الأربعاء 13 فبراير 2013
New Page 1

 

عقبات الحوار وعوامل فشله في العصر الحديث- التجربة الكوسوفية مع الصرب نموذجًا(*)

من إعداد: الدكتور:خير الدين خوجة(**)

ـــــــــــ

لقد مر الشعب البوسني والألباني المسلم بأصعب مراحل التاريخ وأحلك الظروف السياسية والاجتماعية والدينية والإنسانية في العصر الحديث بعد الحرب العالمية الثانية، حيث القتل والتشريد والهتك والحرق والتمثيل والطرد للأبرياء من الناس، رجالاً ونساء شيوخاً أطفالاً، كل ذلك تم على أيدي القوات والمليشيات وفرق الموت الصربية الخاصة التابعة للنظام الاشتراكي الشيوعي الصربي، المدججة بالسلاح والسكاكين، والدبابات والمدرعات والمدافع.

 

وما كان لينقلب الصرب على جيرانهم الألبان المسلمين في كوسوفا والبوسنيين في البوسنة، لولا أنهم أطاعوا طاعة عمياء السفهاء والمتشددين والمتطرفين والحاقدين من قادتهم السياسية ورجالات الفكر والدين، فهؤلاء الأقطاب الثلاثة وذلك المثلث الحديدي المركب من هؤلاء الأقطاب الثلاثة، هم الذين وقفوا وراء عمليات الإبادة الجماعية والتطهير العرقي.

 

وخلال هذا البحث سعى الباحث جاهدا إلى الإجابة على ثلاثة أسئلة وهي:

 

- إلى أي مدى كانت جزيرة البلقان في أوربا الشرقية مضرب المثل ومهد التواصل بين الحضارات والثقافات المختلفة أيام الدولة العثمانية؟

 

- ما دور الدول النصرانية المجاورة بشقيها– الأرثودكسي والكاثوليكي– في أوربا الشرقية في تأجيج الحروب الطائفية والدينية وإعاقة الحوار بين المسلمين الألبان والصرب الأرثودكس؟

 

- ما دور رجال السياسة والفكر والدين الصربي الأرثوكسي في تقويض الحوار وإفشال عملية السلام بين الصرب الأرثودكس والمسلمين الألبان؟

 

وجاء هذا البحث في مقدمة وفصلين (في كل فصل ثلاثة مباحث) وخاتمة:

 

تحدث الباحث في مقدمته عن المعاناة التي عاشها المسلمون الألبان في كوسوفا بسبب عداوة واعتداءات الصرب الأرثودكس، مع الإشارة إلى أن الوقوف على عوامل وأسباب ارتكاب المذابح الدامية من قبل الصرب تجاه الشعب الألباني المسلم الأعزل، له أهمية كبرى في تاريخ الحوار بين الحضارات والشعوب والأديان في العصر الحديث.

 

الفصل الأول: الجزيرة البلقانية اجتماعيًا ودينيًا في العصر الحديث:

 

المبحث الأول: الجزيرة البلقانية– جزيرة التواصل بين الحضارات والثقافات أيام الدولة العثمانية:

 

بين الباحث في هذا المبحث أن المسلمين في الجزيرة البلقانية قد تعايشوا في ظل الدولة العثمانية مع أتباع الأديان والثقافات الأخرى في الجزيرة البلقانية، حيث عاش في ظل هذه الدولة المباركة الألبان والصرب والبوسنيون والأكراد والأتراك والعرب والأرمن والبربر والتشراكسة والسلاف..الخ، وأتباع كافة الفرق والطوائف الدينية اليهودية والمسيحية والإسلامية، السنية وغير السنية والقاديانيون والبهائيون والمندائيون والبهرة...الخ، بأمن وأمان، ولم تسجل تاريخ الدولة الإسلامية على اختلاف عهودها حادثة اضطهاد ديني واحدة.

 

وأن الدولة العثمانية كانت تتبنى "نظام الملة" العثماني، الذي كان يستمد أحكامه من حقوق أهل الذمة في التشريع الإسلامي، وكانت دولة معارضة للفكرة القومية، ولم تكن دولة تركز على العرق التركي الطوراني.

 

المبحث الثاني: إطلالة على الأحداث السياسية في جزيرة البلقان – ملامح عقبات الحوار:

 

بين الباحث أنه من خلال دراسته وتتبعه للأحداث والتطورات التاريخية في منطقة البلقان في القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، استطاع أن يلاحظ جملة من العوامل والأسباب الرئيسة، التي كان لها دورها الفعال والمباشر في تأجيج النزاعات وإشعال الحروب بين الشعوب الإسلامية والشعوب السلافية الأرثودكسية، وقد أشار إلى جملة منها، والتي منها قيام سكان الجبل الأسود والصرب بتحريض بلاد الهرسك للخروج على الدولة العثمانية، ومنها أن الدول الأوربية أخذت في نشر الشائعات عن المجازر التي ارتكبها العثمانيون ضد النصارى والعكس هو الصحيح، ومن ذلك تحريض رجال الدين الأرثودكس من الروس الشعوب السلافية الأرثوكسية ضد الإسلام والمسلمين وتقويض الحوار ونشر الظلم والبغض والكراهية.

 

المبحث الثالث: من الآثار السلبية الناجمة عن تلك المواقف المشينة الغربية تجاه الإسلام والمسلمين.. انهيار الدولة العثمانية وتأثير ذلك على المسلمين الألبان في جزيرة البلقان

 

عرض الباحث لأكثر من سبب من أسباب سقوط الدولة العثمانية، ثم ختم هذه الأسباب بذكر رأيه بقوله "يبدو للباحث أن الإعلان والتبني الرسمي لإدخال الإصلاحات الإدارية والتنظيمات الدستورية في دستور الدولة العثمانية، والتي تولدت من بعض العثمانيين المثقفين والمتعلمين في الدول الغربية، يعتبر ذلك من كبرى بدايات العوامل التي أدت إلى ضعف وانهيار الدولة العثمانية".

 

وبين الباحث أن هذه الإصلاحات الإدارية أدت إلى توافد الموظفين من مركز الدولة العثمانية ومن جنسيات وشخصيات أجنبية غير ألبانية، مما سبب ذلك إحراجاً على الألبان وردة فعل سلبي لديهم، إلى غير ذلك من السلبيات.

 

الفصل الثاني: تآمر القوى السياسية والدينية الأرثودكسية والكاثوليكية على إبادة المسلمين:

 

المبحث الأول: الحركة الدينية الروسية والصربية الأرثودكسية وموقف الدول الأوربية المحايد تجاه القضية الألبانية المسلمة– عقبة أخرى من عقبات الحوار في هذا العصر:

 

بين الباحث في هذا المبحث أن الحركة الروسية السلافية الدينية الأرثودكسية كانت تهدف لتحرير وإنقاذ النصارى الأرثودكس من الحكم العثماني الإسلامي ومن الحكم النمساوي الكاثوليكي، وكانت تعتقد أن سكان روسيا وبولاندا وتشكوسلوفاكيا وصربيا وكرواتيا وبلغاريا وسلوفينيا، يعتبرون قومية واحدة وينحدرون من نسل وعرق مشترك.

 

وفيما يخص موقف الألبان أشار الباحث إلى أن الدولة العثمانية لو أحسنت في تعاملها مع الألبان وحافظت على كيانهم وقامت بتلبية بعض مطالبهم، لوجدوهم خير معين وأفضل نصير لهم، لأنهم تاريخياً أثبتوا تفانهيم وإخلاصهم ووفاءهم تجاه الدولة العلية، حيث لم تكن هناك بعثة عسكرية أيام الدولة العثمانية إلا وعلى رأسها قائدٌ ألبانيّ، شجاعٌ محنكٌ، وما ذلك إلا للمؤهلات القيادية والحربية التي كانوا يحملونها ويتمتعون بها دون غيرهم.

 

المبحث الثاني: موقف الدول الأوربية المخزي من تنفيذ مشروع التطهير العرقي الصربي للمسلمين الألبان والبوسنيين:

 

أشار الباحث إلى أن القادة السياسيين من الصرب كانوا يطيعون رجال الفكر والمعرفة من المستشرقين الصرب طاعة عمياء، حيث كان يتم تهجير الألبان المسلمين وإخراجهم من أراضيهم بتنسيق وتعاون كبير فيما بينهم، وأن المستشرقين الصرب هم الذين مهدوا الطريق أمام قادتهم.

حيث كان يرى المستشرقون أن صربيا إذا ما أرادت أن تكون آمنة ومطمئنة، فعليها أن تطهر أرضها من كل العناصر الغريبة ما عدا العنصر والعرق السلافي الصربي، وختم الباحث ببيان حجم الدور المخزي الذي قامت به الدول الأوروبية تجاه هذا الأمر.

المبحث الثالث: موقف رجال الفكر والسياسة والدين الصربيين المحايد والجائر من القضية الألبانية المسلمة– أكبر عقبة للحوار التعايش السلمي:

أشار الباحث إلى خطورة الدور الذي قام به رجال الفكر والمعرفة من الصرب، حيث غذوا شعبهم بسموم الخرافات والأساطير والأكاذيب حول الإسلام والمسلمين، كما أنهم كانوا يحرضون الشعب الصربي أن بعد زوال الدولة العثمانية حان الوقت لإحياء مملكة صربيا الكبرى من جديد حتى تنتقم من الإسلام والمسلمين وأن تتسلم هي زمام الأمور في الجزيرة البلقانية، وقد عضد الباحث هذا الرأي بعدد من الوثائق والشهادات.

الخاتمة:

ختم الباحث هذه البحث ببيان أن أزمة المسلمين في الجزيرة البلقانية (البوسنة وكوسوفا وبلغاريا واليونان وأوربا الشرقية والغربية وفي أميركا) لن تحل أبداً ولن يرى العالم النور والسلام والتعايش السلمي بين الطوائف الدينية المختلفة، بنفس تلك المواقف المخزية التي كانوا عليها أجدادهم من الإنكليز والألمان والنمسا والروس وقل الآن الأمريكان...وأنه لا بد من الموضوعية، ولا بد من الجدية، ولا بد من النزاهة، ولابد من إعطاء كل ذي حق حقه، أياً كان بغض النظر عن دينه، أو عرقه أو جنسه..بمعنى آخر لا بد من العدل و التسوية المعتدلة بين الطرفين المتنازعين.

ـــــــــــ

(*) من أبحاث مؤتمر (الحوار مع الآخر في الفكر الإسلامي) الذي نظمته كلية الشريعة والدراسات الإسلامية بجامعة الشارقة بدولة الإمارات العربية المتحدة خلال الفترة  28-30 ربيع الأول 1428هـ الموافق 16 – 18 أبريل 2007م.

(**) أستاذ الدراسات الإسلامية المساعد– قسم العلوم الإنسانية وتقنياتها– كلية المجتمع جامعة طيبة– المدينة المنورة– المملكة العربية السعودية.

لتحميل الدراسة اضغط هنا:

 
 
   Bookmark and Share      
  
 عقبات الحوار وعوامل فشله في العصر الحديث- التجربة الكوسوفية مع الصرب...

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7