الخميس 11 أبريل 2013

أثر القران في الدراسات النقدية للكتاب المقدس

 

د. بكر زكي إبراهيم عوض

 

الأستاذ المساعد بقسم الدعوى والثقافة الإسلامية

 

حولية كلية الشريعة والدراسات الإسلامية - جامعة قطر

 

ـــــــــــــــــــ

 

اعتقد الناس خطأ أن الدراسات النقدية للكتاب المقدس قد بدأت –فقط -  في عصر النهضة , ونسوا أن القرآن الكريم قد سبقهم في ذلك بالتصريح والإضمار في الكثير من آياته الكريمة ومنه بدأت الدراسات التي وجدت الأدلة المتكاثرة على تحريف الكتاب المقدس من داخل الكتاب نفسه لمصادمة بعض نصوصه لبعضها الآخر أو لمصادمة العقل وحقائق التاريخ أو لما قام به العلم التجريبي من إبطاله فيما قال من نظريات وأسس علمية.

 

ولهذا أثر الباحث الكريم أن يقدم هذا البحث فبدأه بمقدمة عن القران الكريم وتعامله مع أنبياء الله سبحانه وتأكيده على الكتب التي انزلوا بها وان واجب المسلم الإيمان بها جميعها بشرط هيمنة القرآن عليها , فإن طابق ما جاء فيها القرآن فيستغني المسلم عنه بالقرآن وإن خالف ما فيها القرآن فهو مردود ليس له محل من الاعتبار ولا الانتفاع لا لعدم الإيمان بالكتب ولكن لكون هذه الكتب قد حرفت عن مضامينها الأساسية لان مصدر الوحي واحد وبالتالي فالعقيدة في جميع الرسالات واحدة ولا يمكن عقلا ولا شرعا أن تفضل وتخصص رسالة إلهية بأفضلية على أخرى في هذا الجانب , ولكن نؤمن بان الكتب قد حرفها أصحابها تصديقا لما جاء في القرآن الكريم بذلك , فقال عز وجل " فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظاًّ مِّمَّا ذُكِّرُوا بِهِ " وقال أيضا " وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنْ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنْ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ " .

 

فتناول القران الكريم قضية تحريفهم للكتاب نصوصا وأعمالا وشرائع , وتناول إخفاءهم بعضها وكذبهم في البعض الآخر , كما تناول نقده للأفكار التي الحت عليها الكتب التي ينعتونها بالمقدسة ومنها فكرة ان اليهود هم شعب الله المختار التي وردت في عدة مواضع [1] , فقال الله عز وجل " وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاء اللّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم بَلْ أَنتُم بَشَرٌ مِّمَّنْ خَلَقَ " , وأمرهم باتخاذ موقف لو كانوا صادقين في هذا الادعاء , فقال لهم " قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِن زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاء لِلَّهِ مِن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ* وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ".

 

وابطل الفكرة الأخرى التي كانت تتحدث عن وجود ولد لله سبحانه سواء كان العزير أو عيسى بن مريم عليهما السلام"وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ * اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ " .

 

ونسف المقولة التي ادعت ان المسيح عليه السلام هو الله أو هو شريك مع الله أو ابن له , فقال سبحانه" لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَآلُواْ إِنَّ اللّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اللّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَن يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَن فِي الأَرْضِ جَمِيعًا " , وقوله سبحانه " لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِن لَّمْ يَنتَهُواْ عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ", ووضح مكانتهما الحقيقة المكرمة عند الله سبحانه أنهم عباد لله وليسوا آلهة , فقال " ما الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلاَنِ الطَّعَامَ " .

 

وقد نبه الله عز وجل المؤمنين إن الطعن فيما في أيدي أهل الكتاب من الكتب السابقة يكون من جهتين جهة السند وجهة فقدان لشرطي العدالة في الرواة وفي التواتر.

 

ورغم هذا النقد الشديد إلا أن الباحثين لم يجدوا في القران الكريم سبا ولا لعنا بل بم يذكر أسماء للمحرفين ولم يفصل كذلك كثيرا بل أعطى دلائل قطعية لكي ينتفع بها الباحثون في سيرهم عند البحث والتنقيب .

 

وذكر الباحث شروطا لكي يتم اعتماد أي نصر سماوي ليكون موضعا للاحتجاج لكي يدلل منها على أن النصوص التي في الكتب الحالية لا يمكن الاحتجاج بها ولا يصح اعتبارها مقدسة مطلقا وفقا لهذه الشروط وهي :

 

- الأول : أن يوحي بالنص إلى نبي أو رسول.

 

- الثاني : أن يكتب هذا النص بين يدي النبي أو أصحابه حال حياته وأن يقرهم على ما كتبوا .

 

- الثالث : أن ينقل هذا المكتوب عن طريق عدد كبير لا يمكن تواطؤهم على الكذب.

 

- الرابع : أن يستمر التواتر قائما في كل الطبقات .

 

- الخامس: العلم بحال الرجال ناقلي النص والعلم بالتزامهم بأمانة النقل.

 

- السادس: أن يُعلم زمن الكتابة على سبيل القطع لا التخمين.

 

- السابع : العلم بمصدر النص – وذلك عند الترجمة - ولغته الأصلية وزمن الترجمة والمترجم ومدى إمكانية الترجمة بالنسبة للكتب التي لا تجعل الإعجاز في النظم مع المعنى شرطا لها.

 

وعند تطبيق هذه الشروط على النصوص وعلى ناقليها والأزمنة والمترجمين وغيرهم تبين - من خلال النصوص التي لديهم أيضا – أن هذه الكتب لا يمكن ان ترقى لكونها كتبا سماوية لم تحرف .

 

واستدل الباحث من العهدين القديم والجديد على امثلة كثيرة بينت النصوص فيها كذب الرواة وأمثلة دلت على اشتغال بعض الدعاة من بني إسرائيل بالضلالة دون الهداية وعن فقدان رجال الدين للعدالة وعن غلوهم في الدين وإتباع أهوائهم مثل ما نسبوه للمسيح عليه السلام عندما قال له التلاميذ " أتعلم أن الفريسيين لما سمعوا القول نفروا. فأجاب وقال كل غرس لم يغرسه أبي السماوي يقلع. أتركوهم عميان قادة عميان وإذا كان أعمى يقود أعمى يسقطان كلاهما في حفرة"[2].

 

وبالطبع لم يكن لديهم تواتر , بل إن الكتاب الأولين للعهدين القديم والجديد غير معروفين نهائيا , وتعد مراحل النقل الأولى ضربا من ضروب المستحيل معرفتها حاليا مما ينفي عنها نهائيا معرفة الرواة والكتبة والناقلين فضلا عن معرفة حالهم .

 

بل إن الجهالة تطال أسماء وشخوص من نسبت إليهم الأناجيل , فمتى الذي ينسب له انجيل لا يعرف على سبيل القطع من هو فقائل يقول انه متى الحواري وقائل يقول انه يهودي من الجليل واسمه لاوى بن حلفى وغير ذلك الكثير .

 

والأناجيل تختلف في تواريخ كتابتها وفقا للأحداث التاريخية التي بها فمنها ما تحدث عن خراب أورشليم الذي حدث بعد الميلاد بأكثر من سبعين عاما .

 

وحتى بالنسبة للغة الأصلية التي انزل بها أو كتب بها , فالخلاف على كون اللغة الأصلية هي المصرية القديمة نسبة لما نشأ عليه موسى عليه السلام أم العبرانية كما تقول دائرة المعارف الأمريكية أم الآرامية التي كانت هي اللغة السائدة في فلسطين والخلاصة أن اللغة الأصلية التي أنزلت بها الكتب السماوية لا تزال مجهولة وبالتالي لا يزال القائمون على عملية الترجمات للغات الأخرى مجهولين فضلا عن كفاءتهم وعدالتهم .

 

ومن الشواهد الغريبة على التحريف أول ترجمة للكتاب المقدس إلى الإنجليزية قد تمت بصورة مباشرة عن الأصل العبري والإغريقي على يد "وليام تندال" الذي اتهم بالفساد وأعدم حرقا على رؤوس الأشهاد سنة 1536م بتهمة تعمده إفساد نص الكتاب المقدس , وعلى الرغم من ذلك فان ترجمة تندال – المتفق عليها منهم أنها فاسدة - هي الأساس الآن لكل التراجم التي تلتها وخاصة ترجمة كوفردال سنة 1535م وتوماس 1537م وجنيف 1560م , وقد أصبحت كل هذه التراجم هي العمدة الأساس لترجمة الملك جيمس الموجودة حاليا بين يدي النصارى الأوروبيين والتي يحتجون بها على كل النسخ .

 

ان هذا البحث على قلة حجمه إلا انه قد تحدث بأسلوب راق ناقد وبصير حول مات يجب ان يسير عليه النقد المنهجي للكتب التي يدعون قداستها وهي بالمعايير العلمية لا تساوي مقدار الورق والأحبار التي كتبت بها .

 

جزى الله الباحث خير الجزاء


[1] الخروج 13/21، 14/1-5، 16/4-24، 19/12-23، 23/20، 24/9-17، 25/1-30 وسفر العدد 9/15، 11/16-23

([2]) متى 15/3: 14.

 

 لتحميل الدراسة انقر هنا:

 
 
   Bookmark and Share      
  
 أثر القران في الدراسات النقدية للكتاب المقدس

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7