الخميس 28 فبراير 2013

صوارف فهم القرآن الكريم وعلاجها

قدمت الرسالة استكمالا لمتطلبات الحصول على درجة الماجستير في التفسير

كلية الدراسات العليا-الجامعة الأردنية

إعداد: سامية عاهد محمد حرب

المشرف: الأستاذ الدكتور: محمد خازر المجالي

أنزل الله تعالى القرآن ليكون دستوره الأمثل ورسالته الخالدة إلى الإنسان في الأرض, وحري بمن حمل هذا الدستور العظيم, وتلك الرسالة الإلهية أن يجيل نظره فيه ليدرك مقاصده ومراميه , ويستنطق تعاليمه وتوجيهاته , ويتجاوز كل ما من شأنه أن يحول دون فهمه وتمثله , ويصرفه عن ينبوعه الصافي.

إن فهم القرآن الكريم ذو أهمية عظيمة, فهو يساعد على حفظه في الصدور, وسهولة تطبيقه وتفعيله في الواقع المعاش,كما أن فهم القرآن يساعد في تحقيق الشهود الحضاري لأمة الإسلام.

لقد حث القرآن الكريم على التدبر والتفكر عند تلاوته وقراءته فقال تعالى: ( أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا ) (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ) ودعا إلى الإنصات عند سماعه لتعلم أحكامه ومقاصده ومواعظه فقال تعالى : (وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ ) وحفز الإنسان على استخدام الآلات المعينة على التدبر كالسمع والبصر والفكر والحواس فقال تعالى : ( قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ ) (وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا)

وجاءت السنة والسيرة النبوية الشريفة لتسهل على المسلم فهم القرآن من خلال تصحيح الرسول لفهم الصحابة الخاطئ لبعض آيات القرآن , فعندما فهم الصحابة الكرام المراد من الظلم في قوله تعالى: ( الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ ) ظلم النفس بالمعصية , وشق ذلك عليهم فمن ذا الذي يسلم من المعصية ؟! بين لهم صلى الله عليه وسلم المراد بالظلم هنا وهو الشرك مستدلا بقوله تعالى : (وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ) بالإضافة لكون الرسول الله صلى الله عليه وسلم شارحا للقرآن بسلوكه وعمله , فقد كان قرآنا يمشي على الأرض , فقد سئلت السيدة عائشة رضي الله عنها عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: (كان خلقه القرآن)

كان هذا تمهيدا مناسبا للدراسة بعد المقدمة التي بينت فيها الباحثة أهمية البحث والمنهج المتبع فيه , لندخل في صلب موضوع البحث وهو صوارف فهم القرآن الكريم , التي قسمت لقسمين في فصلين اثنين , الأول الذي تناول الصوارف النابعة من ذات الكيان الإنساني سواء منها العقدية والنفسية والمعرفية , والثاني الذي تمثل في الصوارف الناجمة عن البيئة المحيطة بالفرد ثقافية كانت أو اجتماعية أو علمية أو سياسية غير ذلك .

أما الصوارف المنبثقة من الفرد ذاته:

فيمكن أن تكون عقائدية , فالكفر أول هذه الصوارف وأعظمها , فأنى للكافر أن يفهم كلام الله تعالى وقد ستر مكامن القلب والفطرة بحجاب سميك , قال تعالى : ( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ * خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ )

والنفاق صارف عقدي أيضا عن فهم القرآن الكريم قال تعالى : ( وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُون ) وألحق الفسق والظلم بالصوارف العقدية لكونهما  ربما ينبثقان عن عقيدة وإقرار .

وأما الصوارف النفسية والخلقية , فالجامع المشترك لها المعاصي بأنواعها , فالمعاصي إذا اجتمعت على القلب ورثته قسوة تصرفه عن فهم كلام الله تعالى ( كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ * كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ ) فالمعاصي كانت في الآية سببا في تشكل الحجاب المانع من رؤية الله تعالى ونيل رحمته .

ويندرج تحت الصوارف النفسية والخلقية  بعض الأخلاق الذميمة :

 كالحسد وحب الدنيا وكراهية الحق والاستهزاء والعجب و الكبر عن آيات الله تعالى وعبادته قال تعالى : (سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ)

وآخر الصوارف المتعلقة بالفرد ذاته هي الصوارف المعرفية والمنهجية, فالقارئ للقرآن هنا لا يصرفه عن فهم القرآن صارف عقائدي كالكفر والنفاق, ولا صارف نفسي أخلاقي كالحسد والكبر, وإنما الصارف هنا معرفي , فالجهل الناشئ عن اتباع الهوى يصرف المسلم عن فهم كتاب الله تعالى (فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ) وكذلك المادية التي قد تعيق الفرد عن استيعاب الأمور الغيبية في القرآن الكريم أو الآيات التي فيها ذكر لصفات الله تعالى , فيقع الفرد هنا بالتجسيد والتأويل, لتتناسب الآيات مع ما في ذهنه من مادية , فيصرفه ذلك عن فهم القرآن على حقيقته, كما حصل مع الماديين والمتأولين لآيات الصفات .

والغلو في الدين والتشدد فيه يعتبر من الصوارف المعرفية  التي تصرف الإنسان عن الفهم الصحيح للقرآن , فقد أوصل الغلو بالدين أهل الكتاب إلى الضلال والإضلال (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ ) وكذلك الجدل المذموم الذي لا يستند إلى علم وفهم , يعتبر صارفا معرفيا عن فهم القرآن الكريم , قال تعالى : ( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ )

ولا شك أن هذه الصوارف الفردية عن فهم القرآن الكريم تؤدي في النهاية إلى هجر القرآن بكل صوره وأشكاله, سواء هجر التلاوة أو هجر التدبر والفهم أو هجر العمل والتطبيق لأوامره ونواهيه, أو هجر الاحتكام إليه وتحكيمه عند النزاع.

والعلاج من هذه الصوارف الفردية يكمن بأضدادها , فالكفر يعالج بالإيمان والذنوب تعالج بالمدافعة والتوبة , والجهل يعالج بالعلم والتعلم ,والأخلاق بالتخلق والتمرس على فعل أضدادها كما قال الغزالي رحمه الله تعالى في كتابه الإحياء عن كيفية معالجة الأخلاق الذميمة .

وأما الصوارف النابعة من البيئة المحيطة بالفرد لا من الفرد ذاته , فهي كثيرة ومتنوعة , فالبيئة الثقافية والتعليمية قد تكون صارفا عن فهم القرآن الكريم , فالمجتمع الذي لا يفهم لغته العربية الأصيلة فهما صحيحا , بسبب انتشار اللغة العامية بشكل كبير مما جعل كثير من الناس لا يفهمون كلمة (فطر) مثلا وهي بمعنى  (شق) إلا بمراجعة معجم للغة , بالإضافة إلى الضعف الشديد في علوم اللغة العربية كالنحو والصرف والبلاغة وغيرها , أدى إلى وجود صارف ومانع من الفهم الصحيح للقرآن الكريم .

وكذلك قد تكون تجزئة القرآن إلى فقرات , وأخذ ما يروق وترك ما لا يروق , صارفا مهما عن فهم القرآن الكريم , فقد ذم الله تعالى أهل الكتاب لأنهم يفعلون ذلك , قال تعالى : ( أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض ) كما أن تفسير القرآن الكريم ببعض الروايات الضعيفة  والموضوعة أحيانا أخرى, بالإضافة للإسرائيليات المسوسة في بعض التفاسير بكثرة يعتبر سببا من الأسباب الثقافية والتعليمية الصارفة عن الفهم الصحيح للقرآن الكريم.

وعلاج ذلك لا يكون إلا بإيجاد مرجعية للقرآن الكريم , تقوم على شمولية النظرة لكتاب الله تعالى , والاهتمام بالسياق الواقعي والتفسير الموضوعي للقرآن الكريم , بالإضافة إلى الاهتمام باللغة العربية وعلومها والرجوع إلى السنة الصحيحة في تفسير القرآن حين وجودها .

وقد يكون الصارف عن فهم القرآن الكريم البيئة الاجتماعية والفكرية , فالتقليد الأعمى للآباء والأجداد , والتأثر بالأشخاص الذي يصل إلى حد التبعية المفرطة , والتعصب المذهبي العقدي أو الفقهي أو الفكري , وكذلك الرجل الإمعة الذي يميل مع الريح حيث مالت , كل هذه من صوارف فهم القرآن الاجتماعية والفكرية .

وربما يكون البيت ممثلا بالأب والأم والأقارب من صوارف فهم القرآن الاجتماعية , كما لو نشأ الولد على الكذب والفسق وسوء الخلق , أو اقترن بأصدقاء من هذا النوع وتلك الصفات , ويكمن علاج ذلك بتوفير بيئة أسرية صالحة , إلى جانب عدم تقديس شيء إلا القرآن والسنة , مع تدريب العقل على التدبر والتفكر .

وليس باستطاعتنا اغفال دور الإعلام الخطير في صرف الناس عن كتاب الله تعالى وفهمه , خاصة في وقتنا الحاضر الذي أصبح الإعلام فيه أداة خطيرة للشر والصرف والصد عن كتاب الله تعالى وشرعه, كما يمكن أن تكون أداة للخير إذا أحسن استخدامها , ولابد هنا من إيجاد إعلام إسلامي يوجه لخدمة القرآن وتعليم أساليب فهمه.

وبذكر النتائج والتوصيات ختمت الباحثة دراستها القيمة, التي سلطت الضوء فيها على قضية من أخطر قضايا الأمة , ألا وهي صوارف فهم القرآن الكريم وعلاجها, فجزاها الله تعالى عن الإسلام والمسلمين كل خير , وأعاد الله تعالى أبناء الأمة إلى فهم كتاب ربهم وسنة نبيهم صلى الله عليه وسلم ليكونوا كما قال الله تعالى ( كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ) .

 لتحميل الدراسة انقر هنا:

 
 
   Bookmark and Share      
  
 صوارف فهم القرآن الكريم وعلاجها

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7