الأحد 24 فبراير 2013

 

 

 

المسيحية البروتستانتية وعلاقتها بالصهيونية في الولايات المتحدة الأمريكية دراسة عقدية تحليلية

 

رسالة لنيل درجة الماجستير في العقيدة

 

كلية الدراسات العليا – الجامعة الأردنية

 

إعداد : راجح إبراهيم محمد السباتين

 

المشرف : الأستاذ الدكتور محمد احمد الخطيب.

ـــــــــــــــــ

منذ فترة وجيزة وتحديدا في نهايات القرن الماضي انتشر على الأفق مصطلح ارتبط ارتباطا وثيقا بالسياسة الخارجية الأمريكية وفي تعاملها مع المنطقة الإسلامية كلها وخاصة في الحروب على أفغانستان والعراق وغيرها وارتبط بشدة بشخص الرئيس الأمريكي جورج بوش ومن بعده وهو مصطلح المسيحية الصهيونية أو الصهيونية المسيحية لتدل دلالة وثيقة عن تحالف موجود وقوي بين المسيحيين واليهود على عدو مشترك لهما وهو الإسلام.

وظن كثير من الناس ان هذا التحالف تحالف سياسي فقط لمقتضيات مرحلة بالنسبة لهم , فقد غلب على تفسير الكثيرين للتحيز الأمريكي الدائم لإسرائيل النظرة دوما للأسباب السياسية أو غلبة تأثير المال اليهودي والإعلام المصاحب لهم على القرار الأمريكي ويدللون على ذلك بتأثيرهما الكبير في الحملات الانتخابية بالإضافة إلى اللوبي اليهودي الذي يستطيع التحكم بدرجة كبيرة في الناخب الأمريكي ,  ولكن الأمر بدا أعمق من مجرد تحالف وقتي إذ وجد انه تحالف عقدي بدا منذ قرون عدة وتحديدا منذ ظهور الحركة الانشقاقية على الكنيسة والتي سميت بالبروتستانتية على يد مارتن لوثر .

ولهذا جعل الباحث تلك العلاقة هي قضيته الأساسية في دراسته وبحثه ليبين الجذور العقدية لهذا التحالف وليبين ان هذا التحالف قائم لليوم وربما سيظل لسنوات حاكما ومسيطرا على الفكر النصراني الغربي وخاصة في تعاملهم مع الإسلام , فكانت هذه الفكرة الأساسية التي سيدور حولها هذا البحث بكل فصوله وأبوابه .

فقد عانى الناس في القرون الوسطى في أوروبا من تغول كنسي بامتلاك الكنيسة سلطات واسعة جدا منحها القساوسة لأنفسهم مما جعلهم يتحكمون في كل شئ ومن يخالفهم يجد نفسه متهما بالمروق والزندقة ويحكم عليه بالموت رجما أو حرقا , وأصبح الدين سلعة دنيوية تباع وتشترى وتعود على ملاكها بالمكاسب المادية فانتشرت ظاهرة بيع "صكوك الغفران" على يد الباباوات وبيع قطع من الجنة لأناس في الدنيا باستخفاف بالغ للعقول واستغلال فاضح للدين

وجاء رد الفعل في صورة فكرة حملها رجل مثل مارتن لوثر الألماني الأصل الذي أراد أن يتخلص من السلطات المطلقة للكنيسة فانشق عنها وواجه هذا التطرف الشديد بتطرف آخر في الاتجاه المعاكس إذ نادى بالحرية الكاملة المطلقة التي لا تضع الدين عائقا أمامها ولا تترك لأي نص ولا لشخص قداسة فقتل فيهم النظرة الدينية .

وفي صراع مارتن لوثر مع الكنيسة في روما طرح بحثه الأهم وهو "بحث في بيان قوّة صكوك الغُفران" الذي طرح فيه خمسة وتسعين أطروحة بدا بها حركة الانشقاق .

ولم تكن الحرب بينه وبين الكنيسة سهلة الخوض لقوة نفوذ الكنيسة حينها فكان لابد له من حليف يتحالف معه ويستمد منه النصرة والعون المادي بالإضافة لخبرتهم الكبيرة في حبك المكائد وإيقاع الدسائس واستخدامهم لكل الوسائل منها الأخلاقية وغير الأخلاقية , ولم يجد حينها أفضل من الارتماء بين أحضان اليهود ومن هنا ظهر المبدأ البروتستانتي كحلقة وصل بين النصرانية المشوهة واليهودية المحرفة ليخرج مزيج أكثر تشوها لكليهما وهي البروتسانتية الصهيونية

وبدا مارتن لوثر في التقرب من اليهود بانتقاد موقف السلطة الكنسية منهم ووصف تعامل الكنيسة مع اليهود على أنهم -حسبَ تعبيره - "كلاب لا بشر" ، وأصدر كتيبا صغيرا حمل عنوانا له دلالة واضحة ومباشرة للمزج بين الديانتين والذي أصبح بعد ذلك شعارا لتلك المرحلة بعنوان : "المسيح وُلِدَ يهوديّا".

وظهر في بداية الأمر أن مارتن لوثر يدعو اليهود للدخول في النصرانية ليجمع شتات أتباع الديانتين فيقول في كتابه المذكور آنفا : " آملُ أنَّ الواحدَ منّا لو تعاملَ مع اليهود برفقٍ ، وعلمهم بكياسةٍ من خلال الكتاب المقدّس ، فيتحوّل العديدُ منهم إلى مسيحييّن مُخلِصين " , ويغازل اليهود أحيانا كثيرة بكتابه بالتنكر للوجود النصراني وإبراز قيمة اليهود فوقهم كنوع من طلب الود أو إظهار البواطن فيقول : " قبل أن نتفاخرَ بموقفنا يجبُ أن نتذكَّر أننّا مجرّدُ "أغرابٍ" أمّا اليهود فيتّصلُ نسبُهم بالمسيح، نحن غرباءُ وأباعدُ، أمّا هم فأقاربُ وبنو عمومةٍ وإخوةٌ للرب " , ولهذا كانت دعوة مارتن لوثر انقلابية في تاريخ الكنيسة إذ تحول اليهود فيها من كونهم " كلابا لا قيمة لهم " في نظر الكنيسة فحولهم مارتن لوثر ودعا الناس لاعتبارهم أصل المسيحية كلها ونادى باحترامهم وتقديرهم .

واستغل اليهود تلك الدعوة المناهضة للكنيسة والتي لاقت رواجا باعتبار مصادمة الكنيسة للعلم وفرحة الناس بالتخلص من السلطة المطلقة للكنيسة فاستغلوا هذا الجو العام لتثبيت عدة عقائد تخدم اليهود وتبرئهم من دم المسيح – بحسب معتقداتهم أما معتقداتنا كمسلمين انه لم يقتل بل رفعه الله للسماء – وترفع قدر اليهود مثل الادعاء بأن اليهود "أبناء الرب" وأنهم شعب الله المختار وأن اليهود هم أهل المسيح وعترته ولهم على عموم النصارى حرمة خاصة  النسب ويجب دعمهم وخدمتهم و"تطييب خواطرهم" , وهذا يفسر لنا الوضع العجيب والغريب من تعامل الغرب المسيحي مع الدولة اليهودية المغتصبة في فلسطين الذي يبدو وكأن اليهود في العالم هم الأسياد وان النصارى لا يعدون مجرد خدم لهم مسخرون لتحقيق أهدافهم ويدفعون من ثمرات أعمالهم ومن خاصة أموالهم الكثير لخدمة سادتهم في تل أبيب .

وكان كتاب " المسيح ولد يهوديا " انقلابا فكريا بمعنى الكلمة وأوجد تحولا جذريا في الفكر النصراني تجاه اليهود , واستغل اليهود أفكار الكتاب فنشروه على أوسع نطاق في كل أنحاء أوروبا وبأثمان لا تصل لعشر ثمن طباعته , وصار المذهب البروتستانتي - الذي يحمل في حقيقته نصرانية مختلطة باليهودية بمزج يخدم اليهود أكثر مما يخدم النصارى – صار له أتباع في كل مكان واستمر الصراع التاريخي بينه وبين الكنيسة مدة طويلة يكسب فيها البروتستانت أنصارا جددا دائما لأنهم يوهمون الناس بان صراعهم مع الكنيسة صراع إصلاحي علمي في حين يفقد أنصار المذهب الكاثوليكي الكثير من الأنصار بمرور الوقت .

هذا ولم يكن ذلك الصراع في ذلك الوقت إلا داخل أوروبا وحدها ولم ينتقل لغيرها بعد .

وجاءت المرحلة التالية وهي الأكثر خطورة في العلاقة النصرانية اليهودية بظهور جماعة "البيوريتان" أو "المتطهّرين" [1] الذين انتقلوا بالبروتستانتية إلى الجزر البريطانية وخاصة في الولايات المتحدة الأمريكية الوليدة فأسسوا تلك الدولة على هذا المذهب الديني الجديد ورأوا فيها تجسيدا واقعيا لحلم قديم ومثلت لديهم "كنعان الجديدة" وبل ووصفوا أنفسهم بأنهم " الصفوة التي اختارها الرب لحمل رسالته للعالم " واعتقدوا اعتقادا جازما بـ " أن هنالك عهدا بين الرب وبينهم وأنه جعل لهم دوراً مركزيا وهاما في خطته للكون " , فعملوا على إحياء اللغة العِبرية وجعلوا مقولات العهد القديم المصدر الأول للمعلومات التاريخية والفلسفية الحياتية واتخذوا من تلك الآراء والمعتقدات اليهودية الصهيونية المرجع الأول في السياسة الدولية الخارجية حتى وصلت إلى ما وصلت إليه في يومنا هذا .

وهذا يفسر ما يفعله الولايات المتحدة بكافة حكوماتها المتعاقبة في دعمهم المطلق اللانهائي لليهود في فلسطين وخارجها ووقوفهم الدائم باستخدامهم الفيتو المتعاقب والمتكرر والغير مبرر والغير مبني على قواعد أخلاقية دوما في جانب إسرائيل ضد الحق العربي

وهذا يفسر لنا أن أمريكا لم تكن يوما من الأيام ولن تكون شريك سلام ولا واسطة بين العرب واليهود لأنها هي الأصل وما إسرائيل إلا فرعا من فروعها زرعته داخل الأمة العربية والإسلامية .

وفي ختام بحثه القيم جدا والذي يفسر لنا كثيرا من الإشكاليات الحالية يقدم الباحث عدة توصيات جليلة منها :

- توجيه الدراسات المتعلقة بالأديان والعقائد في الجامعات نحم مثل هذه الدراسة وتخصيص مواد لتدريس معتقدات وشرائع الطوائف المسيحية الصهيونية

- زيادة مخزون مكتبات الجامعات بهذا الموضوع

- تشجيع طلبة العلم الشرعي على حضور الندوات والمظاهرات التي تعقد بغرض مناقشة اليمين المسيحي

- ضرورة تسلح طلبة العلم الشرعيين في هذا الميدان وغيره باللغة الإنجليزية لمتابعة كل نتاج فكري يتعلق بالموضوع لضرورته وأهميته ولخطورته أيضا

وفي النهاية جزى الله الباحث الكريم خير الجزاء على بحثه القيم الطيب وأسال الله أن يتقبله منه وان ينفع به وببحثه هذا


[1] من الموسوعة العالمية ويكبيديا " التطهيرية أو البيوريتانية (بالانجليزية: Puritanism أو Puritan)، هي مذهب مسيحي بروتستانتي يجمع خليطًا من الأفكار الاجتماعية، السياسية، اللاهوتية، والأخلاقية. ظهر هذا المذهب في إنجلترا في عهد الملكة اليزابيث الأولى وازدهر في القرنين السادس والسابع عشر " ثم  "  انتشرت في الولايات المتحدة الأمريكية، حيث كان لها تأثير على المؤسسات الاجتماعية والسياسية والدينية، وتفرعت منها طوائف مثل: الأبرشيين أو المستقلين والموحدين ".

 

 
 
   Bookmark and Share      
  
 المسيحية البروتستانتية وعلاقتها بالصهيونية في الولايات المتحدة الأمريكية...

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7