الأحد 17 فبراير 2013
New Page 1

 

العولمة الثقافية في ضوء العقيدة الإسلامية  عرض ونقد

 

كلية الدراسات العليا- الجامعة الأردنية

إعداد : مبارك العنزي

 

المشرف : الدكتور أحمد بن عبد حسين العوايشة

 

أصبحت العولمة فلسفة تملأ الدنيا وتشغل الناس , بعد أن شهد العالم منذ أربعينيات القرن الماضي تحولات سياسية واقتصادية واسعة النطاق , تمثلت في قيام أحلاف وتكتلات سياسية واقتصادية وعسكرية ذات توجهات متضاربة , كنتيجة طبيعية للحرب العالمية الأولى والثانية .

 

وعلى الرغم من انقسام الآراء وتنافس المواقف إزاء العولمة , إلا أنها استقطبت اهتمام المثقفين والسياسيين والاقتصاديين وعلماء الاجتماع وغيرهم , ويمكن اعتبار الجانب الثقافي أهم أثر من آثار العولمة , بسبب ظهور تيار يريد جعل العالم قرية صغيرة و إحداث اتصالات وتبادلات للثقافات بين الدول , مما يشكل تهديدا للقيم الثقافية وما يرتبط بها من أخلاق ومبادئ يشكل الدين أساسا لها, خاصة بالنسبة للثقافة الإسلامية التي تشهد هجمة شرسة لا مثيل لها في تاريخ الصراع الثقافي على امتداد الزمن, لأن الثقافة الإسلامية تشكل بما تحويه من قيم حضارية إنسانية حصنا منيعا يقف في وجه التحديات الكبرى التي تجتاح ثقافات العالم , وتسعى لتفكيك الانتماءات التاريخية والثقافية للشعوب.

 

وإذا كانت العولمة بمعناها اللغوي البسيط تعني الكونية أو العالمية , فإنها بمعناها الاصطلاحي تعني تعميم النمط الأمريكي ليشمل العالم كله اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا , وهذا هو الوجه التطبيقي للعالمية الإنسانية التي دعا إليها اليهود من أجل السيطرة على العالم.

 

أما العولمة الثقافية فهي تعني إشاعة قيم ومبادئ ومعايير الثقافة الأمريكية , وجعل النموذج الأمريكي نموذجا كونيا يتوجب تبنيه وتقليده , مستفيدة من التطور الهائل في وسائل الإعلام والتقنيات العلمية والمعرفية.

 

وبغض النظر عن تاريخ ظهور العولمة ونشأتها , فإن أهم العوامل التي أدت لظهورها الثورة التكنولوجية وثورة الاتصالات , إلى جانب عولمة الإنتاج وانفراد أمريكا بالسيطرة على العالم , بعد انهيار الاتحاد السوفيتي.

 

وتحت شعارات براقة مغرية للعولمة كاستقرار العالم وتوحيده , وتوفير فرص العمل ونشر التقنية الحديثة وتسهيل الحصول عليها , تخفي العولمة غايات وأهداف بشعة كالسيطرة على العالم وإشاعة المفاهيم والقيم النفعية المادية كبديل عن القيم الإيمانية الإسلامية.

 

عند هذه النقطة ينهي الكاتب الفصل الأول الذي تضمن تعريف العولمة ومراحل نشأتها وتطورها , وأهدافها الحقيقية ووسائل تحقيقها , لينتقل بنا إلى الفصل الثاني الذي يستعرض فيه أثر العولمة الثقافية على العقيدة الإسلامية.

 

لقد كان لهذه العولمة أثر على العقيدة الإسلامية بمختلف أركانها وأسسها, ففي مقابلة إيمان المسلمين بإله واحد خالق ومدبر لهذا الكون تخضع له سائر الكائنات والمكونات , تقوم العولمة الرأسمالية على سيادة الإنسان في الأرض وعدم خضوعه لأحد , وما الدين والإله في نظرهم سوى فكرة عبثية وجريمة ضد الحياة كما يقول فريدريك نيتشه , أحد أكبر منكري وجود الخالق عزوجل .

 

لقد قادت العلمانية ذات الارتباط الوثيق بالعولمة التحدي في وجه العقيدة الإسلامية, فنازعت الإسلام سلطانه الثقافي , وحاولت سلب المسلمين حقهم في إقامة نظام حياتهم وفقا للإسلام , بوصفه عقيدة وشريعة ومنهج حياة , وذلك من خلال إضعاف عقيدة الألوهية أو تهميشها , وتصوير الحياة على أنها متعة ورفاهية ومتعة , مما يدعم ثقافة المادية في الحياة بين صفوف المسلمين .

 

أما النبوة والرسالة فإن الإنسان بعقله وفكره وقدراته يشكل بديلا للرسل والأنبياء في نظر العولمة الثقافية , فالرسالة والنبوة جهد بشري وقدرات شخصية في الرسول استطاع أن يوظفها بذكائه مستغلا جهل وحاجة الناس من حوله كما تقول العولمة.

 

لقد شككت العولمة بالأنبياء , وحطت من مكانتهم في قلوب الناس , بوسائل المكر والتضليل وغسل الأدمغة , ورفع شعار الحداثة والتطور كبديل للأنبياء الذين عاشوا في زمن الجهل والتخلف كما يقولون.

 

أما القضاء والقدر فقد استغل بطريقة خبيثة ماكرة , من قبل الذين يحملون لواء ثقافة العولمة , وذلك  بزعمهم أن القضاء والقدر هو سبب تخلف المسلمين بكونه يدفع الناس للكسل وعدم العمل , بينما الحقيقة عكس ذلك تماما , فالإيمان بالقضاء والقدر يعتبر من أعظم أسباب العمل المثمر وعدم الركون والقعود والكسل , لأن المؤمن إذا أخفق مرة فإن إيمانه بالقضاء والقدر يدفعه للنهوض من جديد ومواصلة العمل, ليقينه أن ما جرى من باب القضاء والقدر , بينما الأمراض الجسدية والنفسية تأكل أجساد وقلوب الغربيين العلمانيين عند أول فشل أو هزيمة لافتقارهم إلى هذا الركن العظيم من أركان الإسلام.

 

لقد وصلت نار العولمة الثقافية إلى صلب العقيدة والدين , من خلال ما يسمى بحوار الأديان , الذي بدأه الغرب بإرسال بعثة فرنسية إلى الأزهر عام 1932 لمفاوضة علمائه على فكرة توحيد الأديان الثلاثة ( الإسلام واليهودية والنصرانية ) بدين ملفق جديد يخرج المسلمين من دينهم , ولا يدخلهم إلا في عبادة ذواتهم وشهواتهم كما يخطط لذلك أصحاب العولمة الثقافية الجديدة .

 

أما الفصل الثالث والأخير فيخصصه الكاتب للحديث عن النظرة المتبادلة بين الإسلام والعولمة كل منهما للآخر وللعالم .

 

 فالنظرة إلى العالم تختلف اختلافا جذريا بين الإسلام وأصحاب العولمة الثقافية , أما أصحاب العولمة الثقافية فينظرون إلى العالم نظرة استعمار واستعباد , من خلال صبغ العالم بأسره بالصبغة الأمريكية , وتفريغ العالم من الهوية الوطنية والدينية , مستغلين ضعف العالم العربي والإسلامي في شتى مجالات الحياة .

 

أما نظرة الإسلام إلى العالم فهي نظرة إيجابية تنموية , تدعو إلى إقامة العدل والمساواة بين الناس جميعا ولو كانوا غير مسلمين , مع الاحتفاظ بحرية العقيدة والقيام بالشعائر الدينية لكل البشر , بالإضافة إلى الحكمة والموعظة الحسنة في الدعوة للإسلام , التي لا تجبر أحدا على الدخول فيه دون قناعة أو اختيار , مما لا يلغي ثقافات الآخرين ولا يتسلط عليها .

 

ونتيجة لاختلاف النظرة للعالم بين الإسلام من جهة و الغرب الذي يقود العولمة الثقافية من جهة أخرى , فإن العداء الكبير من قبل الغرب للإسلام والمسلمين لا يمكن وصفه ولا تقديره , فهو حجر العثرة التي تقف في وجه العولمة الثقافية الغربية والتي لا بد من كسرها أو تذويبها للوصول إلى العولمة المطلوبة .

 

ومن أجل ذلك نرى الغرب يصور المسلم على أنه إرهابي , لا لأنه ارتكب جريمة أو مخالفة , بل لأنه يحمل تلك العقيدة والقيم والأخلاق الإسلامية , ووصفها بأنها رجعية ومتخلفة سترجع بالعالم إلى العصر الحجري , وبالتالي فهذا المسلم الإرهابي كما يدعون يشكل خطرا لا بد من القضاء عليه .

 

بينما نظرة الإسلام إلى العولمة الثقافية تتلخص في الاستفادة من الجوانب الإيجابية ما دامت لا تخالف العقيدة , والتحذير الدائم من تداعياتها السلبية, من خلال اتخاذ كافة الاجراءات والتدابير التي تسهم في الحد من غلوائها وآثارها.

 

إن الحديث عن الآثار السلبية للعولمة الثقافية على الهوية الإسلامية أمر بالغ الأهمية والخطورة , نظرا للتهديدات التي جاء بها هذا النوع من العولمة , وما تحمله من أفكار تسهم في قولبة العقيدة , والقيام بملايين العمليات الخاصة بغسيل الأدمغة وإعادة تشكيل الهويات .

 

وتتمثل الآثار السلبية للعولمة الثقافية على الهوية الإسلامية في خلخلة عقيدة المسلمين والتشكيك بها , عبر وسائل التكنولوجيا الحديثة التي يسيطر عليها الغرب بشكل عام , فإذا ضاعت عقيدة المسلم أو ضعفت فإن الثقافة الغربية ستدخل قلبه وحياته من حيث يدري  أولا  يدري , خاصة مع التفاوت الكبير جدا بين التطور الغربي في شتى مجالات الحياة , والتقهقر الإسلامي , مما يجعل الثقافة الغربية أكثر خطرا وأشد تأثيرا .

 

إن الغزو الثقافي الغربي اليوم يشهد امتدادا على الساحة الإسلامية كبيرا , فانتشار المصطلحات الغربية  كتحرير المرأة , وقضايا الأسرة وقوانينها , بالإضافة إلى الحرية الفردية التي ينادي بها الغرب ليل نهار , والحب الذي يعني الفاحشة و المعصية , ناهيك عن المادية البغيضة التي انتشرت بين المسلمين , متزامنة مع الضعف الروحي طبعا , هي أكبر مثال على خطورة هذه العولمة وآثارها السيئة على عقيدة المسلم .

 

ولا يعني ذلك أن العولمة كلها شر من وجهة نظر الإسلام , بل فيها شيء من الإيجابيات , لا بد من استثمارها في نشر الإسلام وخدمة المسلمين , فالاستفادة من التقنيات الحديثة اليوم وسيلة رائعة لنشر الإسلام على أوسع نطاق وإظهار الصورة الحقيقية للمسلمين, أضف إلى ذلك الاستفادة من جميع الأفكار المتعلقة بالاختراعات والعلوم الحديثة الموجودة عند الغرب , والتي من واجب المسلمين استقدامها لدولهم للتطوير التحديث فيها .

 

ومن خلال استشراف المستقبل الذي دعا إليه الإسلام , لا بد أن نتوقع استمرار عداء الغرب للإسلام من خلال مهاجمة كل ما هو إسلامي للقضاء عليه , وكذلك شدة الغزو الثقافي الغربي عبر شبكة الانترنت والمواقع الالكترونية , أضف إلى ذلك زيادة التكتلات الدولية , فلا وجود في المستقبل للدول الأحادية , مما يستدعي المسلمين للعمل الجاد على بناء ثقافة إسلامية متينة تقاوم ما هو متوقع وآت بلا شك وقد علمنا الإسلام ورسوله صلى الله عليه وسلم استشراف المستقبل والتخطيط والاستعداد له بكل الوسائل الممكنة .

 

 وفي الختام ذكر الكاتب أهم النتائج ومنها :

 

1- العولمة الثقافية أخطر من العولمة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية لكونها تقدم مرجعية مختلفة تماما للأمم والشعوب .

 

2- تشكل العولمة الثقافية خطرا على العقيدة الإسلامية من خلال نشر الإلحاد والتشكيك بالأنبياء والاستهزاء بالقضاء والقدر .

 

3- هناك فرق جوهري بين نظرة الإسلام للعالم, ونظرة أصحاب العولمة الثقافية للعالم .

 

4- للعولمة الثقافية آثار سيئة على الهوية الإسلامية , تتمثل بخلخلة العقيدة وترويج الأفكار الغربية وتقليد النصارى وغيرها.

 

وقد ذكر الكاتب بعض التوصيات العميقة والمهمة, كتشكيل لجنة من كبار علماء المسلمين لدراسة العولمة الثقافية وتداعياتها على الأمة الإسلامية لتحديد سبل التعامل معها , بالإضافة إلى توظيف وسائل الإعلام في خدمة الإسلام والمسلمين , وغيرها من التوصيات البناءة الجديرة بالاهتمام والتطبيق.

 

جزاه الله تعالى الكاتب كل خير , وجعل عمله في صحيفة عمله يوم القيامة إنه سميع قريب مجيب.

لتحميل الدراسة انقر هنا:

 
 
   Bookmark and Share      
  
 العولمة الثقافية في ضوء العقيدة الإسلامية  عرض ونقد

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7