السبت 9 مارس 2013

مع طه حسين في كتابه " الشيخان " نقد ودراسة

 

 

الدكتور : محمد نبيل غنايم

 

الأستاذ المساعد بقسم الدعوة والثقافة الإسلامية

 

 هذا البحث به نقد علمي لما قدمه طه حسين في كتابه الشيخان يكشف فيه عما وقع فيه طه حسين من مبالغات وتجاوزات وأخطاء تتنافى كليا أو جزئيا مع ما ثبت في كتب التاريخ والتراجم وتتجاوز حدود اللياقة مع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم

 

لم يكن في كتاب الشيخان شيء جديد أتى به طه حسين وهذا ما قاله بنفسه في مقدمة كتابه , ومن الحق أن يقال انه قد جاء فيه لمحات طيبة عن الشيخين وخصوصا عمر بن الخطاب وخاصة في وسائل الرعاية الاجتماعية وتقسيم الأموال .

 

التشكيك في التراث الإسلامي

 

إن اخطر ما قدمه طه حسين أن شكك دائما في روايات المؤرخين حتى يلقي ظلالا متكاثرة على التاريخ الإسلامي كله ليفقد القارئ المسلم الثقة في تراثه العربي والإسلامي فيقول عن معظم أحداث سيرتهما في أكثر من موضع في كتابه  " وأنا بعد ذلك اشك أعظم الشك فيما روي عن هذه الأحداث " .

 

ولم يكن طرحه لهذا الشك قاصرا على تاريخ الشيخين فقط بل إلى الكثير من أقوال الصحابة والتابعين ثم تعدى ذلك بالتشكيك في كثير من أحداث السيرة النبوية واستطال به هذا الشطط والضلال إلى أن شكك في القرآن نفسه في ذكر إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام كما ورد في كتابه " في الشعر الجاهلي " .

 

بين إيمان العرب وإسلامهم

 

أنكر طه حسين أن العرب – على سبيل الإجمال لا التبعيض - عند وفاة النبي كانوا مؤمنين بل يقول إنهم كانوا مسلمين فقط !! , ويستند إلى ذلك لفهم فاسد أو مغرض للآية الكريمة " قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْأِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ  " وهي الآية التي لا تعني ما أورده في كتابه أبدا , فكلمة " لما " لا تساوي لغة وفهما كلمة " لم " وهو يدرك ذلك جيدا وخاصة أن ما ذكره يتناقض مع قول الله عز وجل في حجة الوداع في أواخر ما نزل من القرآن " الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإسْلامَ دِيناً " .

 

أعلن كفر وارتداد أهل الجزيرة بعد وفاة النبي

 

أراد طه حسين في كتابه الإيهام بان الصحابة قد ارتدوا فقال " وكذلك عادت الأرض كافرة بعد إسلامها واشتعلت فيها نار ما أسرع ما انتشر لهبها حتى شمل جزيرة العرب كلها وحصر الإسلام في مكة والمدينة والطائف " , وهذا من الكذب البين فقد ثبتت قبائل كثيرة جدا مثل مزينة وغفار وجهينة وبلى وأشجع واسلم وخزاعة , ولم يكن كل هؤلاء من سكان القرى الثلاث فضلا عن ان عددا كبيرا ممن سموا بالمرتدين ليرتدوا حقيقة بل تأولوا جهلا منهم بان الزكاة كانت تدفع للنبي فقط فلما مات منعوها فلما علموا الحق عادوا إليه .

 

قصر تأمير أسامة بن زيد على مجرد الأخذ بالثأر

 

ذكر أن السبب الوحيد لتولية أسامة قيادة الجيش من قبل الرسول صلى الله عليه وسلم هو الأخذ بثأر والده الذي قتل من الروم – كعادة فعل الجاهليين - مع إغفال أية أسباب أخرى لتوليته مثل عناية الرسول بالشباب وللتأكيد على المساواة بين الحر والعبد إذ أن أسامة كان أبوه زيد من الموالي وأمه من الإماء الجواري .

 

مغالطة في صلح الحديبية

 

ادعى طه حسين أن أبا بكر كان الوحيد الذي قبل بصلح الحديبية ورفضه كل الصحابة , فاغفل ان كاتب المعاهدة بخط يده كان عليا وشهد عليها أبو بكر وعمر وعبد الرحمن بن عوف وغيرهم حتى أن زوجته صلى الله عليه وسلم ( أم سلمة ) كانت معه في هذا الموقف فلم يتفرد أبو بكر بشئ هاهنا وإنما يريد الطعن في الباقين بادعاء رفعة احدهم وهذا أسلوب معروف ومتبع .

 

مغالطة تاريخية في بيعة أبي بكر

 

ادعى طه حسين أن الصحابة كلهم بايعوا أبا بكر في نفس الوقت والراجح لدى كتاب السير أن بيعة علي بن أبي طالب تأخرت ستة اشهر وربما جمع بعض المؤرخين فقالوا إن عليا بايع في الأيام الأولى ثم أعاد البيعة مرة ثانية بعد وفاة السيدة فاطمة , لكن طه حسين قد قال بعدم تخلف احد , وهذا أن لم يكن له ضرر قريب فضرره الأبعد التشكيك في كل ما درج عليه الناس من العلم بالحقائق التاريخية وهذا كان ديدن الكاتب في ثنايا كتابه .

 

التشكيك في كتاب أبي بكر للأمراء في حروب الردة

 

على الرغم من كثرة ورود نبا كتب أبي بكر للأمراء وما فيها من مبادئ ووصايا تتفق مع المنهج الإسلامي إلا انه شكك في وجودها أو صحتها دون أن يقدم دليلا واحدا على تشككه فيقول " والمؤرخون يسجلون نص هذا الكتاب ولسنا نطمئن إلى هذا النص كما لا نطمئن إلى نص العهد الذي كتبه أبو بكر لقواده وإنما ترجح أن يكون معنى هذا الكتاب – إن كان قد كتب – للعهد الذي كتبه أبو بكر لقواده " , فأين الدليل الذي ساقه ليتشكك به أو ليبني به قاعدة لتشككه ؟؟!

 

التشكيك في مراجعة عمر لأبي بكر في الردة

 

أيضا شكك في موقف عمر بن الخطاب بدعوى أن ما ذكره الرواة ضعيف فلا يعقل – حسب قوله – أن يناقش الصحابة في مواجهة هذا الخطر " , والنقد غريب فأين الدليل العلمي أو التاريخي على ما يقول ؟

 

الطعن في اصل حروب الردة

 

طعن طه حسين في اصل مشروعية حروب الردة بدعوى الاستناد لقوله تعالى " لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ " متجاهلا حكم الإسلام في المرتد وان قضية الردة لا تتنافى مطلقا مع الحرية في دخول الأسلم لمن شاء , فقضية المرتد لا تتعامل إلا مع من قبل بالإسلام دينا فتطبق عليه أحكام الارتداد عنه .

 

التطاول على الصحابة

 

تحدث طه حسين بأسلوب غير لائق عن عكرمة رضي الله عنه فقال " ثبت بنو حنيفة للمسلمين حتى هزموا عكرمة بن أبي جهل لأنه تعجل ولم ينتظر المدد وقد عنفه أبو بكر تعنيفا شديدا ولم يزل عكرمة عن نفسه عار هذه الهزيمة إلا حين استشهد في حرب الروم يوم اليرموك " , فاي عار يلحق بصحابي كريم جراء جهاد لم ينصره الله فيه ؟؟!

 

افتراء على الصحابة

 

افترى طه حسين على الصحابة فصورهم وحوشا آدمية لا ترعى للإنسان حرمة ولا لقيم الإسلام قيمة , فقال عن خالد بن الوليد " جعل يتبع المغلوبين فإذا أخذهم قتلهم أشنع قتلة , فكان يقذف بهم من أعالى الجبال وينكث بعضهم في الآبار ويحرق بعضهم بالنار وينصب بعضهم هدفا للنبال حتى أخاف الناس وملا قلوبهم , وكان في طبع خالد عنف شديد واستعداد للإسراف في القتال " ويدعي طه حسين بان هذه الأفعال كان بأمر مباشر من الصديق لخالد , فهل هذا هو السلوك الإسلامي الذي اتبعه الصحابة ؟! , والحق – أن ثبتت أفعال مثل ذلك – فإنها أحداث فردية كأن تكون قصاصا من قاتل بنفس طريقة قتله للمسلمين لا سلوكا عاما  .

 

وعلق الكاتب على عدة مواقف أخرى ذكرها طه حسين في كتابه شكك في معظمها واخطأ تاريخيا وأنكر ثبوتها دون دليل وعمم كل خطأ من صحابي فاعتبره سلوكا عاما واتهم الصحابة بالإسراف في القتل والتسرع فيه – خالد مثالا – ونفي عن أبي بكر أي دور قيادي وشكك في جمع القرآن في عهد الصديق وفي القسم الخاص بعمر بن الخطاب شكك في الرواية المشهورة لإسلامه بداية , وادعى أن عمر طلب من النبي أن يقتل عبد الله بن أبي والثابت أن عمر اقترح أن يأمر النبي عباد بن بشر بقتله لكونه من قبيلته , وأنكر طه حسين استسقاء عمر بالعباس دون دليل وهو الحديث الثبات في الصحيحين , وادعى أن عمر كان ينهي عن رواية حديث النبي صلى الله عليه وسلم والحق انه كان يطلب من الصحابة التثبت فيما يقولون ويروون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم .

 

إن النتيجة الأهم التي يخرج منها كل قارئ لكتاب "الشيخان " لطه حسين هي أن يخرج شاكا في كل ما ثبت لديه علميا وتاريخيا بدليل صحيح , وهذا هو المنهج الذي دأب عليه طه حسين في أكثر كتبه , فمصدر ثقته الوحيد ليس الكتاب والسنة بل كتابات المستشرقين من أساتذته اليهود 

 

جزى الله الباحث الكريم خير الجزاء وأثابه على هذا البحث

 

 لتحميل الدراسة انقر هنا:

 
 
   Bookmark and Share      
  
 مع طه حسين في كتابه الشيخان نقد ودراسة

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7