع المظاهرات والاعتصامات التي تنتشر وتتوسع في العراق بشكل كبير وملفت .

لا يزال المالكي حتى الآن ينكر الواقع الذي صنعه بيده , فالمظاهرات والاعتصامات لم تخرج من فراغ , وإنما خرجت ردا على سياساته التي لم تعد تحتمل , والعراق اليوم يقف على مفترق طرق , فإما أن يعود المالكي لرشده , ويعلم أنه لا يمكن عزل فئة وشريحة واسعة من الشعب عن الحكم , والمتمثلة بأهل السنة , فيستجيب لمطالب المتظاهرين , وتعود العراق إلى أمنها واستقرارها , أو أن يكرر المالكي أخطاء غيره من الحكام , فيتنكر لمطالب المتظاهرين , ويقابلها بالعنف والسلاح ,كما بدأ يفعل الآن , مما ينذر بثورة شعبية عارمة , ربما لا تنهي وجود المالكي فحسب , بل تنهي مقدرات وخيرات العراق , المتآكلة أصلا بعد الاحتلال الأمريكي لها .

 

 
 
   Bookmark and Share      
  
 هل من ثورة سنية في العراق ؟

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7