الأحد 3 مارس 2013

الجانب المادي في الشخصية اليهودية في القرآن الكريم

 

رسالة قدمت استكمالا لنيل درجة الماجستير في التفسير

 

إعداد : آلاء محمد عصام مصباح عشا

 

المشرف : الدكتور أحمد نوفل

 

  لقد تعامل الخطاب القرآني مع اليهود باسمين اثنين هما أشهر ما عرفوا به بين الناس ، الأول  بنو إسرائيل ، والثاني اليهود , كما أنه كثيرًا ما توجهت الآيات القرآنية إليهم بوصفهم أهل الكتاب مع مشاركة النصارى في نصيب منه ، وبالتأكيد فإن لكل مسمى تنادوا به حكمة تناسب السياق والموضوع , ولا شك أن بني إسرائيل أحب الأسماء إليهم .

 

تظهر الدراسات التاريخية الفرق بين بني إسرائيل واليهود تماما كما يظهره السياق القرآني , فاليهود هم بذرة الفرع الخبيث لبني إسرائيل التي تكونت من سلسلة تفاعلاتهم السلبية عبر محطاتهم السوداء مع النبوة والرسالة ، وبدورها شكلت نواة ( اليهودية ) التي استقطبت حولها كل نفسية مهيأة لهذا النمط الفكري والسلوكي , وثمرة التفريق بينهما تخرج أنبياء بني إسرائيل وأتباعهم (الذين أسلموا ) من الدخول تحت المسمى اليهودي ، وتبقي لنا اليهودية كدين ارتضاه كفار بني إسرائيل بديلاً عن دين الإسلام .

 

والموضوع الذي أظهره القرآن في تعامله مع الشخصية اليهودية لا يفترِض أنها بدأت عهدها كمحط للشر كله ، ولكن يظهر لنا بدايات بذرة خبيثة تطورت شيئاً فشيئاً حتى تشكلت بالصورة المستقلة لشكل اليهودي المتعارف عليه بعد ذلك ، أي أن الموضوع ليس من قبيل الحكم المجحف بتعميماته الجاهزة , بل خطاباً منصفاً وحيادياً وغير منحاز ، من خلال استباق الحكم بشواهد للسلوك والممارسات ، ومن خلال إظهار الدوائر المشتركة ، التي يجتمع فيها السلوك اليهودي مع غيره ، كالنصارى أو المنافقين الموالين لهم مثلا ، أو أحياناً في الحكم الجزئي على فئة من اليهود دون غيرهم .

 

إن الطريقة العملية التي نستطيع أن نتعرف بها على الشخصية هي أن نبدأ في ملاحظة سلوك شخص ما وعلى مدى فترة طويلة من الزمن ، وأول ما نلاحظه هو خاصية الثبات التي يمتاز بها أسلوب معالجته للمواقف التي يغلب عليها السلوك بطرق ثابتة .

 

ويمكن تعريف الشخصية بأنها : مجموعة العوامل الداخلية الثابتة نسبياً ، والتي تجعل سلوك الشخص متسماً بالثبات والاستقرار في الأوقات المختلفة ، ومميزًا عن الآخرين في المواقف المتشابهة  .

 

ولا شك أن المادية التي تعنيها الكاتبة  ليست المادية العامية التي تعني حب النقود , بل المقصود بها هنا المعنى الفلسفي وهو الإيمان بأن العالم كله مادة تتحرك وأن كل ما يبدو أنه ليس مادة ( العقل والروح والنفس والفكر والوعي ) إنما هو في واقع الأمر مادة ويمكن تفسيره من خلال مقولات مادية .

 

بعد هذا التمهيد الضروري جدا لفهم الشخصية اليهودية المادية , بدأت الكاتبة بذكر جوانب هذه الشخصية المادية من خلال فصلين اثنين , شمل الأول الجانب المادي في الاعتقاد , بينما تحدث الثاني عن المادية اليهودية في الحياة .

 

فالعقيدة اليهودية المنحرفة لا بد أن يكون لانحرافها بواعث وأسباب هي ما يهمنا في هذا المبحث , وليس الوقوف على تفاصيل هذه العقيدة ومظاهر فسادها , ولقد قدم لنا التراث اليهودي مجموعة عقائد وتصورات هي في الحقيقة محددات واضحة للشخصية اليهودية بل ومميزة لها قدر تميز ما تفرزه هذه العقيدة من أفكار جديدة وغريبة على محصلة التراث الإنساني في عالم المعتقدات .

 

فالإله في الفكر اليهودي تجسيد حسي  في الذات والصفات , وهناك نصوص صريحة في تفسير ظهور الله على صورة إنسان في مواقع متعددة من التوراة , والإله في فكرهم ينسى ويكذب و لا يعلم الغيب ويصفونه بالبخل وحب سفك الدماء .

 

والوحدانية في الفكر اليهودي لم تكن يوما وحدانية على الحقيقة , بل هي عبارة عن تغليب لرب من الأرباب على الأرباب , ولم يخط اليهود خطوة غير هذه الخطوة , وهي أن لليهود إلها يعلو على آلهة البشر .

 

والإله أيضا في الفكر اليهودي مجرد لقب يمكن أن يحصل عليه نبي مما يؤكد انعدام إدراك المعنى الحقيقي لمفهوم الألوهية والنبوة عندهم , وقد فشل الفكر اليهودي حتى في تفسير المصطلحات والمعاني الدينية بدلالتها القدسية والمعنوية والروحية وكل ذلك يؤكد الشخصية المادية عند اليهود .

 

أما النبوة فقد أظهر لنا القرآن الكريم نظرة اليهود إلى موسى مجردة من المعاني السامية للنعمة التي صحبتهم بوجوده معهم كنبي له اتصاله بالوحي والسماء , فهو بالنسبة لهم لا يتعدى كونه القائد الملهم الذي جاءهم لينقذهم مما هم فيه من الكرب والعذاب !!

 

وتظهر الشخصية المادية لليهود من خلال مواقفهم التي رسمها القرآن بوضوح , سواء عند ملاقاتهم جند فرعون وقولهم (إنا لمدركون) , دون أن تحدث تلك اللحظة الحرجة والصعبة في نفوسهم أي التجاء أو تضرع إلى الله تعالى كما هي عادة البشر عامة عندما تنتابهم الظروف واللحظات الخطيرة الصعبة , أو عندما طلبوا من موسى عليه السلام أن تكون لهم آلهة من الحجارة (الأصنام) بعد نجاتهم من فرعون وجنوده , أو بالصور المتعددة من الإيذاء اليهودي لسيدنا موسى , كانتقاصه وعيبه في نفسه ، وكثرة مجادلته وعصيان أوامره والاستخفاف بعهودهم معه ونقضها ، وعبادتهم البقر ، وطلبهم رؤية الله جهرة ، وتكذيبه ، وخذلانه ....

 

ويمكن أن يكون سيدنا موسى مثالا يظهر شخصية اليهود المادية في تعاملهم مع بقية الأنبياء كداود وسليمان وعيسى وغيرهم , فشتان بين هؤلاء الأنبياء الذين يحملون أو يمثلون فكر الرقي الروحي والمعنوي للإنسان ، وغيرهم من الطرف الآخر الذين يمثلون معنى الهبوط إلى فكر المادة وتعلقاتها الدونية وهم اليهود .

 

أما المعجزات التي شهدها بنو إسرائيل عبر عصورهم فلم يعرف لها مثيل عند جميع الأمم ، ولربما يكون هذا إحدى العلامات الظاهرة على طبع متفرد امتازوا به عن غيرهم من البشر، من ناحية سلبية الاستجابة وقصور الإدراك والحس البليد , إذ لم تحرك كل تلك المعجزات شيئا مما يسكن في نفوسهم أو يهز شيئاً من مكنونات قلوبهم .

 

لقد ظهرت الشخصية المادية عند اليهود في موضوع اليوم الآخر في إغفالهم لذكره على عكس ما فعلوه في موضوع الإله والنبوة , فقد ذكرا لمحاولة الاستفادة من وجود الإله كصورة يقع عليها موضوع التبرير لجميع تصرفاتهم المسيئة ، بل وإفادة مسوغات شرعية قانونية لها ، وما حاولوا أخذه من فكرة النبوة هو موضوع الافتخار بالانتساب العرقي لهم , أما اليوم الآخر فليس من حاصل استبقائها ، ما يرون من مصلحة قد يجنون ثمارها في واقعهم الذي يعيشونه ، مع أن بدايات التشويه لهذه الحقيقة كانت بادعائهم وجود اليوم الآخر للقول بالاستئثار بالجنة ، إلا أن الأمر سرعان ما تطور ، لأن ما أصيبوا به من داء الحرص على حياة - كما أثبته القرآن في الآية التي تلي الرد عليهم بزعمهم الاستئثار بالدار الآخرة - لم يقو أمام صنعة التحريف إلا بطمس كل معالمه .

 

وإذا انتقلنا إلى الجانب المادي في الحياة عند اليهود , فقد ذكر القرآن في الجانب الأخلاقي والسلوكي قسوة القلب عند اليهود , وعلاقة ذلك بالنظرة المادية , وكيف تسقط جميع القيم الإنسانية العليا أمام المصالح المادية عندهم .

 

لقد قدم لنا القرآن صورة كاملة للهيكل البشع الذي ركبته القيم اليهودية في تصورها للمجتمع ، حين أثرانا موضوعياً بما يثبت أن اليهود فاقدون لأهلية النهوض بالمجتمعات نحو الصلاح والخير للإنسانية حيث كان يقع تصنيف اليهود في التعامل القرآني مع الكفار على أنهم الصنف الأشد عداوة للمؤمنين كما ذكرت سورة المائدة ذلك صراحة ( لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا )

 

إن رسم شكل تقريبي لصورة الخلق اليهودي بمعزل عن معطياته  (المادية) ، قد يكون من الصعب تحديد معالمه ، لأنه يظهر لنا شكلاً هلامياً متقلباً من الأخلاق السيئة التي يشترك فيها مع آخرين من أهل الشر ، لذا لا يمكن أن نصف بالضبط طبيعة الخلق اليهودي مفصولاً عن الفكر المادي الذي تغذيه آلية عشقه للمادة .

 

لقد اهتم القرآن الكريم بالخصال التي تظهر انعكاس العشق المادي على الشخصية اليهودية , ولعل الربا والبخل أبرز معالم هذه الشخصية , فقد أكثر من ذكرهما القرآن الكريم كعلامة بارزة عند اليهود , ولعل في قصة قارون نموذجا يهوديا بارزا في هذا المجال .

 

واليوم لا يمكن أن نفهم الحضارة المادية المعاصرة بمنأى عن الفكر المادي اليهودي ، بسبب التزامن الحاصل بينها وبين العلو اليهودي في الأرض - الذي لا ينكره إلا من استغبى أو تعامى عن الحقيقة والواقع - فالفساد اليهودي في الأرض موجود الآن بحالة معممة وكاسحة , وخير مثال على الفكر المادي اليهودي المعاصر دارون وفرويد .

 

إن المادية اليهودية بمدارسها وأشكالها المختلفة في واقعنا المعاصر ، هي صورة فعلية لما قدمه القرآن الكريم من حقائق في الصميم كشفت عن جوهر هذه الشخصية وملابسات بيئتها لتقود لواء المنهج المادي في العالم .

 

إن الفكر المادي المعاصر كما طرحه اليهود ، لا يريد من الإنسان أن يقفز في ارتقائه المادي أو ينعم برفاهية العيش ، وإنما يريده شخصاً جامدا وًاقفاً سلبياً لا يتفاعل مع شؤون مجتمعه ، ويترك الحبل على غاربه ، ويدع الأجيال تحت رحمة المادية الطاغية بأفكارها المسمومة وأدبها المنحط ، فيترك المجتمع فريسة سهلة ولقمة سائغة أمام ذئاب الإنسانية ولصوص الدين ، هؤلاء الذين لا يفكرون إلا بعقلية الطوفان ، وهم لا يعرفون أنهم- وان أوشك غيرهم على الغرق- هم أول الهالكين فيه !!

 

وفي الختام ذكرت الكاتبة أهم النتائج المستخلصة من هذا الكتاب القيم فعلا والجدير بالقراءة والتمعن والاهتمام , لما يحتويه من حقائق علمية عقائدية وسلوكية وفكرية عن اليهود وكيف عرضها القرآن الكريم , فجزاها الله تعالى كل خير .

 

 لتحميل الدراسة انقر هنا:

 

 
 
   Bookmark and Share      
  
 الجانب المادي في الشخصية اليهودية في القرآن الكريم

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7