الإثنين 1 أبريل 2013

 

 

 

 

 

استشراف المستقبل في الأحاديث النبوية

 

رسالة مقدمة لاستكمال متطلبات الحصول على درجة الماجستير في الحديث النبوي الشريف

 

كلية الدراسات العليا الجامعة الأردنية

 

إعداد: عبد الرحمن عبد اللطيف قشوع

 

المشرف: الأستاذ الدكتور شرف القضاة

 

إن الاهتمام بالمستقبل والدراسات المستقبلية دلالة واضحة على تطور الحضارة , وهو من المقومات الرئيسية في صناعة النجاح , سواء على المستوى الشخصي أو الاجتماعي أو الحضاري.

 

لقد تطور هذا المصطلح حتى أصبح علما له أصول ثابتة وقواعد في البحث , وألف في هذا المجال عدة كتب , وأقيمت له مراكز للبحوث والدراسات كمركز قطر لدراسات المستقبل , ومشروع وثيقة استشراف المستقبل للعمل التربوي في الدول الأعضاء لمكتب التربية العربي لدول الخليج.

 

بعد هذه المقدمة التي ذكر فيها الباحث أهمية بحثه وسبب اختياره له ومنهجه في البحث , بدأ الباحث بالتمهيد الذي استعرض فيه عدة تعريفات لاستشراف المستقبل ثم اقترح تعريفا وهو :

 

استشراف المستقبل: هو توقع ما سيحدث في المستقبل .

 

علم استشراف المستقبل: هو جهد علمي منظم يدرس الماضي والحاضر ليتوقع المستقبل من خلال سنن الله في خلقه.

 

والفراسة من خلال هذا التعريف, مغايرة للفراسة و الوحي والكهانة والاستبصار لاختلاف تعريف كل منها.

 

وبغض النظر عن تاريخ هذا العلم, والذي يترجح ظهوره بعد الحرب العالمية الثانية , فإن له خطوات لتكوين الرؤية المستقبلية أهمها: دراسة الماضي وفهم الحاضر إضافة إلى متابعة وفهم المتغيرات .

 

لقد احتوت هذه الدراسة خمسا وستين حديثا ظهرت فيها بوضوح استشراف الرسول صلى الله عليه وسلم للمستقبل , في المجال التشريعي والاجتماعي والتربوي والدعوي والعسكري والسياسي والاقتصادي , وذلك من خلال ثلاثة فصول في كل فصل مبحثين.

 

أما الاستشراف التشريعي: فتجلى في عدة أمور هي:

 

1- رفع الحرج : وذلك في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم ( لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك ) فقد توقع الرسول صلى الله عليه وسلم أن يكون فرض السواك عليهم شاقا, فأمر به ندبا واستحبابا ولم يفرضه عليهم .

 

2- التخفيف في الصلاة: عن عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يصلي من الليل في حجرته وجدار الحجرة قصير فرأى الناس شخص النبي صلى الله عليه و سلم فقام أناس يصلون بصلاته فأصبحوا فتحدثوا بذلك فقام ليلة الثانية فقام معه أناس يصلون بصلاته صنعوا ذلك ليلتين أو ثلاثا حتى إذا كان بعد ذلك جلس رسول الله صلى الله عليه و سلم فلم يخرج فلما أصبح ذكر ذلك الناس فقال ( إني خشيت أن تكتب عليكم صلاة الليل )

 

قال ابن حجر: إن الرسول صلى الله عليه وسلم توقع ترتب افتراض الصلاة بالليل جماعة عند المواظبة عليها, وخشي أن يظن أحد من الأمة من المداومة عليها الوجوب.
 

 

3- عدم الحرج بفريضة الحج: عن أبي هريرة قال خطبنا رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال : ( أيها الناس قد فرض الله عليكم الحج فحجوا فقال رجل :أكل عام يا رسول الله؟ فسكت حتى قالها ثلاثا فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم ثم قال: ذروني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه )

 

فقد توقع النبي صلى الله عليه وسلم أن الناس لا يستطيعون الحج كل عام , وان في ذلك مشقة , وأن هذا الدين سينتشر فيكون عالميا, فتوقع أن يكون من الحرج الحج كل عام , وخاصة في زماننا هذا.

 

4- الاستفادة من أخطاء الآخرين : عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه و سلم قال في مرضه الذي مات فيه ( لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مسجدا ). قالت: ولولا ذلك لأبرزوا قبره غير أني أخشى أن يتخذ مسجدا.
 

 

فقد توقع الرسول صلى الله عليه وسلم أن تفعل أمته ما فعل بنو إسرائيل , فأراد ان نستفيد من أخطائهم فلا نفعل ما فعلوا , فذكر الحديث

 

وأما الاستشراف الاجتماعي فتجلى في:

 

1-  سبر الرسول صلى الله عليه وسلم لغور نفوس أصحابه: عن عبد الله بن عمرو قال : ( جمعت القرآن فقرأته كله في ليلة . فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم ( إني أخشى أن يطول عليك الزمان وأن تمل فاقرأه في شهر ). فقلت : دعني أستمتع من قوتي وشبابي . قال ( فاقرأه في عشرة قلت دعني أستمتع من قوتي وشبابي . قال ( فاقرأه في سبع ) قلت دعني أستمتع من قوتي وشبابي  فأبى.

 

فقد توقع الرسول صلى الله صلى الله عليه وسلم العنت الذي سوف يلاقيه هذ الصحابي عند تقدمه في السن, رغم الحرص الشديد منه على الازدياد من الخير.

 

2- حرص النبي صلى الله عليه وسلم على التماسك الاجتماعي: فقد جاءه المغيرة بن شعبة يذكر أمر خطبته لامرأة فقال له : ( اذهب فانظر إليها فإنه أجدر أن يؤدم بينكما ) فقد توقع الرسول صلى الله عليه وسلم احتمال نشوب الخلاف بين الخطيبين إن لم يكن الخاطب قد رأى خطيبته من قبل , فحث على الرؤية لتجنب الضرر المترتب على عنصر المفاجئة من شكل المخطوبة .

 

وأما الاستشراف التربوي فتجلى في:

 

1- التعهد بالموعظة : فقد ورد في الحديث الصحيح عن ابن مسعود رضي الله عنه قال:

 

( كان النبي صلى الله عليه وسلم يتخولنا بالموعظة في الأيام كراهة السآمة علينا ) فتوقع الملل من كثرة الموعظة , جعل الرسول صلى الله عليه وسلم يختار الوقت المناسب لذلك.

 

2- الالتفات لمآلات الأمور: فقد ورد أن رجلا ذكر عند النبي صلى الله عليه و سلم فأثنى عليه رجل خيرا فقال النبي صلى الله عليه و سلم ( ويحك قطعت عنق صاحبك - يقوله مرارا - إن كان أحدكم مادحا لا محالة فليقل أحسب كذا وكذا إن كان يرى أنه كذلك والله حسيبه ولا يزكي على الله أحدا ) فقد توقع الرسول الضرر المترتب من مدح الأشخاص في وجوههم , فحذر من ذلك تفاديا للضرر المتوقع .

 

وأما الاستشراف الدعوي فتجلى في:

 

1- الدعاية وأثرها في الإسلام : فقد امتنع الرسول صلى الله عليه وسلم عن قتل عبد الله بن أبي رغم قوله في النبي والمسلمين : والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل , لتوقعه حدوث فتنة ومفسدة من خلال انتشار دعاية أن محمدا يقتل أصحابه.

 

2- الرجاء: فقد تأذى الرسول صلى الله عليه وسلم من أهل الطائف إيذاء شديدا , حتى عرض عليه ملك الجبال أن يطبق عليهم الجبلين , فقال : بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئا ) فقد توقع الرسول صلى الله عليه وسلم انتشار الإسلام ورجاءه أن يدخلوا فيه فلم يدعو عليهم .

 

وأما الاستشراف العسكري فتمثل في:

 

1-  دراية القائد وتقييمه الصحيح : فقد توقع الرسول صلى الله عليه وسلم أن لا يجتمع الكفار بعد الأحزاب مثل هذا التجمع , بسبب الفشل الذي لحق بهم ومصير بني قريظة , فقال: ( نغزوهم ولا يغزونا ) 

 

2- الحكمة في التخطيط : فقد أوصى الرسول صلى الله عليه وسلم الرماة في يوم أحد أن لا يبرحوا أماكنهم فقال : ( لا تبرحوا إن رأيتمونا ظهرنا عليهم فلا تبرحوا وإن رأيتموهم ظهروا علينا فلا تعينونا ) فقد توقع الرسول التفاف العدو من خلف الجبل , فشدد الوصية على الرماة.

 

وأما الاستشراف السياسي والاقتصادي فتمثل في:

 

1- أهمية الاستقرار السياسي في الإسلام : فقد توقع الرسول صلى الله عليه وسلم نشوب الخلاف بين المسلمين على الحكم والخلافة , فوضع قاعدة ذهبية لضمان الاستقرار السياسي بقوله: ( إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما)

 

2- اهتمام الإسلام باقتصاد الفرد المسلم: فعندما أراد سعد بن أبي وقاص أن يوصي بجميع ماله منعه الرسول صلى الله عليه وسلم , قلت: فالشطر ؟ قال : لا , قلت : الثلث ؟ قال : الثلث والثلث كثير , إنك أن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس في أيدهم ) فقد توقع الرسول صلى الله عليه وسلم الضرر على عائلة المورث فأمره أن لا يوصي بأكثر من الثلث , تفاديا للإضرار بهم .

 

وفي الختام ذكر الباحث نتائج بحثه التي تلخصت في أن استشراف المستقبل سبب من أسباب النجاح وانتشار الدين , وأن استعمال الرسول صلى الله عليه وسلم لهذا العلم دعوة منه للاهتمام به وتطويره , خاصة في عصرنا هذا.

 

جزى الله الباحث عن المسلمين كل خير , فالبحث في غاية الأهمية , في زمن أصبح التخطيط فيه واستشراف المستقبل لا يقتصر على سنة أو سنتين , وإنما يتعداه إلى عشرات السنيين . والمسلمين أولى من الجميع بهذا العلم الذي استخدمه رسولهم صلى الله عليه وسلم , ودعاهم من خلال فعله أن يقوموا باستخدام هذا العلم , فهل سنفعل ذلك ؟

 

 لتحميل الدراسة انقر هنا:

 

 
 
   Bookmark and Share      
  
 استشراف المستقبل في الأحاديث النبوية

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7