الثلاثاء 5 فبراير 2013

 أفكار العلمانيين تهدد السودان
مركز التأصيل للدراسات والبحوث
منذ قرون خلت والحرب ضد الإسلام والمسلمين مستعرة ومستمرة , وقد زادت حدتها وارتفعت وتيرتها بعد انهيار الاتحاد السوفيتي , حيث أعلن العالم الغربي أن عدوه الأوحد والأخير في الأرض هو الإسلام .

استخدمت في الحرب ضد الإسلام جميع الوسائل والسبل التي يمكن أن تخطر في بال إنسان , بدءا من الحروب والحملات الصليبية على العالم الإسلامي , وانتهاء بالغزو الثقافي والفكري الذي نلمس آثاره ونتائجه على العالم العربي والإسلامي منذ عقود من الزمان , تمثلت بغسيل أدمغة المسلمين وتوريد أفكار تتعارض مع العقيدة والشريعة الإسلامية , وقد كان لوسائل الإعلام والشبكة العنكبوتية قدم السبق في توريد وتسويق هذه الأفكار , وعلى رأسها العلمانية التي ترفع شعار المقولة المعروفة : لا دين في السياسة ولا سياسة في الدِّين! وهي مقولة لا تثبت على محكِّ النقد والمناقشة , ويكفي القول بحقها إنها مقولة ومصطلح خاص بالغرب في الأصل , أساسه (فصل الكنيسة عن الدولة) , وليس الدين عن الدولة .

ومع بطلان وزيف هذا الشعار فلا يشك أي عاقل ومتابع للوضع العربي والإسلامي في النجاح الكبير الذي حققه الغرب في هذا المجال , فقد اجتاح الفكر العلماني الدول العربية والإسلامية , وتربع على عرش الحكم فيها أتباع وأذناب , صورتهم صورة المسلمين وعقولهم حفر عليها ( صنع في الغرب ) حكموا المسلمين بأفكار الغرب وأساليبه في كل شيء , ولم يبقوا من الإسلام إلا رسمه , إما بتزيين الدستور بكلمة فارغة لا حقيقة لها على أرض الواقع ( دين الدولة الإسلام ) أو بعبارة أخرى تسكت التيار الإسلامي في تلك الدول دون أن يكون له من التنفيذ قيد أنملة ( تعتبر الشريعة الإسلامية مصدرا من مصادر التشريع ) ولكنهم في الحقيقة وضعوا مبدأ الغرب العلماني الرئيسي المتمثل في فصل الدين عن الدولة والحكم والسياسة , بل وفصل الدين عن الحياة بشكل أدق , وضعوه موضع التنفيذ , ليكون أداة تخريب ومعول هدم في الصرح الكبير والعظيم الذي يؤرق الغرب ويقض مضاجعه ألا وهو الإسلام .

لقد وضع السودان منذ فترة طويلة على قائمة الدول التي خطط الغرب لضربها وتفتيتها , خاصة بعد تطبيق الشريعة الإسلامية فيها , وبغض النظر عن الأخطاء التي وقع فيها نظام الحكم هناك , والملاحظات الكثيرة حول التعاون السوداني الإيراني الذي لوحظ في الفترة الأخيرة , إلا أن تطبيق الشريعة الإسلامية لفترة ليست بالقصيرة , والصبغة الإسلامية التي اتسم ويتسم بها هذا البلد العربي , يعتبر إيجابيا إذا ما قورن بمحيط عربي كان معظمه يحكم بالعلمانية التي تفصل الدين عن الدولة والحياة بشكل شبه كامل.

ولقد كان هذا الأمر كافيا لتوجيه الغرب سهامه وسمومه إلى هذا البلد الشقيق , مستخدمة كافة الوسائل التي تفضي إلى تفتيته وإضعافه , فبدأت بتسليح الجماعات المناوئة , وحرضت النصارى على الانفصال , وكان لها ما أرادت بانفصال جنوب السودان عن شماله , ليكون جنوب السودان موطئ قدم الغرب واليد الطولى التي يضرب بها السودان المسلم عن قرب .

لم يكتف الغرب بذلك , بل راح يؤلب بعض الأحزاب السودانية على تبني العلمانية كبديل لنظام الحكم الإسلامي , فقد وقعت أحزاب تنتمي الى المعارضة السودانية على رأسها المؤتمر الشعبي بزعامة حسن الترابي , والشيوعي والأمة القومي بقيادة الصادق المهدي على اتفاق مع فصائل الجبهة الثورية المتمردة في دارفور والنيل الأزرق وجنوب كردفان , يقر توحيد الجهود لإسقاط نظام حزب المؤتمر الوطني الحاكم بقيادة الرئيس عمر البشير عن السلطة في الخرطوم .

وقد طالب الاتفاق الذي أطلق عليه (ميثاق الفجر الجديد ) بناء نظام حكم فدرالي قائم على الديمقراطية والتعددية وفصل الدين عن الدولة وتضمنت فترة انتقالية لمدة أربع سنوات تدار عبر حكومة وحدة وطنية انتقالية تشارك فيها كل القوى السياسية الموقعة على الوثيقة بجانب الشخصيات الوطنية المستقلة.

وكردة فعل على هذه الوثيقة أفتت هيئة علماء السودان بخروج كل من وقع على وثيقة (الفجر الجديد) في العاصمة اليوغندية كمبالا من الملة والدين , دون ذكر اسم أحد كما صرح بذلك الدكتور محمد عثمان صالح الأمين العام للهيئة , حيث أن الفتوى جاءت على كل من لا يرضى بالحكم الشرعي ويتبنى مبدأ فصل الدين عن الدولة , حيث قال : (كل إنسان مسلم يجب عليه الاعتراف بحكم الله عز وجل حسب ما ورد في القرآن الكريم والسنة المطهرة , كل من زعم أنه لا يجب الحكم بما أنزل الله أو سعى لترويج مسألة فصل الدين عن الحياة العامة، فهو بالتالي يكون وقع في المحظور لأن هذا الوجوب والاعتراف والتطبيق لحكم الله واجب على الجميع وأوجب ما يكون على الحاكم وعلى الرعية السمع والطاعة )

واستشهد الأمين العام لهيئة علماء السودان ببعض الآيات القرآنية كقوله تعالى (ومن لم يحكم بما أنزل الله أؤلئك هم الكافرون )

واللافت في الموضوع توقيع بعض الشخصيات ذات الخلفية الإسلامية على هذه الوثيقة , من بينهم يوسف الكودة الذي وجه عقب مراسم التوقيع انتقادات قاسية للمؤتمر الوطني الحاكم واتهمه بتخريب الدين والدنيا، وطالب بأهمية تصحيح المفاهيم الإسلامية الخاطئة قائلاً (نريد أن نكون مثل الإسرائيليين في المواطنة وكالأمير كان في المواطنة )

الخطير في هذه الوثيقة أنها لا تريد تطبيق مبدأ فصل الدين عن الدولة والحياة فحسب كما في الدول العربية بشكل عام , بل تتعدى ذلك إلى طمس الهوية الإسلامية في السودان الذي يشهد مرحلة من الصراع السياسي لم يشهدها منذ الاستقلال، لا بل منذ دخول الإسلام فيه!! .

والمتأمل في وثيقة الفجر الجديد يجد أن الوثيقة لا تتحدث عن هوية النظام ولا عن شكل الحكم ولا عن تداول السلطة، وإنما تتحدث بالأساس عن هوية الدولة وعن عقيدة الأمة وعن لغة الدولة ومرجعيتها الثقافية , فالخطورة فيها مضاعفة , تستوجب من التيار الإسلامي اصطفافا ومراجعة شاملة عميقة قبل فوات الأوان , فإن كثيرا من أفرادها أصابه التذمر والقعود والانعزال, وذلك راجع إما لفقد الثقة في المشروع برمته، أو أنه فقد الثقة فى قيادته ووفائها للمشروع، وفي كلا الحالتين لا بد من المراجعة والتصحيح, فالغزو الغربي الفكري والعقائدي لا يتوقف ولا ينتظر , والذي يتولى ويعرض فإن الله تعالى سيأتي بالبديل بلا شك ( وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم )

 
 
   Bookmark and Share      
  
  أفكار العلمانيين تهدد السودان

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7