الأربعاء 14 أكتوبر 2009

قصة السنة

تعريف السنة ومكانتها

السُّنَّة النبويَّة ممثَّلة في الحديث النبوي الشريف هي المصدر الثاني للتشريع الإسلامي بعد القرآن الكريم، وهي المنهل البياني له في تفصيل الأحكام المجملة التي وردت فيه، وفي تقييد المطلق وتخصيص العامِّ، وتأسيس الأحكام التي لم يَنُصَّ عليها القرآن.

وفي اللغة تُعَرَّف السنة بأنها السيرة والطريقة، سواءٌ أكانت حسنة أم سيئة، محمودة أم مذمومة، وأمَّا في الشرع فتُطلَق على كلِّ ما صدر عن النبي صلى الله عليه وسلم غير القرآن من قول أو فعل أو تقرير[1].

وقد تُطلَق السنة على ما كان عليه عَمَلُ الصحابة رضوان الله عليهم، واجتهدوا فيه، وأجمعوا عليه، وذلك كجمع المصحف، وتدوين الدواوين، وغيرها؛ قال صلى الله عليه وسلم: "عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ"[2]. كما تُطلَق السنة على ما يقابِل البدعة، وذلك فيما يُحْدِثه الناس في الدين من قول أو عمل ممَّا لم يُؤْثَرْ عنه صلى الله عليه وسلم أو عن أصحابه، فيُقال: فلان على سُنَّةٍ. إذا عَمِل على وَفْقِ ما عَمِل عليه النبي صلى الله عليه وسلم، ويقال: فلان على بدعة. إذا عَمِل على خلاف ذلك. وقد تُطْلَق السُّنَّة على غير الفرائض من نوافل العبادات التي جاءت عن النبي صلى الله عليه وسلم وندب إليها.

والسُّنَّة النبوية واجبة الاتِّباع، وفي ذلك جاء قول الله تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [الحشـر: 7]، وهي في الاحتجاج كحُجيَّة القرآن الكريم؛ فكلاهما وحيٌ من عند الله I، غير أن القرآن وحيٌ إلهي باللفظ والمعنى، والسُّنَّة وحي إلهي بالمعنى دون اللفظ، وقد قال تعالى: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى} [النجم: 3، 4]؛ وقال حسان بن عطية: "كان جبريل ينزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسنة كما ينزل عليه بالقرآن"[3]. وفي ذلك فقد عَنْوَن الخطيب في (الكفاية) بقوله: "ما جاء في التسوية بين حكم كتاب الله وحكم سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في وجوب العمل ولزوم التكليف"[4]، وفي السُّنَنِ أيضًا عن المقدام بن معدي كرِب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أَلاَ هَلْ عَسَى رَجُلٌ يَبْلُغُهُ الْحَدِيثُ عَنِّي وَهُوَ مُتَّكِئٌ عَلَى أَرِيكَتِهِ، فَيَقُولُ: بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ كِتَابُ اللَّهِ، فَمَا وَجَدْنَا فِيهِ حَلاَلاً اسْتَحْلَلْنَاهُ، وَمَا وَجَدْنَا فِيهِ حَرَامًا حَرَّمْنَاهُ، وَإِنَّ مَا حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ كَمَا حَرَّمَ اللَّهُ"[5].

وعلى هذا فقد اعتني المسلمون بسُّنَّة الرسول صلى الله عليه وسلم في حياته وبعد وفاته، واستمرَّ هذا الاهتمام عبر الأجيال المتتالية، حتى حفظوها في أُمَّهات كتب السُّنَّة ومصادر السيرة النبويَّة الشريفة، التي تشهد بجهدهم وجهادهم في حفظ هذا الدين.

والحقيقة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يأذن أوَّلَ الأمر لعامَّة المسلمين بكتابة ما يسمعونه منه من أحاديث وبيانات؛ وذلك خَشْية اختلاط شيء منه بما كانوا يكتبون من القرآن الكريم؛ لأن المسلمين كانوا في بَدْءِ تحوُّلهم من أُمَّة أُمِّيَّة إلى أُمَّة قارئة كاتبة تُدَوِّن معارفها، وإنما اتخذ صلى الله عليه وسلم ثلاث خطوات لحفظ سُنَّته:

تمثَّلت الأُولَى في أنه حمَّل أصحابه ومَن يأخذ عنهم مسئوليَّة حفظ أقواله وبياناته، ومسئوليَّة تبليغها لمن وراءهم، والعرب في مجال الحفظ على أتمِّ الاستعداد لقَبول كلِّ ما يقوله رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لاستعدادهم الفطري لقبول ذلك. وتمثَّلت الخطوة الثانية في أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أَذِنَ لبعض خاصَّة أصحابه بكتابة ما يسمعونه منه من أقواله وبياناته، وذلك حينما وَثِقَ من ضبط هؤلاء الصحابة y ويقظتهم، وأنهم مأمونون من أن يخلِطوا ما يكتبونه من أحاديثه بما يكتبونه من القرآن الكريم. أمَّا الخطوة الثالثة فتمثَّلت في توجيه الرسول صلى الله عليه وسلم الإذن العامَّ في آخر الأمر بكتابة سُنَّته، وكان هذا حينما رأى أن اختلاط أقواله صلى الله عليه وسلم بكتاب الله U صار أمرًا غير محذور الوقوع فيه لدى معظم صحابته صلى الله عليه وسلم[6].

[1] ابن منظور: لسان العرب، مادة سنن 13/220، والبعلي: المطلع 1/117.

[2] أبو داود (4607)، والترمذي (2676)، وأحمد (17184)، وابن ماجه (42)، والموطأ، رواية محمد بن الحسن (709).

[3] الخطيب البغدادي: الكفاية في علم الرواية ص12، والسيوطي: مفتاح الجنة في الاحتجاج بالسنة ص16.

[4] الخطيب البغدادي: الكفاية في علم الرواية ص8.

[5] رواه أبو داود: كتاب الخراج، باب في لزوم السُّنَّة (3988)، والترمذي (2664)، والحاكم (371).

[6] انظر عبد الرحمن حسن حنبكة الميداني: الحضارة الإسلامية ص458، 459. كتبة السنة

كان الصحابي الجليل عبد الله بن عمرو بن العاص من أكثر الصحابة كتابة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فقد ورد عن أبي هريرة t أنه قال: "ليس أحدٌ من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر حديثًا عن النبي صلى الله عليه وسلم منِّي، إلاَّ ما كان من عبد الله بن عمرو بن العاص t؛ فإنه كان يكتب ولا أكتب"[7]. وقد قال عبد الله بن عمرو t عن نفسه: كنتُ أكتب كلَّ شيء أسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم أريد حفظه، فنَهَتْنِي قريش، وقالوا: تكتب كلَّ شيء سمعته من رسول الله، ورسول الله صلى الله عليه وسلم بشرٌ، يتكلم في الغضب والرضا؟! فأمسكتُ عن الكتاب، فذكرتُ ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فأومأ بإصبعه إلى فيه، وقال: "اكْتُبْ، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا خَرَجَ مِنْهُ إِلاَّ حَقٌّ"[8].

كما كان عبد الله بن عباس t من الستَّة المكثرين في الحديث، والخمسةُ الباقون هم: أبو هريرة، وجابر بن عبد الله الأنصاري، وعبد الله بن عمر، وأنس بن مالك، وعائشة بنت أبي بكر y. وقد بلغ مجموع ما رواه ابن عباس t 1660 حديثًا، اتَّفق البخاري ومسلم على خمسة وتسعين حديثًا، وانفرد البخاري بمائة وعشرين حديثًا، وانفرد مسلم بتسعة وأربعين حديثًا، وبقية الأحاديث في كتب السنن الأخرى، ورغم المدَّة الزمنية القصيرة التي عاصرها ابن عباس t لرسول الله صلى الله عليه وسلم -وهي ثلاثون شهرًا- إلاَّ إنه استطاع أن يجمع كلَّ هذا العِلْم في السنة النبويَّة[9].

ويُعَدُّ أبو هريرة t أكثر الصحابة حديثًا وحفظًا، فعن زيد بن ثابت قال: كنت أنا وأبو هريرة وآخر عند النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: "ادْعُوا". فدعوت أنا وصاحبي، وأمَّن النبي صلى الله عليه وسلم، ثم دعا أبو هريرة، فقال: اللهم إني أسألك مثل ما سألك صاحبايَ، وأسألك علمًا لا يُنْسَى. فأمَّن النبي صلى الله عليه وسلم، فقلنا: ونحن يا رسول الله كذلك. فقال: "سَبَقَكُمَا الْغُلامُ الدَّوْسِيُّ"[10].

ومن ذلك يظهر اهتمام الصحابة بحفظ الأحاديث النبويَّة، حيث أودعوها أوَّل الأمر حوافظهم الفذَّة، وبذلوا في ذلك أعظم الجهد، حتى تناقلت أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم جيلاً بعد جيل، فرَوَوْا أحاديث الوضوء، والطهارة، والصلاة، والصيام، والحجِّ، وكانت الحلقة الأُولى في سلسلة الإسناد الشريف بعد النبي صلى الله عليه وسلم هم الصحابة الذين رَوَوْا عن المعصوم صلى الله عليه وسلم مشافهة، أو أخذ بعضهم عن بعض، وعددهم كثير جدًّا؛ قال الحافظ ابن الصلاح: "رُوِّينَا عن أبي زُرْعَة أنه قيل له: أليس يقال: حديث النبي صلى الله عليه وسلم أربعة آلاف حديث؟ قال: ومَن قال ذا، قلقل الله أنيابه؟! هذا قول الزنادقة، ومَنْ يحصي حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قُبِضَ رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مائة ألفٍ وأربعةَ عشَرَ ألفًا من الصحابة، وممن روى عنه وسمع منه. فقيل له: يا أبا زُرْعَة، هؤلاء أين كانوا، وأين سمعوا منه؟ قال: أهل المدينة، وأهل مكة، ومَنْ بينهما، والأعراب، ومَنْ شهد حَجَّة الوداع، كلٌّ رآه وسَمِعَ منه بعرفة"[11].

وقد أورد الذهبي أن عدد الصحابة الذين رَوَوُا الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم نحو ألف وخمسمائة، وقد كان كثير من الصحابة t يأمر تلاميذه بالكتابة لتثبيت حفظهم، ثم مَحْوِ ما كتبوه حتى لا يتَّكل على الكتاب، قال الخطيب البغدادي: "وكان غير واحد من السلف يَستعِين على حفظ الحديث بأن يكتبه، ويدرسه من كتابه، فإذا أتقنه محا الكتاب، خوفًا من أن يَتَّكل القلبُ عليه، فيُؤَدِّي إلى نقصان الحفظ، وترك العناية بالمحفوظ"[12]. تدوين السنة

من مظاهر هذا التدوين والاهتمام به في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ما ثبت عن أنس بن مالك الأنصاري t أنه كان يحثُّ أولاده على كتابة العلم، فقال: "يا بَنِيَّ، قيِّدوا العلم بالكتاب". وكان يقول t: "كنا لا نَعُدُّ عِلْمَ مَن لم يَكتب عِلْمَه عِلْمًا"[13].

فكان الحديث يُكتَب في صحف، عُدَّت بعد ذلك النواة الأُولى لما صُنِّفَ في القرنين الثاني والثالث من الجوامع والمسانيد والسُّنَنِ، وعن ذلك يقول الحافظ ابن رجب الحنبلي: "والذي كان يُكْتَب في زمن الصحابة والتابعين لم يكن تصنيفًا مرتَّبًا مبوَّبًا، إنما كان يُكْتَب للحفظ والمراجعة فقط، ثم إنه في عصر تابعي التابعين صُنِّفَت التصانيف، وجَمَعَ طائفة من أهل العلم كلام النبي صلى الله عليه وسلم، وبعضهم جَمَعَ كلام الصحابة"[14].

وقد وُجِدَت صحف دوَّنها كثير من صحابة النبي صلى الله عليه وسلم؛ فقد روى الخطيب بسنده إلى أنس بن مالك أن أبا بكر الصديق بعثه مُصَدِّقًا، وكتب معه كتابًا فيه فرائض الصدقة، وعليه خاتم رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيه: "... هَذِهِ فَرِيضَةُ الصَّدَقَةِ الَّتِي فَرَضَهَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى الْمُسْلِمِينَ..."[15].= ومنها صحيفة لعلي بن أبي طالب t؛ حيث قال خطيبًا: "مَن زعم أن عندنا شيئًا نقرؤه إلاَّ كتاب الله وهذه الصحيفة - (قال الراوي: وصحيفة مُعلَّقة في قِرَابِ سيفه) - فقد كَذَبَ..."[16]. وقد كانت هذه الصحف من أشهر ما دُوِّنَ في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يعترض عليها أحدٌ أو يمحها[17].

وبعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم أراد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب t أن يُدَوِّنَ الحديث الشريف؛ نظرًا لتعرُّض المسلمين للمستجدَّات المتزايدة من المشاكل التي لن تُحَلَّ إلاَّ بإخضاعها للمصدر الأوَّل من التشريع وهو القرآن الكريم، وكذا المصدر الثاني وهي السُّنَّة، التي لم تكن قد دُوِّنَت بعدُ، لكنَّ عمر بن الخطاب t عدل ورجع بعدما استشار صحابة النبي صلى الله عليه وسلم في جمع السُّنَّة؛ خَشْية أن يشوب كتاب الله شيءٌ مِن جَمْعِها، وهو ما خَشِيَه أبو بكر الصديق صلى الله عليه وسلم مِن قَبْلُ، وعليُّ بن أبي طالب t من بعدُ[18].

[7] البخاري: كتاب العلم، باب كتابة العلم (113)، والترمذي (2668)، وأحمد (7383)، والدارمي (483).

[8] رواه أبو داود: كتاب العلم، باب في كتاب العلم (3646)، وقال الألباني: صحيح. انظر السلسة الصحيحة (1532)، ورواه أحمد (6802)، وقال شعيب الأرناءوط: إسناده صحيح، رجاله ثقات رجال الشيخين غير الوليد بن عبد الله. ورواه الدارمي (6802)، وقال حسين سليم أسد: إسناده صحيح، والخطيب البغدادي: الجامع لأخلاق الراوي 2/36.

[9] انظر مصطفى سعيد الخن: عبد الله بن عباس ص137.

[10] الحاكم: المستدرك (6158)، وقال: صحيح الإسناد ولم يخرِّجاه. وقال الذهبي: حماد بن شعيب ضعيف. ورواه النسائي في السنن الكبرى(5870)، والطبراني في الأوسط (1228).

[11] ابن الصلاح: علوم الحديث ص298.

[12] الخطيب البغدادي: تقييد العلم ص58.

[13] انظر المصدر السابق ص96، وطبقات ابن سعد 7/22.

[14] انظر محمد مطر الزهراني: تدوين السنة النبوية ص68- 72.

[15] البخاري: كتاب الزكاة، باب زكاة الغنم (1386)، والدارمي (1567)، وابن ماجه (1800)، ابن حبان (3266).

[16] رواه البخاري: أبواب الجزية والموادعة، باب ذمة المسلمين وجوارهم واحدة يسعى بها أدناهم (3001)، ومسلم: كتاب الحج، باب فضل المدينة ودعاء النبي صلى الله عليه وسلم فيها بالبركة (1370).

[17] انظر في تلك الصحف: محمد مطر الزهراني: تدوين السنة النبوية ص68- 72 بتصرف.

[18] انظر تقييد العلم ص49 –53، وابن عبد البر: جامع بيان العلم وفضله 1/63 – 65، ومحمد ضيف الله البطاينة: الحضارة الإسلامية ص317. دور صحابة رسول الله في تدريس سننه

 جاء عصرٌ أَضْحَى صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم المنهل الرئيس الذي يَسْتَقِي منه الناس كلَّ ما يتعلَّق بالنبي صلى الله عليه وسلم؛ فقام كثير من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم في تدريس الحديث الشريف، وأَخَذَ عشاقُ العِلْم الإسلامي من التابعين يتلقَّفون منهم جميع ما كانوا وعَوْه وحفِظوه من سُنَنِه؛ فقامت على إثر ذلك حركةٌ علميَّة نشطة، قادها نوابغُ من التابعين؛ لحفظ العِلْمِ النبوي وجَمْعِه من الذين تلقَّوْه مباشرة من الرسول صلى الله عليه وسلم، وكانت عمدتهم الكبرى الأخذ مشافهة وحفظ ما يسمعونه[19].

بَيْدَ أن هؤلاء الصحابة تفرَّقوا في الأمصار الإسلاميَّة بسبب الفتوحات، فتابعهم نوابغ التابعين عن طريق قطع الفيافي والقِفَار، فنشأت عن ذلك الرحلات التي كانت أقربَ إلى الأساطير؛ وذلك لطلب الحديث وسماعه وتدوينه، حتى كان منهم مَن يَرْحَل لسماع حديث من صحابي آخرَ ليَأْخُذَه عنه، ومنهم مَن يقطع آلاف الأميال ليَسْتَوْثِق من حديث واحد!

وظهر في عصر التابعين التدوينُ الكثير للسُّنَّة النبويَّة، وظهر الرأي الذي يرى ضرورةَ ذلك؛ خَشْيَة ضياع السُّنَّة، وخَشْية اختلاف الآراء في بيان الرسول صلى الله عليه وسلم لأحكام الدين؛ فقد شكا عبد الرحمن بن حَرْمَلَة تلميذُ سعيد بن المسيِّب إليه سوء حفظه، فوجَّهه للكتابة. كما كان الشَّعْبِيُّ من كبار التابعين يقول: "إذا سمعتم منِّي شيئًا فاكتبوه ولو في حائط"[20].

ولقد انتشرت كتابة الحديث في جيل التابعين على نطاق أوسع ممَّا كان في زمن الصحابة؛ إذ أصبحت الكتابة ملازمة لحلقات العلم المنتشرة في الأمصار الإسلاميَّة آنذاك، ولعلَّ من أسباب انتشار تدوين السُّنَّة في جيل التابعين هو انتشار الروايات، وطول الأسانيد، وكثرة أسماء الرواة وأنسابهم، وأيضًا بسبب موت كثير من حُفَّاظ السُّنَّة من الصحابة وكبار التابعين، حتى خِيفَ بذهابهم أن يذهب كثير من السُّنَّة، وكذلك ضَعْف مَلَكَة الحفظ مع انتشار الكتابة بين الناس، وكثرة العلوم المختلفة، ثم أخيرًا ظهور البدع والأهواء وفشوّ الكذب، فكان التدوين حِفَاظًا على السُّنَّة، وحماية لها من أن يَدْخُل فيها ما ليس منها، فشُرِع في تدوينها[21].

وعليه فقد كثرت صُحُف الأحاديث التي كُتِبَت في ذلك العصر، وكان منها على سبيل المثال لا الحصر: صُحُف سعيد بن جُبَيْرٍ تلميذ ابن عباس، وصحيفة بَشِير بن نَهِيك كتبها عن أبي هريرة وغيره، وصحف مجاهد بن جَبْرٍ تلميذ ابن عباس، وصحيفة أبي الزُّبَيْرِ محمد بن مسلم بن تَدْرُسَ المكِّيِّ تلميذ جابر بن عبد الله، يَرْوِي نُسَخَه عنه وعن غيره، وعن سعيد بن جُبَيْرٍ قال: "كنتُ أكتب عند ابن عباس في صحيفتي حتى أملأها، ثم أكتب في ظهر نعلِي، ثم أكتب في كفِّي"[22].

ونظرًا لأن الحاجة إلى تدوين السنة أخذت تَبْرُز أكثر فأكثر بمرور الأيام، على أثر تناقص حَفَظَة السُّنَّة من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتَعَرُّضِ المسلمِينَ للمستجدَّات المتزايدة من المشكلات، فقد فكَّرت الدولة جديًّا في كتابة السُّنَّة وتدوينها بشكل رسمي؛ لتكون إلى جانب القرآن الكريم مصدرًا ثانيًا يَسْهُل الرجوع إليه في حلِّ ما يواجِه المسلمين من مشكلات[23].

[19] انظر عبد الرحمن حسن الميداني: الحضارة الإسلامية ص462.

[20] انظر المصدر السابق ص463.

[21] انظر محمد مطر الزهراني: تدوين السنة النبوية ص74.

[22] انظر تقييد العلم ص101-105، وعبد الرحمن حسن الميداني: الحضارة الإسلامية ص462.

[23] انظر محمد ضيف الله البطاينة: الحضارة الإسلامية ص316، 317. جمع وتدوين سنة النبي ظهور الأحاديث الموضوعة الموطأ أول كتاب في الحديث

من الكتب التي ظهرتْ في هذه الفترة وكان لها أثرٌ كبير على حفظ السُّنَّة النبويَّة من الضياع، كتاب (الموطَّأ[33]) لإمام دار الهجرة مالك بن أنس (ت179هـ)، أمير المؤمنين في الحديث، وقد استغرق في تأليفه قرابة الأربعين سنة، اصطفاه وانتقاه من نحو مائة ألف حديث، وقد عرضه على أربعين من فقهاء المدينة، وبلغت عدد الأحاديث المجموعة فيه 853 حديثًا، كما جاء عن يحيى بن يحيى الأندلسي[34].

وكان ممن اشتهر بوضع المصنفات في الحديث في هذا القرن (القرن الثاني الهجري): ابن جُرَيْجٍ (ت 150 هـ)، وابن يسار المطلبي (ت 151 هـ) بالمدينة، ومعمر بن راشد الصنعاني (ت 153هـ) باليمن، والأوزاعي (ت 156هـ) بالشام، وشعبة بن الحَجَّاجِ (ت 160هـ) بالبصرة، وسفيان الثوري (161هـ) بالكوفة، والليث بن سعد (ت 175هـ) بمصر، وغيرهم من عظماء علماء الحديث[35].

[33] سمِّي الموطأ لأن الإمام مالك وطَّأ به الحديث، أي: يسَّره للناس، ومواطأة علماء المدينة لهم فيه وموافقتهم عليه.

[34] انظر عبد الرحمن حسن الميداني: الحضارة الإسلامية ص464، وللاستزادة عن الموطأ انظر تدوين السنة النبوية ص83 وما بعدها.

[35] انظر محمد مطر الزهراني: تدوين السنة النبوية ص82، ومصطفى السباعي: السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي ص124. ازدهار حفاظ السنة النبوية تجميع السنة وتمييز صحيحها انتشار حركة الاجتهاد

كما كان هناك كتب الجمع بين الكتب الخمسة أو الستَّة، وذلك مثل: "التجريد للصحاح والسنن" (الصحيحان، والموطأ، والترمذي، وأبو داود، والنسائي) للحافظ أبي الحسن رَزِين بن معاوية السَّرَقُسْطِيِّ (ت 535هـ)، وكذا "جامع الأصول في أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم" لمجد الدين المبارك بن محمد بن الأثير الجَزَرِيِّ (ت 606هـ)[47].

ومن أهمِّ مؤلَّفات هذا القرن في مجال خدمة السُّنَّة: "شرح السُّنَّة" للحافظ البَغَوِيِّ (ت 516هـ)، وله أيضًا "مصابيح السُّنَّة".

وبَعْدَ القرن الخامس وإلى القرن التاسع الهجري[48] أتى على المسلمين زمن امتُحِنُوا فيه ببعض المصائب والكوارث، التي حَلَّت بدارهم، وكان لها تأثير قويٌّ على كلِّ مظاهر الحياة من الناحية العلميَّة والاجتماعيَّة والسياسيَّة، وكان من أهمِّها: الحروب الصليبيَّة، وعاصرها وتلاها حروب التتار وسقوط بغداد على أيديهم سنة 656 هـ.

والحقيقة أنه مع أوائل القرن السابع الهجري أشرقت أنوار نهضة علميَّة جديدة على أيدي علماء السُّنَّة من المحدِّثين والفقهاء، من أمثال الحافظ عبد الغني المَقْدِسِيِّ (ت 643هـ)، والحافظ المُنْذِرِيِّ (ت 600هـ)، وسلطان العلماء العزِّ بن عبد السلام (ت 606هـ)، وغيرهم.

[47] انظر محمد مطر الزهراني: تدوين السنة النبوية ص133، و160، 161.

[48] انظر المادة في ذلك في محمد مطر الزهراني: تدوين السنة النبوية، من 175 – 225، فهو المصدر الرئيس والأساسي في مادة هذه الفترة (من بعد القرن الخامس إلى نهاية القرن التاسع). النهضة العلمية في القرن الثامن الهجري

بلغت النهضة العلمية في القرن الثامن الهجري الذروة على يد شيخ الإسلام أبي العباس ابن تيمية (ت 728هـ)، وعلى يَدِ تلامذته من بعده: المِزِّيِّ (ت 742هـ)، وابن القَيِّمِ (ت 751هـ)، وعَلَم الدين البرزالي (ت 739هـ)، وشمس الدين الذهبي (ت 748هـ)، والحافظ ابن كثير (ت 774هـ)، والحافظ ابن رجب الحنبلي (ت 795هـ).

ومِن بَعْدِهم وفي القرن التاسع الهجري حمل الراية الحافظ العراقي (ت 806هـ) وتلاميذه من أمثال: أبي بكر الهيثمي (ت 807هـ)، ثم البُوصِيرِي (ت 840هـ)، والحافظ ابن حجر العَسْقَلاني (ت 852هـ)، وغيرهم.

فقد أحيا هؤلاءِ الأعلامُ السُّنَّة، ونشروا العلم، وبصَّرُوا الأُمَّة بواقعها الذي تعيشه، وجدَّدوا لها ما انْدَرَس من أمر دِينِهَا في تلك العصور التي أَحْلَكَتْ فيها الظلمةُ على الأُمَّة، وابْتَعَد كثيرٌ من الناس عن نور النبوَّة، فاحتاجوا إلى مَنْ يُضِيء لهم الطريق ويُنير السبيل.

وبصفة عامَّة فقد سلك العلماء بعد القرن الخامس الهجري في مجال خدمة السُّنَّة المطهَّرة وعلومها مسالكَ شتَّى في مصنَّفاتهم، ويبرز ذلك من خلال العناية التامَّة بكُتب السلف؛ رواية ودراسة وشرحًا وترجمة، والعناية بعلوم الحديث؛ تأليفًا وترتيبًا وتهذيبًا، والابتكار في التصنيف والعناية بالترتيب؛ حيث أعادوا ترتيب كُتب السابقين، سواء في المتون أو في الرجال؛ ليسهل الانتفاع بها، كما ظهرت كتبٌ اعتنت بجمع الأحاديث ذات الموضوعات المعَيَّنَة.

وقد ظهرت في هذه الفترة في مجال خدمة السُّنَّة النبويَّة كتب من نوع خاصٍّ، كان من أهمِّها:

1- كتب الموضوعات: وهي التي تجمع الأحاديث الموضوعة المكذوبة مع بيان وضعها ومَن وضعها غالبًا، وهي في الغالب مرتَّبة على الكتب والأبواب؛ حيث اعتنى علماء الحديث ببيان الأحاديث الموضوعة المكذوبة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، والنهي عن روايتها، وكشف أحوال الكذَّابين، والتحذير من الاستماع إليهم أو الرواية عنهم، وهذا كله كان فيما قَبْلِ القرن الخامس منثورًا ومُفَرَّقًا في كتب الرجال والعلل وغيرها.

وقد كان من أهمِّ المؤلَّفات في ذلك: "تذكرة الموضوعات" لأبي الفضل محمد بن طاهر، المعروف بابن القَيْسَرَاني (ت 507هـ)، و"الأباطيل والمناكير والصحاح والمشاهير" للحسين بن إبراهيم الجُورْقَانِيِّ (ت 543هـ)، و"الموضوعات" للحافظ أبي الفرج ابن الجَوْزِيِّ (ت 597هـ)، و"الموضوعات" لأبي الفضل الحسن بن محمد الصغاني (ت 650هـ)، و"أحاديث القصاص" لابن تيمية (728هـ)، و"اللآلي المصنوعة في الأحاديث الموضوعة" لجلال الدين السيوطي (ت 911هـ).

2- كتب الأحكام: وهي الكتب التي اشتملت على أحاديث الأحكام مرتَّبة على الأبواب الفقهيَّة، وهي أحاديث انتقاها مؤلِّفو هذه الكتب من المصنفات الحديثيَّة الأصول، ورتَّبوها على أبواب الفقه، ومن أشهر هذه الكتب: "الأحكام الكبرى" لأبي محمد عبد الحقِّ الإِشْبِيلِيِّ المعروف بابن الخرَّاط (ت 581هـ)، وله أيضًا "الأحكام الوسطى والصغرى"، و"عمدة الأحكام عن سيد الأنام" لتقيِّ الدين أبي محمد عبد الغني المقدسي الجَمَّاعِيلِيِّ (ت 600هـ)، وقد شرحه ابن دَقِيق العيد (ت 702هـ) في كتابه: "إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام"، كما شرحه ابن الملقن (ت 804هـ) في كتاب سماه: "الإعلام بفوائد عمدة الأحكام"، وكذا شرحه الفيروزآبادي (ت 817هـ) صاحب القاموس.

ومن أشهر هذه الكتب أيضًا: "دلائل الأحكام من أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم" لبهاء الدين أبي المحاسن يوسف بن رافع الحلبي الشافعي (ت 632هـ)، و"الأحكام الكبرى" لمجد الدين عبد السلام ابن تيمية (ت 653هـ)، و"خلاصة الأحكام في مهمات السنن وقواعد الإسلام" لأبي زكريا يحيى بن شرف النَّوَوِيِّ (ت 676هـ)، و"الإلمام في بيان أدلة الأحكام" للعزِّ بن عبد السلام (ت 660هـ)، و"غاية الإحكام لأحاديث الأحكام" لمحبِّ الدين أحمد بن عبد الله الطبري (ت 694هـ)، و"الأحكام الكبرى" لابن كثير (ت 774هـ)، و"بلوغ المرام من أحاديث الأحكام" لابن حجر العسقلاني (ت 852هـ).

3- كتب غريب الحديث: وهي وإن كانت قد ظهرت مبكِّرًا – من مطلع القرن الثالث – إلاَّ إنها لم تبلغ نضجها إلاَّ بعد القرن الخامس الهجري، وهي تلك التي تجمع الكلمات الغريبة أو غامضة المعنى لتفسيرها وشرح المشكِل من معانيها، ومن أشهر المصنَّفات في ذلك: "غريب الحديث" لأبي عبيد القاسم بن سلام (ت 224هـ)، و"غريب الحديث" لابن قتيبة (ت 276هـ)، و"غريب الحديث" لابن إسحاق الحربي (ت 285هـ)، و"غريب الحديث" للخطَّابي (ت 388هـ)، و"الغريبين (غريب القرآن والحديث)" للهروي (ت 401هـ)، و"المجموع المغيث في غريبي القرآن والحديث" لأبي موسى محمد بن أبي بكر المديني الأصبهاني (ت 581هـ)، و"غريب الحديث" لابن الجوزي (ت 597هـ)، و"النهاية في غريب الحديث" لابن الأثير (ت 606هـ).

4- كتب الترغيب والترهيب: وهي الكتب التي جمع فيها مصنِّفوها أحاديث الترغيب في الأعمال الصالحة والأقوال الحسنة والنيَّات الخالصة، وأحاديث الترهيب من الأعمال السيِّئة والأقوال القبيحة والنيَّات الفاسدة، كما تضمُّ هذه المصنَّفات إلى جانب ذلك ما ورد في ذلك من الثواب والعقاب.

والحقيقة أن الكتب التي اهتمَّت بهذه الموضوعات ظهرت أيضًا في القرن الثالث الهجري، وكان من أهمِّها: "الترغيب والترهيب" لابن زنجويه (ت 251هـ)؛ لكنَّ هذه الكتب لم تكن كثيرة، كما كانت أغلب هذه الموضوعات مفرَّقة في كتب مفردة صغيرة، أمَّا في هذه الفترة فكانت هناك الأعمال الكبرى مثل: "الترغيب والترهيب" لأبي القاسم إسماعيل بن محمد التيمي الأصبهاني المعروف بقِوَام السُّنَّة (ت 535هـ)، و"الترغيب والترهيب" للمنذري (ت 656هـ)، و"الترغيب" لليافعي (ت 768هـ)، و"رياض الصالحين" للنووي (ت 676هـ) وهو أكثرهم شهرة.

5- كتب الأطراف: وهي الكتب التي يُقْتَصَر فيها على ذكر طرف الحديث الدالِّ على بقيَّته مع الجمع لأسانيده، إمَّا على سبيل الاستيعاب أو على جهة التقيُّد بكتب مخصوصة، كأطراف الصحيحين لأبي مسعود إبراهيم بن محمد الدمشقي (ت 401هـ)، وأطرافها أيضًا لأبي محمد خلف بن حمدون الواسطي (ت 401هـ).

ومن أهمِّ كتب الأطراف: "أطراف الكتب الستة" لأبي الفضل محمد بن طاهر المقدسي المعروف بابن القيسراني (ت 507هـ)، و"الإيماء لأطراف أحاديث الموطأ" لأبي العباس أحمد بن طاهر الأندلسي (ت 532هـ)، و"تحفة الأشراف بمعرفة الأطراف" للمِزِّيِّ (ت 742هـ)، و"الإطراف بأوهام الأطراف" لوليِّ الدين أحمد بن عبد الرحيم العراقي (ت 826هـ)، و"إتحاف المهرة بالفوائد المبتكرة من أطراف العشرة" للحافظ ابن حجر (ت 852هـ)، والكتب العشرة هي: موطَّأ مالك، ومسند الشافعي، ومسند الإمام أحمد، ومسند الدارمي، وصحيح ابن حبان، ومنتقى ابن الجارود، والمستدرك للحاكم، ومستخرج أبي عَوَانَة، وشرح معاني الآثار للطَّحَاوي، وسنن الدَّارَقُطْنِيِّ.

6- كتب التخريج: والتخريج هو: إخراجُ المحدِّثِ الأحاديثَ من بطون الأجزاء والمشيخات والكتب ونحوها، وسياقُها إمَّا من مرويَّات نفسه أو بعض شيوخه أو أقرانه ونحو ذلك، والكلامُ عليها وعزوها لمن رواها من أصحاب الكتب والدواوين[49]. ويُطْلَقُ التخريج ويُرَاد به الدلالة على مصادر الحديث الأصليَّة التي أَخْرَجته، وعَزَوْه إليها، ثم بيان مرتبته من الصحَّة أو الضعف[50].

[49] السخاوي: فتح المغيث 2/338.

[50] انظر محمود الطحان: أصول التخريج ص12. ظهور مدرسة تخريج الأحاديث

لا يشكُّ أحدٌ في فائدة التخريج؛ إذ لا يسوغ لطالب العلم، ولا سيما المتخصِّص في الحديث، أن يروي حديثًا إلاَّ بعد معرفة مَن أخرجه من الأئمة، ومرتبته من الصحَّة أو عدمها.

والحقيقة أن العلماء قديمًا لم يكونوا يحتاجون إلى التخريج، وخاصَّة في القرون الخمسة الأولى؛ لما حباهم الله من الحفظ وسعة الاطلاع على الكتب المسندة التي جمعت أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبقي الحال على ذلك عدَّة قرون، حتى ضعف الحفظ وقلَّ الاطلاع على كتب السُّنَّة ومصادرها الأساسيَّة، فصعُب على كثير من الناس معرفة مواضع الأحاديث التي استَشْهَد بها المصنِّفون في علوم الشريعة وغيرها، كالفقه، والتفسير، والتاريخ، والسِّيَر.

عند ذلك نهض بعض العلماء لتخريج أحاديث بعض الكتب المصنَّفة في غير الحديث، كالفقه والتفسير وغيرها، وعزو تلك الأحاديث إلى مصادرها من كتب السُّنَّة الأساسيَّة، وذكروا طُرُقَها وتكلَّموا على أسانيدها ومتونها بالتصحيح والتضعيف حسب ما تقتضيه القواعد، وعند ذلك ظهر ما يُسَمَّى بكتب التخريج، وكان من أوائل تلك الكتب: الكتب التي خرَّج الخطيب البغدادي (ت 463هـ) أحاديثها، ومن أشهرها: "تخريج الفوائد المنتخبة الصحاح والغرائب" لأبي القاسم المِهْرَوَانِيِّ، و"تخريج الفوائد المنتخبة الصحاح والغرائب" للحسيني.

ثم تتابعت بعد ذلك كتب التخريج حتى شاعت وكثرت، وبلغت عشرات المصنفات، وخاصَّة في القرنين الثامن والتاسع؛ وبذلك قدَّم علماء الحديث في القرون المتأخِّرة خدمة كبيرة لتلك الكتب التي خرَّجوا أحاديثها، كما قدَّموا أيضًا خدمة جليلة للسُّنَّة المطهَّرة ولطلبة علم الحديث الشريف.

ومن أشهر كتب التخريج: "نصب الراية لأحاديث الهداية" لعبد الله بن يوسف الزَّيْلَعِيِّ (ت 762هـ)، وله أيضًا: "تخريج أحاديث كشاف الزمخشري"، و"البدر المنير في تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في الشرح الكبير للرافعي"، لابن الملقن (ت 804هـ)، و"المُغني عن حمل الأسفار في الأسفار في تخريج ما في إحياء علوم الدين من الأخبار" للحافظ العراقي (ت 806هـ).

7- كتب الزوائد: وهي الكتب أو المصنفات التي تُعنى بجمع زوائد كتب مُعَيَّنة كالمسانيد والمعاجم على كتب مخصوصة من أُمَّهات كتب الحديث، كالكتب السِّتَّة، ومسند أحمد، وصحيح ابن حبان، وغيرها، وتكمن أهمِّيَّة كتب الزوائد في أنها تُكَوِّن موسوعة حديثيَّة إذا ضُمَّ بعضها إلى بعض، كما أنها تفيد في معرفة المتابَعات والشواهد، والوقوف على طرق بعض الأحاديث التي لولا كتب الزوائد لما تمكَّنَّا من معرفتها، إمَّا لضياع أصولها، أو لصعوبة الوصول إليها.

 ويُعْتَبَر الحافظ زين الدين عبد الرحيم بن الحسين العراقي (ت 806هـ) صاحب فكرة جمع الزوائد ومبتكرها، وإن كان لم يُؤَلِّف في ذلك، ثم جمع الهيثمي بإشارة من شيخه العراقي أيضًا زوائد هذه الكتب الستة في كتاب واحد محذوف الأسانيد سمَّاه: "مجمع الزوائد ومنبع الفوائد"، وكان له أيضًا: موارد الظمآن إلى زوائد ابن حبان، وبُغْيَة الباحث عن زوائد مسند الحارث.

وكان هناك أيضًا: المطالب العالية في زوائد المسانيد الثمانية، وزوائد البزار على الكتب الستة وزوائد مسند أحمد لابن حجر، وإتحاف الخيرة المهرة بزوائد المسانيد العشرة، و"مصباح الزجاجة في زوائد ابن ماجه على الخمسة" للبُوصِيرِيِّ (ت 840هـ).

8- كتب الجوامع: ويُراد بها في مصطلح الحديث ما يُوجد فيه جميع أقسام الحديث؛ أي أنه يضمُّ أحاديث العقائد، وأحاديث الأحكام، وأحاديث الرقائق، وأحاديث الآداب، والأحاديث المتعلِّقة بالتفسير، والأحاديث المتعلِّقة بالتاريخ والسير، وأحاديث الفتن والملاحم، وأحاديث المناقب والفضائل[51].

والمراد هنا بالطبع تلك الكتب التي قصد مصنِّفوها جَمْعَ الأحاديث النبويَّة فيها مطلقًا، كالجامع الكبير والجامع الصغير للسيوطي، أو جمع أحاديث كتب مخصَّصة[52]، كجامع الأصول لابن الأثير للكتب السِّتَّة، وجامع المسانيد لابن كثير للكتب العشرة.

ومن أهمِّ كتب الجوامع: بحر الأسانيد في صحيح المسانيد للسمرقندي (ت 491هـ)، قال عنه الذهبي: "جمع في هذا الكتاب مائة ألف حديث، وهو ثمانمائة جزء، لو رُتِّب وهُذِّب لم يقع في الإسلام مثله"[53].

وهناك أيضًا: "جامع الأصول لأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم" لأبي السعادات ابن الأثير (ت 606هـ)، و"جامع المسانيد" لابن كثير (ت 774هـ)، و"مجمع الزوائد ومنبع الفوائد" للهيثمي (ت 807هـ)، والجامع الكبير المعروف بجمع الجوامع لجلال الدين السيوطي (ت 911هـ).

[51] المباركفوري: مقدمة تحفة الأحوذي ص34.

[52] المصدر السابق ص40.

[53] تذكرة الحفاظ 4/1231. ضعف الاهتمام بعلوم الحديث النبوي

ضعف الاهتمام بعلوم الحديث النبوي منذ القرن العاشر الهجري، بسبب عوامل كثيرة، منها ما هو سياسي ومنها ما هو ثقافي، لكن السيد محمد رشيد رضا يذكر اهتمام علماء الهند بالحديث الشريف بقوله: "ولولا عناية إخواننا علماء الهند بعلوم الحديث في هذا العصر، لقُضِيَ عليها بالزوال من أمصار الشرق؛ فقد ضعفت في مصر والشام والعراق والحجاز، منذ القرن العاشر للهجرة، حتى بلغت منتهى الضعف في أوائل القرن الرابع عشر"[54].

وقد زاد الكوثري بقوله: وكان حظُّ إقليم الهند من هذا الميراث - منذ منتصف القرن العاشر - هو النشاط في علوم الحديث، فأقبل علماء الهند عليها إقبالاً كُلِّيًّا، بعد أن كانوا منصرفين إلى الفقه المجرَّد، والعلوم النظريَّة، وكم لعلماء الهند من شروح ممتعة، وتعليقات نافعة على الأصول الستة وغيرها! ولهم مؤلَّفات واسعة في أحاديث الأحكام، كما أن لهم دورًا في نقد الرجال، وعلل الأحاديث، وشرح الآثار[55].

[54] أ.ي. فنسك: مفتاح كنوز السنة، ترجمة محمد فؤاد عبد الباقي، المقدمة صق.

[55] محمد زاهد الكوثري: مقالات الكوثري ص73. أعلام علماء الحديث

من العلماء المعاصرين في البُلدان الإسلاميَّة الذين أخذوا على عاتقهم حمل راية الحديث، وقد كان لهم أثر كبير في حمل راية النهضة في مجال السُّنَّة النبويَّة؛ فمن علماء الهند وباكستان: أبو الحسنات محمد بن عبد الحي اللكنوي، ومحمد أنور شاه الكشميري، ومحمد عبد الرشيد النعماني، محمد تقي العثماني، ومحمد زكريا الكندهولي، وحبيب الرحمن الأعظمي. ومن الشام: محمد راغب الطباخ، ومحمد جمال الدين القاسمي، والدكتور مصطفى السباعي، والمحدِّث ناصر الدين الألباني، وعبد الفتاح أبو غدَّة، والدكتور نور الدين عتر. ومن العراق: الدكتور مصطفى جوَاد، والدكتور بشَّار عوَّاد، والدكتور أكرم ضياء العمري، وصبحي السامرائي. ومن مصر: محمد زاهد الكوثري، والمحدِّث أحمد محمد شاكر، وأحمد عبد الرحمن البنا الساعاتي، والعلامة محمد فؤاد عبد الباقي. ومن المغرب: محمد عبد الحي بن عبد الكبير الكَتَّاني، ومحمد بن جعفر الكَتَّاني، وعبد الله بن الصديق الغُماري. ومن اليمن: المحدِّث المحقق عبد الرحمن بن يحي المُعلِّمي. ومن السعودية: الشيخ حماد الأنصاري، وإسماعيل الأنصاري، وأبو عبد الرحمن بن عَقيل الظاهري. وفي موريتانيا: المحدِّث محمد الخضر الجكني الشنقيطي[56].

فقد ساهم هؤلاء الأعلام مساهمة جادَّة في خدمة السُّنَّة النبويَّة، وكان من هؤلاء المحدِّثين الناقدين: أحمد محمد شاكر الذي ساهم في إحياء كتب السُّنَّة مساهمة مشكورة، فنشر كثيرًا من كتبها نشرًا علميًّا ممتازًا، وهو يتوِّج أعماله بنشر كتاب "السُّنَّة" للإمام أحمد بن حنبل، ولقد كانت صعوبة المسند مصدر شكوى من كبار المحدِّثين، وهو ما جعل الحافظ الذهبي يقول: لعلَّ الله تبارك وتعالى أن يُقَيِّضَ لهذا الديوان السامي مَن يخدمه ويُبَوِّبه، ويتكلَّم عن رجاله، ويُرَتِّب هيئته ووضعه... ولعلَّ هذه الدعوة المباركة من الإمام الذهبي قد أصابت العلامة أحمد محمد شاكر؛ فقد عكف شاكر على مسند الإمام أحمد، وجعل لأحاديثه أرقامًا متتابِعة، بنى عليها فهارس ابتكرها، منها فهرس للصحابة رواة الحديث، مرتَّب على حروف المعجم، وفهرس الجرح والتعديل، وفهرس للأعلام والأماكن التي تُذْكَر في متن الحديث، وفهرس لغريب الحديث؛ لذا فإنَّ المتصفِّح لمسند الإمام أحمد بتحقيق الأستاذ أحمد محمد شاكر يجد أن متن الأحاديث يشغل من كل صفحة سطرًا أو بضعة أسطر، على حين يشغل التحقيق والشرح والتعليق الكثير من السطور في كل صفحة، وقد بلغت الأحاديث التي ضبطها وحققها المُحَقِّق إلى نهاية الجزء العاشر 6710 أحاديث مذكورة على غير أبوابها، لكن الشيخ شاكر جعل لها في نهاية كل جزء فهرسًا للأبواب، يَرُدُّ فيه كل حديث إلى رقمه، وقد اختلفت الأبواب بين الإيمان والقرآن، والسنة، والعلم، والذِّكْر، والدعاء، والطهارة، والجنائز، والزكاة، والرِّقِّ، والعتق[57].

[56] انظر عبد الستار الشيخ: أعلام الحفاظ والمحدثين، 1/71 - 73.

[57] انظر مجلة الكتاب: السنة السابعة 10/1245، ديسمبر 1952م. مجددو السنة النبوية

ومن العلماء البارزين الذين اهتمُّوا بتجديد السُّنَّة النبويَّة، والإسهام فيها بما يخدم الإسلام: الأستاذ الدكتور عبد الفتاح أبو غدة الحلبي السوري؛ فقد خدم السُّنَّة النبويَّة بمجموعة من المؤلَّفات المهمَّة، منها كتابه "لمحات من تاريخ السُّنَّة وعلوم الحديث"، حيث اهتمَّ الدكتور عبد الفتاح فيه على مقام السُّنَّة المطهَّرة من كتاب الله، وموقعها من الشرع الحنيف، وهو حديث كرَّره في أكثر من كتاب؛ ليَرُدَّ على الحملة الكاذبة التي شكَّكت في حُجِّيَّة السُّنَّة التي قادها المستشرق اليهودي المجري "جولد زيهر"، وقد اهتمَّ في هذا الكتاب إلى تمحيص طائفة من الأحاديث الضعيفة مُبَيِّنًا وَهنها الرَّكيك، والخلوص لأهمِّ أسباب الوضع في الحديث ونتائجه، منتهيًا إلى حديث شافٍ عن الإسناد، وتاريخ الرُّواة والرجال، ونقد الرُّواة وبيان حالهم، وعلم الجرح والتعديل، وعلم مصطلح الحديث، وأمارات الحديث الموضوع.

وللشيخ الجليل كتاب آخر هو "الإسناد من الدين"، ويتحدَّث فيه عن الإسناد باعتباره خصيصة للأُمَّة الإسلاميَّة، لا يجوز التهاون فيها[58].

ومن العلماء المجدِّين والمحدِّثين البارزين المعاصرين، محدِّث الديار الشامية محمد ناصر الدين الألباني، المولود في عام 1914م في ألبانيا، والمُتَوَفَّى عام 1999م في الأُرْدُنِّ، ومما استهوى الألباني بالاهتمام بعلم الحديث ما يقوله عن نفسه: أنه اضطلع على بحث بقلم الشيخ محمد رشيد رضا، صاحب مجلة المنار، يَصِفُ فيه كتاب إحياء علوم الدين للشيخ الغزالي، مشيرًا لمحاسنه ومآخذه، وكانت هذه هي المرَّة الأولى التي يُوَاجه فيها مثل هذا النقد العلمي، وهو ما جذب الألباني إلى مطالعة الجزء كله، ومقدِّمة تحقيقه.

وللألباني الكثير من المؤلَّفات في علم الحديث، حتى قال عنه الشيخ عبد العزيز بن باز: الألباني مجدِّد هذا العصر في علوم الحديث، وللشيخ الألباني أكثر من مائتي كتاب ما بين تأليف وتحقيق؛ منها: "سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها"، و"سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة وأثرها السيِّئ في الأُمَّة"، و"نصب المجانيق لنسف قصة الغرانيق"، و"منزلة السُّنَّة في الإسلام"، و"وجوب الأخذ بأحاديث الآحاد في العقيدة"، وغيرها[59].

وقد تميَّزت كتب الألباني بالتحقيق العلمي، والإحاطة بالأسانيد والشواهد، وتتبُّع أقوال المحدِّثين آخذًا منها وناقدًا لما يستحقُّ النقد في وقت كانت فيه الكتب قليلة، وكان جُلُّ اعتماده على المخطوطات في الظاهريَّة، فأفاد منها الكثير؛ لذا كان منهجه في الدعوة يقوم على:

1) الرجوع إلى الكتاب والسُّنَّة الصحيحة، وفهمها على النهج الذي كان عليه السلف الصالح.

2) تعريف المسلمين بدينهم الحقِّ، ودعوتهم إلى العمل بتعاليمه وأحكامه، والتحلِّي بفضائله وآدابه التي تكفل لهم رضوان الله وتُحَقِّق لهم السعادة والمجد.

3) تحذير المسلمين من الشرك على اختلاف مظاهره من البدع والأفكار الدخيلة والأحاديث المنكرة والموضوعة التي شوَّهت جمال الإسلام، وحالت دون تقدُّم المسلمين.

4) إحياء التفكير الإسلامي الحرِّ في حدود القواعد الإسلاميَّة، وإزالة الجمود الفكري الذي رَانَ على عقول كثير من المسلمين، وأبعدهم عن مَنْهَل الإسلام الصافي[60].

وهكذا كانت جهود العلماء المسلمين في خدمة السُّنَّة النبويَّة المطهَّرة، وقصتهم في حفظها وتدوينها، والتي اتَّسمت بالجدِّ والابتكار الذي يناسب كل عصر وظروفه ومستجدَّاته، وكذلك بالتكامل والتلاحم فيما بين هذه الجهود؛ بما يُظهِر أن علماء السُّنَّة كانوا في كلِّ العصور هم المنقِذُ للأُمَّة ممَّا تَتَرَدَّى فيه من البدع والانحرافات عن منهج رسول الله صلى الله عليه وسلم. [58] محمد رجب البيومي: النهضة الإسلامية 4/219. [59] عبد الله العقيل: محمد ناصر الدين الألباني محدِّث العصر وناصر السنة، مجلة المجتمع، عدد 1706، 17 يونيو 2006م. [60] المصدر السابق.  

 
 
   Bookmark and Share      
  
 قصة السنة

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7