الإثنين 20 مايو 2013

بعث الله عيسى عليه السلام – ككل الأنبياء والمرسلين - بالديانة الصحيحة النقية , بالتوحيد الخالص لله عز وجل وببشرية كاملة لعيسى عليه السلام , وبهذا قال عيسى ابن مريم لقومه وبلغهم ما أمره الله به ولم يحرف ولم يبدل ولم يخف شيئا من دين الله , وجسد هذا الحوار طبيعة مهمة عيسى عليه السلام التي جاء بها للدنيا " مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ " .

 

ولكن ما فتئت محاولات أصحاب الأهواء والضلالات في تحريف الديانة حتى اسفرت عن قرار لمجمع نيقية المسكوني للأساقفة عام 325 م الذي قرروا فيه أن :"يسوع المسيح (هو) ابن الله الوحيد، المولود من الآب قبل كل الدهور، نور من نور، إله حق من إله حق، مولود غير مخلوق، مسا نزل من السماء وتجسَّد من الروح القدس ومن مريم العذراء وتأنَّس وصُلِب عنَّا على عهد بيلاطس البنطي وتألم وقبر وقام في اليوم الثالث".

 

لكن لم تختف النصرانية الموحدة من الكنيسة فقامت جماعات وفرق لكي تعيد النصرانية الحقيقية وتخلصها من الكفر الوثني الذي حل بها ولكن عوديت تلك الجماعات حتى اضمحلت وتناثرت وخفت صوتها فلم يعد بينهم للحق داع ولا مجيب.

 

ومن هذه الجماعات الموحدة جماعة أقامها الأسقف المصري " أريوس " الذي عارض محاولات تفسير الديانة المسيحية ونسبتها إلى مفاهيم قديمة بالتثليث أو ما يسمى بالطبيعة المزدوجة التي اقتبسها بولس من المذاهب والدينات الوثنية وأدخلها في تفسيراته للمسيحية  حتى حولها وثنية خالصة .

 

وهنا فقط نستطيع أن نفهم الدلالة العميقة لاختيار النبي صلى الله عليه وسلم للفظة " الأريسيين " في كتابه صلى الله عليه وسلم لهرقل والمقوقس , فكانت مقصودة وفي محلها تماما , فقد وردت بهذا النص " من محمد رسول الله ، إلى هرقل عظيم الروم ، أسلم تسلم ، وإلا فإن عليك إثم الأريسيين " , فقال بعض أهل العلم كالإمام الطحاوي والإمام ابن حزم وغيرهما بأن الأريسيين طائفة من النصارى كانت تقول بنبوة عيسى عليه السلام وبشريته , وقد نقل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله خبر أريوس عن كتب النصارى أنفسهم كما قال: " إن التابعين لأريوس والقائلين بمقالته قد سموا (أريوسيين) مشتقًا من اسمه ".

 

وعاش أريوس في مدينة الإسكندرية في أوائل القرن الرابع الميلادي وشهد البدعة التي أطلقها بطريرك الإسكندرية (مكاريوس) الذي قال بألوهية المسيخ وبنوته لله فعارضه أريوس بالحجة والبرهان , وأثبت أمامه وأمام الجميع خطأ ما قال , وأثبت أن المسيح – عليه السلام - ليس إلها ولا ابنا للإله وإنما هو بشر مخلوق ورسول الله , وأبطل كذلك كل ما جاء في جميع الكتب الأربعة - متى ومرقص ولوقا ويوحنا- التي يستدل بها مكاريوس في ادعاءاته .

 

وذكر ابن البطريق في تاريخه [1] عن مذهب أريوس فقال:" إنه كان يقول إن الأب وحده هو الله وأن الابن مخلوق مصنوع وقد كان الأب حينما لم يكن الابن وقد تبعه مشايعون كثيرون وكانت كنيسة أسيوط على هذا الرأي وعلى رأسها ميلتوس , وكان أنصاره في الإسكندرية نفسها، وتبعه خلق كثير في فلسطين ومقدونية والقسطنطينية وحكم عليه بالطرد من الكنيسة في مجتمع نيقية 325 وتكفيره بعد أن أصدر ذلك المجمع قراره بألوهية المسيح".

 

لكن الذي ساهم في دحر قول أريوس التوحيدي وإعلاء قول مكاريوس الوثني هي السلطة الحاكمة التي تمثلت في قسطنطين ملك الروم الذي تنصر وتبعه خلق كثير من رعاياه من اليونان والرومان , فتمكنوا بالقوة والسلطة فرض آرائهم على الفئة الغالبة لدى الروم - الذين كانوا يؤمنون ببشرية المسيح وينكرون ألوهيته والتثليث والحلول - عن طريق الإكراه على قول بالتثليث أو يواجهون بالقتل والتنكيل والتحريف لهم ولكتبهم وإحراق وإفساد معابدهم .

 

وكان من الطبيعي أن يحكم على أريوس بالهرطقة , ولكن ذلك لم يمنع ذلك من انتشار مذهبه في كثير من البلدان , ولكنه ظل دوما مذهبا محاربا من السلطتين الكنسية الدينية والسلطة القيصرية , حتى يذكر المؤرخون أن أحد أبناء الإمبراطور (قسطنطين الكبير ) وهو ( قسطنس ) قد اعتنق المذهب الآريوسي لكنهم اغتالوه , وأيضا كان أقباط مصر في القرون الأولى على المذهب الآريوسي من التوحيد ولم يتحولوا إلى الارذوكسية إلا بعد مجمع نيقية بعدما أفسدهم مكاريوس .

 

ومن أمثلة المعاناة التي عاناها الموحدون على يد القياصرة والوثنيين من النصارى ما نقله شيخ الإسلام ابن تيمية في كتاب " الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح " فقال: " إنه كلما عين الإمبراطور بطرقا على المدن النصرانية لا يلبث أن يظهر لهم أنه (أريوس جديد ) فيُقتل أو يُطرد ويُنكل به وبأصحابه " .

 

وظل اسم اريوس الذي مات في 336 م علما على التوحيد في النصرانية إلى يومنا هذا , فكل من جاء بعده وأنكر عقيدة التثليث وإلهية المسيح يصفه رجال الكنيسة الرسميون بأنه آريوسي!! لصد الناس عنه بعد تشويه اسم الاريسية .

 

وعلى الرغم من ذلك فان الدعوة للتوحيد لم تنطفئ في النصرانية ولكنها سرعان ما تواجه بالقوة الغاشمة التي لا تريد أن تسمع لفظ التوحيد وتئد كل فكرة تنادي بها , ففي أوائل القرن السابع عشر الميلادي نشر الإيطالي فاوستو باولو سوزيني - 1539  : 1604 -  الذي اشتهر باسم سوسيانوس كتابا ينتقد فيه عقائد التثليث والتجسد غيرها مناديا بالتوحيد الخالص , وانتشرت تعاليمه في عدة أماكن وعرف مذهبه باسم " السوسيانية " نسبة إليه  , لكن أتباعه تعرضوا لأساليب اضطهاد وحشية منظمة منذ عام 1638 , فحرق الكثير منهم أحياء وحرم أكثرهم من حقوقهم المدنية وحرقت كتبهم , وأخيرا خيروا في عام 1658 بين قبول الكاثوليكية بوثنيتها  أو المنفى , فتشتتوا في أماكن عدة في ووصلت إلى الولايات المتحدة الأمريكية وكانت ذبك سببا في بداية تكوين الفرقة الشهيرة التي سميت باسم التوحيديين .

 

وفي عام 1947 ظهر ما سمي بأعظم اكتشاف للمخطوطات في العصر الحديث , وهي المخطوطات التي ظهرت فجأة في كهف قمران وكلها تؤكد البشرية للسيد المسيح وتنفي عنه الألوهية .

 

فعثر أحد البدو في أحد الكهوف على شاطئ البحر الميت على جرار حجرية غربية , ووجد فيها مخطوطات أذهلت العالم النصراني بأسره , والتي أطلق عليها كشوف شاطئ البحر الميت أو خربة قمران التي تقع جنوب مدينة أريحا , وتم فحصها والتأكد من صدق تاريخيتها وعدم تزييفها , فعقد من أجلها فقط مؤتمر للمستشرقين في باريس أثبت فيه أنها وثائق حقيقية لا زيف فيها ولا تلاعب لدرجة وصف أحد أبرز علماء الآثار وقتها لها بأنها " أعظم اكتشاف للمخطوطات في العصر الحديث وأفضل تاريخ يمكن أن تكون كتبت فيه هو مائة سنة قبل الميلاد بالحساب التقديري المعروف الآن ".

 

وكان مما أبرز ما جاء في هذه المخطوطات التي ظلت مطموسة أكثر من ستة عشر قرنا أن عيسى عليه السلام نبي مرسل بشر ولم يكن إلها ولا ابن إله , فتم طمس ذكرها وإخفاؤها على الفور

 

وفي عام 1977 صدر في باريس كتاب تحت اسم: The Myth of God Incarnat , أي : " أسطورة الله المتجسد " , والذي كتبه سبعة من كبار رجال الكهنوت يعلنون فيه إنكار ألوهية السيد المسيح ويقرون ببشريته فقط , ، وتُرجم للعربية والى عدة لغات عالمية، وضم عدة مقالات لعدد من كبار الأساتذة في اللاهوت وعلم مقارنة الأديان في جامعات بريطانيا , وكان من أبرز ما جاء فيه قولهم : " إن كُتَّاب هذا الكتاب مقتنعون بأن هناك في هذا الجزء الأخير من القرن العشرين حاجة ماسة لتطور عقائدي كبير آخر , هذه الحاجة أوجدتها المعرفة المتزايدة لأصول المسيحية، تلك المعرفة التي أصبحت تستلزم الاعتراف بعيسى أنه كان رجلا أيده الله لأداء دور خاص ضمن الهدف الإلهي، وأن المفهوم المتأخر عن عيسى والذي صار يعتبره " الله المتجسد و الشخص الثاني من الثالوث المقدس الذي عاش حياة إنسانية " ليس في الواقع إلا طريقة تعبير أسطورية وشعرية عما يعنيه عيسى المسيح بالنسبة إلينا " .

 

وهكذا تتجلى هذه الحقيقة المطمورة عمدا من التاريخ النصراني والتي ربما لا يعلمها كثير من النصارى والتي حاولت كثيرا أن تطل برأسها وتعلن عن نفسها بالعودة الصحيحة للديانة النصرانية الحقيقة التي لا تعني شيئا سوى الإسلام الآن بتوحيده الخالص الذي يقر بان عيسى عليه السلام لم يكن إلا عبدا من عباد الله ولم يكن إلها ولا شريكا في الألوهية ولا أقنوما من أقانيمها .

 

إن واجب الباحثين من المسلمين البحث والتنقيب والنشر لهذه الحقائق التاريخية وتبنيها , لأن هؤلاء القوم لا يعدمون وجود خير فيهم , ولكنهم لا يعلمون سوى ما ربوا عليه من هذا التثليث الوثني , وخاصة إن هذه المعاني هي معاني الفطرة السليمة التي لابد أن نواجههم بها.

 

إن البحث في هذه العقائد والتنقيب عنها وإيراد أدلتها ونشرها هو أوقع فيهم من مجرد سبهم أو تدمير منشأة يمتلكونها , لأنهم يريدون دوما أن تظل ردود أفعالنا على أي فعل مسيئ للنبي الكريم صلى الله عليه وسلم كما نفعل, فيجب أن نغير استراتيجيتنا تجاههم , فما هم عليه من عقيدة مهترئ وواه, ولابد وأن ينتقل الباحثون المسلمون من مرحلة الدفاع الني خنقتهم إلى مرحلة هجومية فكرية آن أوانها , ويعتبر التقصير فيها وتأخيرها من التفريط الشديد في حق الإسلام والمسلمين.

 


[1] سعيد بن البطريق طبيب ومؤرخ نصراني , هو أحد  مترجمي الخليفة المأمون، ولد في الفسطاط في 263 هـ أشهر كتبه في التاريخ الكتاب الذي نقلنا عنه وهو " نظم الجوهر " المعروف أيضا ب " تاريخ ابن البطريق "

 

 

 
 
   Bookmark and Share      
  
  الأريوسية الموحدة .. التوحيد المطمور في الديانة النصرانية

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7