الثلاثاء 2 يوليو 2013

مقدمة

يخلط الكثير بين الشورى الإسلامية والديمقراطية، لوجود بعض التشابه في الآليات بينهما، فيلبسون الديمقراطية ثوباً لا تستحقه، ويقللون من شأن نظام الشورى. وفي هذه الوريقات عرض لأهم مبادىء الشورى في الإسلام مع تبيين وجوه الخلاف بينها وبين الديمقراطية. ولأن الشورى مبدأ عظيم من مبادىء الإسلام، فيجب على الأمة الاهتمام بها وتطويرها بما يواكب العصر الحديث، وذلك بالأخذ بأسبابها الشرعية الواردة في الكتاب والسنة، واستصحاب منهجية النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين في تطبيقها، مع الاستفادة من التقنيات المعاصرة، ومراعاة ظروف الأمة.

 

مشروعية الشورى

إن الشورى مبدأ إسلامي أصيل، جاء الأمر به والحض عليه منذ الأيام الأولى لتكوين الجماعة المسلمة. فقد جاء في سورة الشورى، وهي سورة مكية، في صفات المؤمنين في قوله تعالى: (وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ) [الشورى: 38]، فجعل الله تعالى الشورى بين الصلاة والزكاة للدلالة على عظم شأنها. وجاء الأمر المباشر للنبي صلى الله عليه وسلم بالشورى في معرض منّ الله على نبيه بصفات القيادة، قال تعالى: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ) [آل عمران: 159]. بل جاء الأمر بالشورى فيما هو دون ذلك من الأمور، فقد جعل الله التشاور في أمر فصال الرضيع، قال تعالى: (فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا) [البقرة: 233]، وأمر الله نبيه بمشاورة أزواجه حين أكثرن عليه في طلب النفقة، فقال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (28) وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا) [الأحزاب: 28-29]، وحين عرض النبي صلى الله عليه وسلم الأمر على عائشة قال لها: (أُحِبُّ أَنْ لاَ تَعْجَلِى فِيهِ حَتَّى تَسْتَشِيرِى أَبَوَيْكِ . قَالَتْ وَمَا هُوَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَتَلاَ عَلَيْهَا الآيَةَ قَالَتْ أَفِيكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَسْتَشِيرُ أَبَوَىَّ بَلْ أَخْتَارُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ ). صحيح مسلم  (4 / 187).

وقد استجاب النبي صلى الله عليه وسلم لأمر ربه، فكانت الشورى دأبه وصفته. فعندما خرج إلى بدر يريد القافلة، وأراد الله لقاءهم لجيش قريش، شاور أصحابه فأشاروا عليه بالقتال، وكذا شاورهم بعد المعركة في شأن الأسرى وفدائهم. وشاور النبي أصحابه يوم أحد في الخروج من المدينة أو البقاء والتحصن فيها، ثم أخذ برأي الأغلبية في الخروج، وشاور أصحابه يوم الخندق، وأخذ برأي سلمان الفارسي في حفر الخندق، وشاور السعدين رضي الله عنهما في الصلح مع غطفان على ثلث ثمار المدينة، فأشارا بالرفض. وشاور أصحابه يوم الحديبية وكذلك شاور أم سلمة. وشاور الناس في حادثة الإفك. وهذه كلها حوادث مشهورة صحيحة من السيرة النبوية.

وعلى هذا سار أصحابه من بعده رضي الله عنهم، فتشاوروا يوم السقيفة فيمن يخلف النبي صلى الله عليه وسلم، وتشاورا في قتال المرتدين، وجمع المصحف، وقتال الروم، وشاور أبو بكر الصحابة قبل العهد إلى عمر بن الخطاب في الخلافة، وشاور عمر الصحابة في تقسيم أراضي سواد العراق والشام، وشاورهم في التأريخ الهجري، وفي تولية الولاة وتدوين الدواوين، وجعل الأمر شورى بين الستة الذين توفي النبي صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راض. وشاور عثمان رضي الله عنه الناس في جمع المصحف، وشاور ولاة الأمصار في شأن الفتنة، وغيرها كثير.

 

حكم الشورى

اختلف العلماء في حكم الشورى هل هي واجبة أم مستحبة، فذهب بعضهم لوجوب الشورى على الإمام لأن الله أمر بها نبيه صلى الله عليه وسلم، والأمر يقتضي الوجوب إلا إذا وجدت قرينة صارفة، ولم يوجد، فدل ذلك على أن الشورى واجبة. واستدلوا بآية سورة الشورى وجمع الله بينها وبين الصلاة والزكاة وهي من أوجب الواجبات، واعترض عليه بأن دليل القران ضعيف،ثم هي خبر وليس إنشاء، فرد الدكتور أكرم ضياء العمري بعد أن ذكر آيتي الشورى وآل عمران قائلاً: "إن الخبر إذا أريد به الإنشاء الطلبي فهو أقوى من الأمر، وأما الآية الثانية فهي بصيغة الأمر، وليس في القرآن قرينة تصرف الأمر عن الوجوب إلى الندب فلم يبق إلا أن نفتش في السنة، ولم أجد ـ حسب جهدي ـ في أحداث السيرة النبوية نصاً صحيحاً يدل على صرف الأمر بالشورى عن الوجوب إلى الندب" (الشورى ومعاودة إخراج الأمة: 102). واستدل بأنه لا تكون استقامة أمر المسلمين باستبداد حكامهم، بل لا تستقيم إلا بمشاورة أهل العلم والاختصاص وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. في حين رأى جمهور السلف أن الأمر للندب، أو هو خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم لتطييب خواطر أصحابه، وإلا فهو غني بالوحي عن مشاورتهم. ولخص أقوالهم وأدلتهم وناقشها الطاهر بن عاشور في (التحريروالتنوير 3 / 268 وما بعدها) فقال: "وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي مَدْلُولِ قَوْلِهِ: وَشاوِرْهُمْ هَلْ هُوَ لِلْوُجُوبِ أَوْ لِلنَّدْبِ، وَهَلْ هُوَ خَاصٌّ بِالرَّسُولِ- عَلَيْهِ الصَّلَاةُ السّلام-، أَوْ عَامٌّ لَهُ وَلِوُلَاةِ أُمُورِ الْأُمَّةِ كُلِّهِمْ.

فَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى الْوُجُوبِ وَالْعُمُومِ، قَالَ ابْنُ خُوَيْزِ مَنْدَادُ: وَاجِبٌ عَلَى الْوُلَاةِ الْمُشَاوَرَةُ، فَيُشَاوِرُونَ الْعُلَمَاءَ فِيمَا يُشْكِلُ مِنْ أُمُورِ الدِّينِ، وَيُشَاوِرُونَ وُجُوهَ الْجَيْشِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْحَرْبِ، وَيُشَاوِرُونَ وُجُوهَ النَّاسِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِمَصَالِحِهِمْ وَيُشَاوِرُونَ وُجُوهَ الْكُتَّابِ وَالْعُمَّالِ وَالْوُزَرَاءِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِمَصَالِحِ الْبِلَادِ وَعِمَارَتِهَا. وَأَشَارَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ إِلَى وُجُوبِهَا بِأَنَّهَا سَبَبٌ لِلصَّوَابِ فَقَالَ: وَالشُّورَى مِسْبَارُ الْعَقْلِ وَسَبَبُ الصَّوَابِ. يُشِيرُ إِلَى أَنَّنَا مَأْمُورُونَ بِتَحَرِّي الصَّوَابِ فِي مَصَالِحِ الْأُمَّةِ، وَمَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الْوَاجِبُ فَهُوَ وَاجِبٌ. وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ:

الشُّورَى مِنْ قَوَاعِدِ الشَّرِيعَةِ وَعَزَائِمِ الْأَحْكَامِ، وَمَنْ لَا يَسْتَشِيرُ أَهْلَ الْعِلْمِ وَالدِّينِ فَعَزْلُهُ وَاجِبٌ، وَهَذَا مَا لَا اخْتِلَاف فِيهِ. وَاعْتِرَاض عَلَيْهِ ابْنُ عَرَفَةَ قَوْلَهُ: فَعَزْلُهُ وَاجِبٌ وَلَمْ يَعْتَرِضْ كَوْنَهَا وَاجِبَةً، إِلَّا أَنَّ ابْنَ عَطِيَّةَ ذَكَرَ ذَلِكَ جَازِمًا بِهِ وَابْنُ عَرَفَةَ اعْتَرَضَهُ بِالْقِيَاسِ عَلَى قَوْلِ عُلَمَاءِ الْكَلَامِ بِعَدَمِ عَزْلِ الْأَمِيرِ إِذَا ظَهَرَ فِسْقُهُ، يَعْنِي وَلَا يَزِيدُ تَرْكُ الشُّورَى عَلَى كَوْنِهِ تَرْكُ وَاجِبٍ فَهُوَ فِسْقٌ. وَقُلْتُ: مَنْ حَفِظَ حُجَّةٌ عَلَى مَنْ لَمْ يَحْفَظْ، وَإِنَّ الْقِيَاسَ فِيهِ فَارِقٌ مُعْتَبَرٌ فَإِنَّ الْفِسْقَ مَضَرَّتُهُ قَاصِرَةٌ عَلَى النَّفْسِ وَتَرْكُ التَّشَاوُرِ تَعْرِيضٌ بِمَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ لِلْخَطَرِ وَالْفَوَاتِ، وَمَحْمَلُ الْأَمْرِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ لِلْوُجُوبِ وَالْأَصْلُ عِنْدَهُمْ عَدَمُ الْخُصُوصِيَّةِ فِي التَّشْرِيعِ إِلَّا لِدَلِيلٍ.

وَعَنِ الشَّافِعِيِّ أنّ هَذَا الْأَمر لِلِاسْتِحْبَابِ، وَلِتَقْتَدِيَ بِهِ الْأُمَّةُ، وَهُوَ عَامٌّ لِلرَّسُولِ وَغَيْرِهِ، تَطْيِيبًا لِنُفُوسِ أَصْحَابِهِ وَرَفْعًا لِأَقْدَارِهِمْ، وَرُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ قَتَادَةَ، وَالرَّبِيعِ، وَابْنِ إِسْحَاقَ. وَرَدَّ هَذَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ الرَّازِيُّ الْحَنَفِيُّ الْمَشْهُورُ بِالْجَصَّاصِ بِقَوْلِهِ: لَوْ كَانَ مَعْلُومًا عِنْدَهُمْ أَنَّهُمْ إِذَا اسْتَفْرَغُوا جُهْدَهُمْ فِي اسْتِنْبَاطِ الصَّوَابِ عَمَّا سُئِلُوا عَنْهُ، ثُمَّ لَمْ يَكُنْ مَعْمُولًا بِهِ، لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ تَطْيِيبٌ لِنُفُوسِهِمْ وَلَا رَفْعٌ لِأَقْدَارِهِمْ، بَلْ فِيهِ إِيحَاشُهُمْ فَالْمُشَاوَرَةُ لَمْ تُفِدْ شَيْئًا فَهَذَا تَأْوِيلٌ سَاقِطٌ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ، فِي صَدْرِ كِتَابِ الصَّلَاةِ مِنْ «شَرْحِ مُسْلِمٍ» : الصَّحِيحُ عِنْدَهُمْ وُجُوبُهَا وَهُوَ الْمُخْتَارُ. وَقَالَ الْفَخْرُ: ظَاهِرُ الْأَمْرِ أَنَّهُ لِلْوُجُوبِ.

وَلَمْ يَنْسِبِ الْعُلَمَاءُ لِلْحَنَفِيَّةِ قَوْلًا فِي هَذَا الْأَمْرِ إِلَّا أَنَّ الْجَصَّاصَ قَالَ فِي كِتَابِهِ أَحْكَامِ الْقُرْآنِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ: هَذَا يَدُلُّ على جلالة وَقع الْمَشُورَةِ لِذِكْرِهَا مَعَ الْإِيمَانِ وَإِقَامَةِ الصَّلَاةِ وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّنَا مَأْمُورُونَ بِهَا. وَمَجْمُوعُ كَلَامَيِ الْجَصَّاصِ يَدُلُّ أَنَّ مَذْهَبَ أَبِي حَنِيفَةَ وُجُوبُهَا.

وَمِنَ السَّلَفِ مَنْ ذَهَبَ إِلَى اخْتِصَاصِ الْوُجُوب بالنّبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَهُ الْحسن وسُفْيَان، قَالَا: وَإِنَّمَا أُمِرَ بِهَا لِيَقْتَدِيَ بِهِ غَيْرُهُ وَتَشِيعَ فِي أُمَّتِهِ وَذَلِكَ فِيمَا لَا وَحْيَ فِيهِ. وَقَدِ اسْتَشَارَ النّبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَصْحَابَهُ فِي الْخُرُوجِ لِبَدْرٍ، وَفِي الْخُرُوجِ إِلَى أُحُدٍ، وَفِي شَأْنِ الْأَسْرَى يَوْمَ بَدْرٍ، وَاسْتَشَارَ عُمُومَ الْجَيْشِ فِي رَدِّ سَبْيِ هَوَازِنَ.

وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا لَا تَكُونُ فِي الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ لِأَنَّ الْأَحْكَامَ إِنْ كَانَتْ بِوَحْيٍ فَظَاهِرٌ، وَإِنْ كَانَتِ اجْتِهَادِيَّةً، بِنَاءً عَلَى جَوَازِ الِاجْتِهَاد للنّبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْأُمُورِ الشَّرْعِيَّةِ، فَالِاجْتِهَادُ إِنَّمَا يَسْتَنِدُ لِلْأَدِلَّةِ لَا لِلْآرَاءِ وَإِذَا كَانَ الْمُجْتَهِدُ مِنْ أُمَّتِهِ لَا يَسْتَشِيرُ فِي اجْتِهَادِهِ، فَكَيْفَ تَجِبُ الِاسْتِشَارَةُ على النّبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ أَنَّهُ لَوِ اجْتَهَدَ وَقُلْنَا بِجَوَازِ الْخَطَإِ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ لَا يُقَرُّ عَلَى خَطَإٍ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ. وَلَمْ يَزَلْ مِنْ سُنَّةِ خُلَفَاءِ الْعَدْلِ اسْتِشَارَةُ أَهْلِ الرَّأْيِ فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ، قَالَ الْبُخَارِيُّ فِي كِتَابِ الِاعْتِصَامِ مِنْ «صَحِيحِهِ» : «وَكَانَتِ الْأَئِمَّةُ بعد النّبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَشِيرُونَ الْأُمَنَاءَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَكَانَ الْقُرَّاءُ أَصْحَابَ مَشُورَةِ عُمَرَ: كُهُولًا كَانُوا أَوْ شُبَّانًا، وَكَانَ وَقَّافًا عِنْدَ كِتَابِ اللَّهِ» .

وَأَخْرَجَ الْخَطِيبُ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: (قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ الْأَمْرُ يَنْزِلُ بَعْدَكَ لَمْ ينزل فِيهِ قُرْآن وَلَمْ يُسْمَعْ مِنْكَ فِيهِ شَيْءٌ- قَالَ: اجْمَعُوا لَهُ الْعَابِدَ مِنْ أُمَّتِي وَاجْعَلُوهُ بَيْنَكُمْ شُورَى وَلَا تَقْضُوهُ بِرَأْيٍ وَاحِدٍ)

وَاسْتَشَارَ أَبُو بَكْرٍ فِي قِتَالِ أَهْلِ الرِّدَّةِ، وَتَشَاوَرَ الصَّحَابَةُ فِي أَمْرِ الْخَلِيفَةِ بَعْدَ وَفَاة النّبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَجَعَلَ عُمَرُ- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- الْأَمْرَ شُورَى بَعْدَهُ فِي سِتَّةٍ عَيَّنَهُمْ، وَجَعَلَ مُرَاقَبَةَ الشُّورَى لِخَمْسِينَ مِنَ الْأَنْصَارِ، وَكَانَ عُمَرُ يَكْتُبُ لِعُمَّالِهِ يَأْمُرُهُمْ بِالتَّشَاوُرِ، وَيَتَمَثَّلُ لَهُم فِي كِتَابه بِقَوْلِ الشَّاعِرِ (لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ) :

خَلِيلَيَّ لَيْسَ الرَّأْيُ فِي صَدْرِ وَاحِدٍ ... أَشِيرَا عَلَيَّ بِالَّذِي تَرَيَانِ

هَذَا وَالشُّورَى ممّا جبل لله عَلَيْهِ الْإِنْسَانَ فِي فِطْرَتِهِ السَّلِيمَةِ أَيْ فَطَرَهُ عَلَى مَحَبَّةِ الصَّلَاحِ وَتَطَلُّبِ النَّجَاحِ فِي الْمَسَاعِي، وَلِذَلِكَ قَرَنَ اللَّهُ تَعَالَى خَلْقَ أَصْلِ الْبَشَرِ بِالتَّشَاوُرِ فِي

شَأْنِهِ إِذْ قَالَ لِلْمَلَائِكَةِ: (إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً) ]الْبَقَرَة: 30[، إِذْ قَدْ غَنِيَ اللَّهُ عَنْ إِعَانَةِ الْمَخْلُوقَاتِ فِي الرَّأْيِ وَلَكِنَّهُ عَرَضَ عَلَى الْمَلَائِكَةِ مُرَادَهُ لِيَكُونَ التَّشَاوُرُ سُنَّةً فِي الْبَشَرِ ضَرُورَةَ أَنَّهُ مُقْتَرِنٌ بِتَكْوِينِهِ، فَإِنَّ مُقَارَنَةَ الشَّيْءِ لِلشَّيْءِ فِي أَصْلِ التَّكْوِينِ يُوجِبُ إِلْفَهُ وَتَعَارُفَهُ، وَلَمَّا كَانَتِ الشُّورَى مَعْنًى مِنَ الْمَعَانِي لَا ذَاتَ لَهَا فِي الْوُجُودِ جَعَلَ اللَّهُ إِلْفَهَا لِلْبَشَرِ بِطَرِيقَةِ الْمُقَارَنَةِ فِي وَقْتِ التَّكْوِينِ. وَلَمْ تَزَلِ الشُّورَى فِي أَطْوَارِ التَّارِيخِ رَائِجَةً فِي الْبَشَرِ فَقَدِ اسْتَشَارَ فِرْعَوْنُ فِي شَأْنِ مُوسَى- عَلَيْهِ السَّلَامُ- فِيمَا حَكَى اللَّهُ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: (فَماذا تَأْمُرُونَ) ]الْأَعْرَاف: 110[ . وَاسْتَشَارَتْ بِلْقِيسُ فِي شَأْنِ سُلَيْمَانَ- عَلَيْهِ السَّلَامُ- فِيمَا حَكَى اللَّهُ عَنْهَا بِقَوْلِهِ: قالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قاطِعَةً أَمْراً حَتَّى تَشْهَدُونِ وَإِنَّمَا يُلْهِي النَّاسَ عَنْهَا حُبُّ الِاسْتِبْدَادِ، وَكَرَاهِيَةُ سَمَاعِ مَا يُخَالِفُ الْهَوَى، وَذَلِكَ مِنَ انْحِرَافِ الطَّبَائِعِ وَلَيْسَ مِنْ أَصْلِ الْفِطْرَةِ، وَلِذَلِكَ يُهْرَعُ الْمُسْتَبِدُّ إِلَى الشُّورَى عِنْدَ الْمَضَائِقِ. ".

والصحيح ـ والله أعلم ـ أن حكم الشورى هو الوجوب، لأن الأمر جاء جازماً للنبي صلى الله عليه وسلم، فلا صارف له للندب، ولا يجوز تخصيص الأمربالنبي صلى الله عليه وسلم إلا بقرينة. بل يقال إذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قد أُمر بالشورى وهو المؤيد بالوحي ولا يقر على خطأ وهو معصوم من الوقوع في الإثم، فمن دونه من الحكام والولاة أولى بالأمر والإلزام. وعلى هذا سار خلفاؤه الراشدون، وهم الذين أمرنا باتباع سنتهم، من قول النبي صلى الله عليه وسلم: (فَعَلَيْهِ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ) (رواه الترمذي(5 / 44) وقال حسن صحيح). أما الاستبداد بالرأي فإنما كان من سنة من بعدهم، وهذا الذي فعل بالأمة الأفاعيل. وإذا كان علماء السلف قالوا باستحباب الشورى للولاة فلأن الغالب على ولاتهم الدين والعلم، أما حيث يسود الجهل أو على الأقل يفقد الإمام المجتهد فيتعين عليه مشاورة أهل العلم والاختصاص. وإذا كان الإمام الشافعي قد قال باستحباب الشورى فإن المحققين في مذهبه قالوا بالوجوب،  فقد قال النووي (شرح صحيح مسلم 4 / 76): " وَاخْتَلَفَ أَصْحَابنَا هَلْ كَانَتْ الْمُشَاوَرَة وَاجِبَة عَلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمْ كَانَتْ سُنَّة فِي حَقّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا فِي حَقّنَا ؟ وَالصَّحِيح عِنْدهمْ وُجُوبهَا ، وَهُوَ الْمُخْتَار ، قَالَ اللَّه تَعَالَى: (وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْر) وَالْمُخْتَار الَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُور الْفُقَهَاء وَمُحَقِّقُو أَهْل الْأُصُول أَنَّ الْأَمْر لِلْوُجُوبِ ".

 

مجالات الشورى

في النظام الديمقراطي يطرح كل أمر للمشاورة وما يتفق عليه الأغلبية يصبح قانوناً نافذاً بغض النظر عن موافقته لشرع الله أو مخالفته، فلربما تواضعوا اليوم على إيجاب شيء، ليحرموه بعد ذلك في مجلس آخر أو جيل آخر. ولكن مجال الشورى في الإسلام فيما لا نص فيه من كتاب أو سنة من أمور الدين والدنيا، لأن المسائل التي فيها نص شرعي ليست مجالاً للاجتهاد أو الخيرة. قال تعالى: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا)[الأحزاب : 36]. أما أمور الدنيا وما لا نص فيه فنجتهد فيها فيما يبدو لنا مصلحته وبما لا يتعارض مع نصوص الشرع، والقاعدة في هذا قوله صلى الله عليه وسلم: (أَنْتُمْ أَعْلَم بِأَمْرِ دُنْيَاكُمْ) (رواه مسلم 4 / 1836).

وقد جعل بعضهم الشورى في كل ما لم يرد به نص من شأن الدين والدنيا، وقال بعضهم بل هي في شأن الحروب فقط، وقيل بل في أمر الدنيا دون أمر الدين. والصحيح الثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم المشاورة في كل ما لم يرد به نص من دين أو دنيا، كما مر معنا سابقاً.

قال القرطبي في تفسيره (16 / 37):"وقد كان النبي صلى الله سبحانه يشاور أصحابه في الآراء المتعلقة بمصالح الحروب ؛ وذلك في الآراء كثير. ولم يكن يشاورهم في الأحكام ؛ لأنها منزلة من عند الله على جميع الأقسام من الفرض والندب والمكروه والمباح والحرام. فأما الصحابة بعد استئثار الله تعالى به علينا فكانوا يتشاورون في الأحكام ويستنبطونها من الكتاب والسنة".

وقال الطاهر بن عاشور في التحرير والتنوير: "وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا لَا تَكُونُ فِي الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ لِأَنَّ الْأَحْكَامَ إِنْ كَانَتْ بِوَحْيٍ فَظَاهِرٌ، وَإِنْ كَانَتِ اجْتِهَادِيَّةً، بِنَاءً عَلَى جَوَازِ الِاجْتِهَاد للنّبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْأُمُورِ الشَّرْعِيَّةِ، فَالِاجْتِهَادُ إِنَّمَا يَسْتَنِدُ لِلْأَدِلَّةِ لَا لِلْآرَاءِ وَإِذَا كَانَ الْمُجْتَهِدُ مِنْ أُمَّتِهِ لَا يَسْتَشِيرُ فِي اجْتِهَادِهِ، فَكَيْفَ تَجِبُ الِاسْتِشَارَةُ على النّبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ أَنَّهُ لَوِ اجْتَهَدَ وَقُلْنَا بِجَوَازِ الْخَطَإِ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ لَا يُقَرُّ عَلَى خَطَإٍ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ.

وَلَمْ يَزَلْ مِنْ سُنَّةِ خُلَفَاءِ الْعَدْلِ اسْتِشَارَةُ أَهْلِ الرَّأْيِ فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ، قَالَ الْبُخَارِيُّ فِي كِتَابِ الِاعْتِصَامِ مِنْ «صَحِيحِهِ» : «وَكَانَتِ الْأَئِمَّةُ بعد النّبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَشِيرُونَ الْأُمَنَاءَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَكَانَ الْقُرَّاءُ أَصْحَابَ مَشُورَةِ عُمَرَ: كُهُولًا كَانُوا أَوْ شُبَّانًا، وَكَانَ وَقَّافًا عِنْدَ كِتَابِ اللَّهِ".

 وقال الشيخ عبد الرحمن عبد الخالق في (أصول العمل الجماعي: 34): "إن الأمور الشورية هي في مجالات التطبيق فقط وما يسميه علماء الأصول بتحقيق المناط فأصول الأحكام ليست محلاً للنظر والاجتهاد كحرمة الخمر والزنا، ووجوب الصلاة والصوم والزكاة والحج".

نعم لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يشاور أحداً في طاعة الله، ولكنه قد يستشير في كيفية تطبيق هذه الطاعة. قال الدكتور علي الصلابي (الشورى: 159): "على أن الحكم الشرعي القطعي رغم ذلك يبقى محلاً للشورى من حيث التنزيل والتنفيذ، وما يتصل بذلك من شروط وكيفيات وآجال وعوائق أو موانع، فيمكن التشاور بشأنه من هذه النواحي لا من حيث المبدأ، وهذا ما نبه عليه أبو عبدالله بن الأزرق في النوع الثاني مما يستشار فيه بقوله: المستشار فيه أي ما تقع فيه المشاورة نوعان:

-       ما هو من أمور الدنيا وخفي وجه الصواب فيه، فيطلب العثور عليه بالمشورة.

-       ما هو من مقاصد الدين، ولم يتعينفيه الحال، أو أشكل فيه التلبس بالعمل به باعتبار أمر خارج عن ذاته".

أما في المسائل الاجتهادية أو ما خفي دليلها، فقد تشاور بها أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بعد وفاته، فقد تشاوروا في قتال المرتدين، وجمع المصحف، وتقسيم سواد العراق، وغيرها من المسائل. قال ابن حجر في فتح الباري (13 / 352): "وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي مُتَعَلَّقِ الْمُشَاوَرَةِ فَقِيلَ فِي كُلِّ شَيْءٍ لَيْسَ فِيهِ نَصٌّ وَقِيلَ فِي الْأَمْرِ الدُّنْيَوِيِّ فَقَطْ وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ إِنَّمَا كَانَ يشاورهم فِي أَمْرِ الْحَرْبِ مِمَّا لَيْسَ فِيهِ حُكْمٌ لِأَنَّ مَعْرِفَةَ الْحُكْمِ إِنَّمَا تُلْتَمَسُ مِنْهُ قَالَ وَمن زعم انه كَانَ يشاورهم فِي الْأَحْكَامِ فَقَدْ غَفَلَ غَفْلَةً عَظِيمَةً وَأَمَّا فِي غَيْرِ الْأَحْكَامِ فَرُبَّمَا رَأَى غَيْرُهُ أَوْ سَمِعَ مَا لَمْ يَسْمَعْهُ أَوْ يَرَهُ كَمَا كَانَ يَسْتَصْحِبُ الدَّلِيلَ فِي الطَّرِيقِ وَقَالَ غَيْرُهُ اللَّفْظُ وَإِنْ كَانَ عَامًّا لَكِنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْخُصُوصُ لِلِاتِّفَاقِ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يُشَاوِرُهُمْ فِي فَرَائِضِ الْأَحْكَامِ قُلْتُ وَفِي هَذَا الْإِطْلَاقِ نظر فقد اخْرُج التِّرْمِذِيّ وَحسنه وَصَححهُ بن حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ قَالَ لَمَّا نَزَلَتْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ الْآيَةَ قَالَ لِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا تَرَى دِينَارٌ قُلْتُ لَا يُطِيقُونَهُ قَالَ فَنِصْفُ دِينَارٍ قُلْتُ لَا يُطِيقُونَهُ قَالَ فَكَمْ قُلْتُ شَعِيرَةٌ قَالَ إِنَّكَ لَزَهِيدٌ فَنَزَلَتْ أَأَشْفَقْتُمْ الْآيَةَ قَالَ فَبِي خَفَّفَ اللَّهُ عَنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ".

وقد يعترض الديمقراطيون علينا فيقولون أنتم تقيدون حرية الناس وخياراتهم، فنقول: في كل الأنظمة الديمقراطية قوانين حاكمة أو مواد فوق دستورية لا يجوز مخالفتها أو الخروج عنها ـ كالتي أريد فرضها على مصر بعد الثورة ـ وهذه المواد من وضع البشر، أما موادنا فوق الدستورية فهي من عند الله، وعلى كل من آمن بأن هذا الدين من عند الله أن يخضع لها ويحتكم إليها، وشتان شتان بين حكم الله العلي العظيم، وحكم البشر، قال تعالى: (أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ) [المائدة : 50].

 

هل الشورى ملزمة أم معلمة؟

اختلف العلماء  ـ بعد خلافهم في حكم المشاورة ـ فيما يترتب على المشورة، وهل الحاكم ملزم بما دار في المشورة أو ما أشار به الأغلبية، أم يختار ما شاء بعد الاستئناس بما سمع من آرائهم. ولا بد هنا وقبل مناقشة هذه المسألة من التمييز بين نوعين من الحكام، فالحاكم الذي قصرت رتبته عن الاجتهاد أو الاختصاص في الموضوع مدار البحث، فهنا يجب عليه الالتزام برأي أهل الشورى، لقوله تعالى: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) [النحل : 43]، وفي ذلك يقول الإمام أبو المعالي الجويني: "ولو لم يكن مجتهداً في دين الله ـ أي الحاكم ـ للزمه تقليد العلماء واتباعهم، وارتقاب أمرهم ونهيهم، وإثباتهم ونفيهم"، أما إن كان الحاكم من أهل الاجتهاد والاختصاص، فهذا الذي اختلف العلماء في إلزامه برأي أهل الشورى. (د. خالد بن عبد الله الشمراني: التعبير عن الرأي).

وقال ابن حجر في فتح الباري نقلاً عن الإمام الشافعي رحمه الله: "إِنَّمَا يُؤْمَرُ الْحَاكِمُ بِالْمَشُورَةِ لِكَوْنِ الْمُشِيرِ يُنَبِّهُهُ عَلَى مَا يَغْفُلُ عَنْهُ ويدله على مَالا يَسْتَحْضِرُهُ مِنَ الدَّلِيلِ لَا لِيُقَلِّدَ الْمُشِيرَ فِيمَا يَقُولُهُ فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَجْعَلْ هَذَا لِأَحَدٍ بَعْدَ رَسُولُ اللَّهَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ". فتح الباري لابن حجر (13 / 354)، وإلى هذا ذهب أيضاً ابن جرير الطبري والنووي والجصاص وغيرهم من العلماء، واستدلوا بأدلة منها قوله تعالى: (فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ) [آلعمران : 159]، فقالوا إذا عزمت فامض لما رأيت سواء وافق مشورة أصحابك أم خالفها، كما ذكر الطبري في تفسيرها، واستدلوا بقول الله تعالى: (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِيشَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ) [النساء : 59]، ووجه الدلالة أن المرجع عند التنازع يكون لكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وليس المرجع عند التنازع هو رأي جمهور أهل الشورى، ثم إن إجماع العلماء هو الحجة وليس قول الجمهور، وكون الحاكم خالف أهل الشورى، فليس هنالك إجماع وبالتالي ليس هنالك إلزام. واستدلوا بحوادث من السيرة والتاريخ لمخالفة أهل الشورى، منها أن النبي صلى الله عليه وسلم خالف أصحابه يوم الحديبية ووافق على الصلح على الرغم من رفض الصحابة له، وخالف أبو بكر أصحابه فبعث جيش أسامة وقاتل المرتدين من مانعي الزكاة، وخالف عمر الصحابة في تقسيم سواد العراق، وأتم عثمان الصلاة في الحج على الرغم من مخالفة الصحابة له.

وخالفهم آخرون، فقالوا بل يجب على الإمام اتباع أهل الشورى، وإلا فما الفائدة من المشاورة. واستدلوا بعموم الآيات التي تحدثت عن الشورى، ومن أنه لم يثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قد خالف أهل الشورى.

وأظن أن سبب الخلاف وجود أمثلة من السيرة النبوية ومن سيرة الخلفاء الراشدين التي خالف فيها الإمام رأي أهل الشورى، ولكن بالمقابل كان هنالك مواضع وافق فيها الإمام رأي أهل الشورى على الرغم من مخالفة رأيه الشخصي.

قال ابن تيمية (السياسةالشرعية: 118): " وَإِذَا اسْتَشَارَهُمْ، فَإِنْ بَيَّنَ لَهُ بَعْضُهُمْ مَا يجب اتباعه من كتاب الله أَوْ سُنَّةِ رَسُولِهِ أَوْ إجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ، فَعَلَيْهِ اتباع ذلك، ولا طاعة لأحد فِي خِلَافِ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ عَظِيمًا فِي الدِّينِ وَالدُّنْيَا. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} [النساء: 59].

وَإِنْ كَانَ أَمْرًا قَدْ تَنَازَعَ فِيهِ الْمُسْلِمُونَ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَسْتَخْرِجَ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمْ رَأْيَهُ وَوَجَّهَ رَأْيَهُ، فَأَيُّ الْآرَاءِ كَانَ أَشْبَهُ بِكِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ عَمِلَ بِهِ. كَمَا قَالَ تَعَالَى: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا{ [النساء:59]".

والذي أراه والله أعلم أن على الإمام متابعة أهل الشورى فيما يشيرون به إلا إذا كان إماماً مجتهداً وقاده اجتهاده المبني على دليل شرعي إلى رأي محدد فهنا يقول برأيه وليس عليه تقليد رأي أحد حتى لو كانوا الجمهور. ولو تتبعنا الأمثلة التي يذكرها الذين يقولون بعدم إلزامية الشورى للأمام لوجدناها تدور حول هذا المعنى.

فقد استدل بمخالفة النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه يوم الحديبية فوقع الصلح وهم كارهون. (فعن أَبِى وَائِلٍ قَالَ قَامَ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ يَوْمَ صِفِّينَ فَقَالَ أَيُّهَا النَّاسُ اتَّهِمُوا أَنْفُسَكُمْ لَقَدْ كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ وَلَوْ نَرَى قِتَالاً لَقَاتَلْنَا وَذَلِكَ فِى الصُّلْحِ الَّذِى كَانَ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- وَبَيْنَ الْمُشْرِكِينَ فَجَاءَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَسْنَا عَلَى حَقٍّ وَهُمْ عَلَى بَاطِلٍ قَالَ « بَلَى ». قَالَ أَلَيْسَ قَتْلاَنَا فِى الْجَنَّةِ وَقَتْلاَهُمْ فِى النَّارِ قَالَ « بَلَى ».

قَالَ فَفِيمَ نُعْطِى الدَّنِيَّةَ فِى دِينِنَا وَنَرْجِعُ وَلَمَّا يَحْكُمِ اللَّهُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ فَقَالَ « يَا ابْنَ الْخَطَّابِ إِنِّى رَسُولُ اللَّهِ وَلَنْ يُضَيِّعَنِى اللَّهُ أَبَدًا ». قَالَ فَانْطَلَقَ عُمَرُ فَلَمْ يَصْبِرْ مُتَغَيِّظًا فَأَتَى أَبَا بَكْرٍ فَقَالَ يَا أَبَا بَكْرٍ أَلَسْنَا عَلَى حَقٍّ وَهُمْ عَلَى بَاطِلٍ قَالَ بَلَى. قَالَ أَلَيْسَ قَتْلاَنَا فِى الْجَنَّةِ وَقَتْلاَهُمْ فِى النَّارِ قَالَ بَلَى. قَالَ فَعَلاَمَ نُعْطِى الدَّنِيَّةَ فِى دِينِنَا وَنَرْجِعُ وَلَمَّا يَحْكُمِ اللَّهُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ فَقَالَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ إِنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ وَلَنْ يُضَيِّعَهُ اللَّهُ أَبَدًا. قَالَ فَنَزَلَ الْقُرْآنُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- بِالْفَتْحِ فَأَرْسَلَ إِلَى عُمَرَ فَأَقْرَأَهُ إِيَّاهُ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَوَفَتْحٌ هُوَ قَالَ « نَعَمْ ». فَطَابَتْ نَفْسُهُ وَرَجَعَ).رواه البخاري (8/ 222) ومسلم (5 / 175). قال ابن حجر في فتح الباري (8 / 283): "قوله : ( إني رسول الله ولست أعصيه)ظاهر في أنه صلى الله عليه وسلم لم يفعل من ذلك شيئاً إلا بالوحي".

واستدلوا بمخالفة أبي بكر رضي الله عنه للصحابة في إنفاذ جيش أسامة، وفي قتال المرتدين، وهذا كان منه رضي الله عنه للدليل الذي استدل به من حديث النبي صلى الله عليه وسلم، ثم اقتنع الصحابة بعد برأيه فكان إجماعاً. قال البخاري في صحيحه (6 / 2681): "لَمْ يَلْتَفِتْ أَبُو بَكْرٍ إِلَى مَشُورَةٍ إِذْ كَانَ عِنْدَهُ حُكْمُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الَّذِينَ فَرَّقُوا بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَأَرَادُوا تَبْدِيلَ الدِّينِ وَأَحْكَامِهِ وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ) ".

واستدلوا بمخالفة عمر رضي الله عنه لرأي أصحابه في تقسيم أرض العراق. والصحيح أنه لم يكن رأي عمر وحده بل كان هنالك موافق ومخالف له، وبالنهاية استدل عمر رضي الله عنه بقول الله تعالى: (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ) [الحشر : 10]، فاستدل بها أنه سيكون هنالك مسلمون آخرون لاحقون لعهد الصحابة، فأبقى الأرض بلا تقسيم لينفق منها على من يأتي بعد ذلك من المسلمين (الخراج لأبي يوسف: 67).

واستدلوا بمخالفة عثمان رضي الله عنه لأصحابه، فأتم الصلاة في منى وكان رأي أصحابه القصر والجمع عملاً بسنة النبي صلى الله عليه وسلم، ورد بأن عثمان إمام مجتهد يرى أن القصر إنما يكون بسبب الخوف ولذلك قصر النبي صلى الله عليه وسلم، وقد أمن الناس في زمانه فليس هنالك قصر بسبب الخوف، وقيل بل كان له أهل في منى فأصبح مقيماً ولذلك أتم الصلاة.

وبالمقابل فقد نزل النبي صلى الله عليه وسلم لرأي الحباب بن المنذر يوم بدر فغير موقع نزوله، ونزل النبي صلى الله عليه وسلم عن رأيه يوم أحد فتابع الأغلبية الذين رأوا الخروج لمقاتلة قريش خارج المدينة، ونزل صلى الله عليه وسلم لرأي السعدين يوم الخندق بعد أن كتب كتاباً بالصلح مع غضفان، وهي كلها أحاديث مشهورة.

يقول الشيخ عبد الرحمن عبد الخالق (أصول العمل الجماعي: 33): "ولا شك أن المصلحة تقتضي إلزامية الشورى ووجوب العمل برأي الأغلبية؛ لأن هذا أولاً أدعى للبعد عن الاستبداد وسد ذرائع اتباع الهوى والمنافع الخاصة، وجعل المسؤولية جماعية وتحميل الأمة، والجماعة نتيجة قرارها، وسد باب الطعن في الأمراء، وتحقير اجتهادهم.. وهو كذلك من أعظم أسباب لمّ الشمل ووحدة الكلمة، وعدم الاعتراض على الأمر لأنه يكون صادراً بجمهور المستشارين، ورضا الأمة والجماعة.. ثم إن الإمام العام أو الأمير الخاص هو في النهاية فرد من الأفرد قد يكون له من إخوانه ورعيته أكفاؤه وأمثاله، بل قد يكون هناك من هو أكفأ منه، ولكن الظروف حالت دون جعله في الصدارة. فلماذا إذن يصبح رأيه هو الفيصل الذي لا رأي بعده؟ ولماذا إذا أجمعت الأمة أو اتفق جمهور المهتدين على رأي كان له أن يخالفهم ويمضي أمره، وتلزم الأمة أو الجماعة به؟ إن هذا يؤدي في النهاية إلى ما ذكرنا من الفساد والفرقة والخلاف..." إلى أن يقول: "لا يمنع أن يكون أحد المهتدين أحياناً معه الحق دون جمهورهم ولكن هذا شذوذ وندرة. فلا شك أن عامة المسائل التي اتفق عليها جمهور الصحابة مثلاً كان الحق معهم دون من شذ منهم، ولا يمنع أن يكون الحق مع القليل أحياناً ولكنه كما قلنا شذوذ عن القاعدة. والشاذ كما يقال لا حكم له. ومعلوم أن الصحابة قد أخذوا بجمع القرآن بقول الكثرة والتواتر، وتركوا نقل الواحد والإثنين وهو منهم عمل برأي الأغلبية. والخلاصة أن المصلحة الشرعية بكل أبعادها تقتضي اليوم أن يكون القرار النهائي لإجماع الأمة، ثم جمهورها ولا يجوز بتاتاً ـ قطعاً لدابر الفتنة ـ أن يكون القرار النهائي للفرد مهما كان هذا الفرد علماً وورعاً ومعرفة بالواقع؛ لأنه لا يوجد المعصوم، وبالتالي فالاجتهاد الجماعي دائماً أقوى من الاجتهاد الفردي، ونسبة الحق مع الجماعة أكبر منه مع الواحد".

 

كيف شاور النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه

إن النبي صلى الله عليه وسلم قد شاور في بعض الأحيان عموم الحاضرين، كما كان عليه الحال في غزوة بدر، فقد قال أشيروا علي أيها الناس، وشاورهم يوم أحد في الخروج لقريش أو التحصن في المدينة، ووقف خطيباً على المنبر وشاورهم في حديث الإفك. وهذا ما يسمى بالاستفتاء العام.

وكذلك شاور النبي صلى الله عليه وسلم بعض الناس دون بعض، فقد كان أبو بكر وعمر أكثر أهل مشورته، وشاور السعدين دون سواهما في الصلح مع غطفان يوم الخندق، وشاور بعض أصحابه في فتح مكة وكان منهم حاطب بن أبي بلتعة الذي أرسل بذلك يحذر قريشاً. وفي حادثة الإفك شاور علياً وأسامة ولم يشاور أبي بكر وعمر.

وشاور أبو بكر وعمر زيد بن ثابت في جمع المصحف.وكان عمر بن الخطاب يشاور أشياخ بدر فيما يقع من الحوادث، وجعل الأمر شورى في المبشرين بالجنة لاختيار خليفة للمسلمين من بعده.

وأما عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه، فيقول ابن كثير (البداية والنهاية 7 / 146): "ثم نهض عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه يستشير الناس فيهما ـ أي عثمان وعلي ـ ويجمع رأي المسلمين برأي رؤوس الناس وأقيادهم، جميعاً وأشتاتاً مثنى وفرادى ومجتمعين، سراً وجهراً، حتى خلص إلى النساء المخدرات في حجابهن، وحتى سأل الولدان في المكاتب، وحتى سأل من يرد من الركبان والأعراب إلى المدينة، في مدة ثلاثة أيام بلياليها فلم يجد اثنين يختلفان في تقدم عثمان بن عفان".

وشاور النبي صلى الله عليه وسلم أم سلمة في الحديبية وشاور عمر ابنته حفصة وشاور الناس عائشة. وبهذا نرى أن النبي صلى الله عليه وسلم شاور العامة والخاصة ذكراناً وإناثاً، وكذا فعل خلفاؤه رضي الله عنهم.

 

أهل الشورى

تفتح الديمقراطية باب الترشح لمجلس الشورى لعموم الناس ـ ببلوغ سن معينة، وعدم الوقوع سابقاً بجريمة مخلة بالشرف مع الاختلاف طبعاً بتعريف الجريمة والشرف ـ وكذلك تسمح لعموم المواطنين المشاركة في اختيار وانتخاب هؤلاء الأعضاء، وتعتبر هذا أكبر مزاياها، أي مشاركة عموم الشعب في القرار من خلال المشاركة في انتخاب واختيار أهل مجلس الشورى. فهل هذا هو الحال في نظام الشورى الإسلامي؟

حضّنا الله تعالى على الشورى، وشاور النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه وكذا فعل خلفاؤه الراشدون من بعده، ولكن لم يكن هناك أسلوب واحد أو معين للشورى ـ كما مر معنا قبل قليل ـ مما يدل على أن أسلوب الشورى أمر اجتهادي يطوره المسلمون بحسب احتياجاتهم، ومن هذا القبيل ما فعله الصحابة من تمصير الأمصار وانشاء الدواوين وغيرها.

ولنحصل على نظام شوري فعال، لا بد من مأسسة نظام الشورى ووضع نظام محدد له يبين صلاحياته ومن يحق له دخول هذا المجلس، وكيف يكون هذا الدخول؟ ولا يكون الأمر متروكاً للإمام فيدعو المجلس متى شاء ويعطله متى شاء.

وقد راج في تراث المسلمين وكتب السياسة الشرعية مصطلح أهل الحل والعقد للدلالة على أهل الشورى، وهو لا شك مصطلح حادث، ولكنه أخذ بالاستقراء من فعل النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين. ولم أجد فيما استقرأت من كتب أهل العلم تعريفاً جامعاً لأهل الحل والعقد، بل كانت في معظمها تعاريف تمثيلية تبين بعض من يحق له أن يكون من أهلها، دون قصد للحصر والتقييد، مما يدل على أن المسألة اجتهادية وتابعة للنظر.

فقد قال الإمام  الجويني (الغياثي: 82): "إنّ عقد الإمامة هو اختيار أهل الحلّ والعقد... وهم الأفاضل المستقلّون الذين حنّكتهم التجارب وهذّبتهم المذاهب وعرفوا الصفات المرعيّة فيمن يناط به أمر الرعيّة"، وقد ذكرالنووي(منهاج الطالبين: 1/ 426):"أنّهم العلماء والرؤساء ووجوه النّاس الذين يتيسّر اجتماعهم". وقال الهيتمي (تحفة المحتاج 7/ 261): "أهل الشوكة الذين هم أهل الحل والعقد". وقال في حاشية الدسوقي (4/ 298): "أهل الحل والعقد هم من اجتمع فيهم ثلاثة أمور: العلم بشروط الإمام، والعدالة، والرأي".

وقال البهوتي (كشاف القناع 6/ 159): "بيعة أهل الحل والعقد من العلماء ووجوه الناس، الذين بصفة الشهود، من العدالة وغيرها، ولا نظر لمن عدا هؤلاء، لأنهم كالهوام".

ومما سبق نجد أن من واجبات أهل الحل والعقد اختيار الإمام وعقد البيعة له، وخلعه إن تبين أن مصلحة المسلمين متحققة في ذلك، ومراقبة عمل الحاكم وتقديم النصح له.

 

شروط أهل الشورى

        الإسلام، فلا يمكّن غير المسلمين من دخول مجلس الشورى أو حتى التصويت لاختيار مرشحيه، فمن كان منهم محارباً أو صاحب عهد لمدة فمن الواضح عدم دخوله في هذا الأمر.

        ويبقى أهل الذمة ممن رضي بالبقاء تحت حكم المسلمين، وهؤلاء وإن كان المسلمون قد تركوهم وما يعتقدون لقوله تعالى: (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ) [البقرة : 256]، ولكن هذا مشروط بدفعهم الجزية مع الصغار، قال تعالى: (قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ)  [التوبة : 29]، فكيف يكون نائباً في برلمان المسلمين وعليه الذلة والصغار. وكيف يكون ناصحاً لدولة المسلمين والتي من أول وأهم واجباتها إقامة الدين، وهو لم يؤمن به.وكيف نأتمنهم وقد بين الله لنا ما تكنه نفوسهم تجاه المسلمين، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (118) هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (119) إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ) [آل عمران: 118 - 120]. وقد أخبرنا التاريخ القديم والحديث أنهم لم يخلصوا للمسلمين يوماً وكانوا دوماً مع أعدائهم.

        أن يكون رجلاً، فلقد استشار النبي صلى الله عليه وسلم نساءه، واستشار عمر ابنته حفصة، واستشار الصحابة والتابعين أمهات المؤمنين ولكن من وراء حجاب.وبالتالي لا يجوز لأحد الاستدلال بهذه الأدلة على دخول النساء لمجلس الشورى كأعضاء، فالأدلة لا تسعفه لذلك.فما جاءت به الأدلة إما استشارة المحارم أو الاستشارة من وراء حجاب، وأين هذا من مجلس الشورى والجلوس فيه لساعات والمناقشة ورفع الأصوات والاختلاف ثم ما يصاحب ذلك من ضرورة السفر والالتقاء بالناس والاستماع لشكواهم. ولا شك أن لنائب مجلس الشورى نوع من الولاية والسلطة على غيره من الموظفين ليحصل على ما يشاء من المعلومات، فكيف تكون المرأة نائبة وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة) رواه البخاري (4 / 1610). وهذا وإن كان للحديث سبب ورود، ولكن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. نعم يجوز الأخذ برأيها في الاختيار، كما فعل عبد الرحمن بن عوف حين استشار الناس في الخليفة بعد عمر، وبالتالي فيجوز لها التصويت في اختيار المرشحين إذا ضمن عدم الفتنة والاختلاط كما تفعله بعض الدول من جعل مراكز خاصة لتصويت النساء.

        وهنالك شروط أخرى بدهية مثل الحرية والعلم الشرعي (وليس بالضرورة الاجتهاد) وسلامة الرأي والخبرة والقوة والبلوغ.

وعلى هذا فيكون في مجلس الشورى علماء الشريعة والأطباء والمهندسون والقضاة والعسكر والمزارعون وغيرهم ممن تمتع بشروط أهل الشورى، وليضم المجلس أهل الخبرات المختلفة ليقولوا برأيهم بعلم في المسائل التي تطرح، وكل هذا بضابط موافقة شرع الله وعدم مخالفته، والضمانة بوجود أهل العلم من حملة الشريعة مع غيرهم من أصحاب الاختصاص.

 

كيف يتم اختيار أهل الشورى؟

لقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يشاور أبا بكر وعمر أكثر من غيرهما، وشاور السعدين يوم الخندق، وشاور علياً وأسامة يوم الإفك.وكان عمر يشاور أشياخ بدر، وجعل الأمر شورى في الستة الذين توفي النبي صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راض.

وبهذا نرى أن النبي صلى الله عليه وسلم اختار أهل مشورته للصفات التي يتمتعون بها أو للحاجة لاختصاصهم في المسألة المعينة.فهل يترك اليوم للإمام اختيار أهل مشورته؟

لقد كان النبي صلى الله عليه وسلم وخلفاؤه الراشدون فوق مستوى الشبهات، فيختارون من ينصحهم، وليس من يداهنهم، وقد أثر عن أبي بكر رضي الله عنه أنه قال يوم بويع بالخلافة: إن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني. وأثر عن عمر بن الخطاب أنه قال: الحمد لله الذي جعل في رعيتي من يقومني بحد سيفه.

فهل الحكام اليوم بهذه النزاهة؟ وإن كانوا اليوم كذلك، فهل يؤمن عليهم غداً ألا تفسدهم السلطة ويطيب لهم الاستبداد. لقد كان يضرب بعبد الملك بن مروان المثل في العبادة والاستقامة، فلما استخلف تغير حاله وكان من شأنه ما كان.

والذي أراه أن ينتخب مجلس الشورى انتخاباً. وقد ورد أصل الانتخاب في سنة النبي صلى الله عليه وسلم،  ففي (البداية والنهاية 3 / 161): "قال كعب بن مالك ـ وذلك بعد بيعة العقبة الثانية ـ وقد قال رسول الله صلى الله عليه و سلم أخرجوا إلي منكم اثني عشر نقيباً يكونون على قومهم بما فيهم فأخرجوا منهم اثني عشر نقيباً تسعة من الخزرج وثلاثة من الأوس". وهكذا فإن أصل اختيار الممثلين عن بقية الناس ثابت بالشرع.

والذي أراه أن يتم الاهتمام بالنقابات المهنية ويوضع لها شروط محددة للانتماء والعضوية، ويجعل نقابات لجميع المهن المهمة: من علماء الشريعة والمعلمين والأطباء والمهندسين والعسكريين وغيرهم، ثم تقوم هذه النقابات منفردة بانتخاب أعضاء يمثلونها في مجلس الشورى ممن تميّز وخبر هذه المهنة، وهذا يضمن أن يضم المجلس أكبر تنوع في الاختصاصات مما يسهل عملية الشورى ويزيد من فاعليتها. ولتدفع المسألة النازلة لأهل الاختصاص ليروا فيها رأياً مع انضباط الجميع بقول علماء الشريعة بما لا يخالف شرع الله.وبهذا تكون مهمة أعضاء النقابات اختيار الأعضاء الذين يمثلونهم في مجلس الشورى. ويكون هذا المجلس في حال انعقاد دائم، وليس تبع لهوى الحاكم إن شاء دعاه، وإن شاء أجازه ثم يستبد برأيه في غيابهم. وتكون قراراتهم ملزمة للحاكم بعد استفراغ المجلس للوسع في البحث في المسألة ودفعها لأهل الاختصاص للنظر فيها ثم عرضها على علماء الشرع ليعلم عدم مخالفتها لدين الله.

 

بين الشورى والديمقراطية

        تقوم الدولة الإسلامية على مبدأ سيادة الشريعة، وذلك تبعاً لقول الله تعالى: (إنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) [يوسف: 40]، بينما تقوم الديمقراطية على مبدأ سيادة الشعب سواء وافقت  الشريعة أم خالفتها.

        تقوم الدولة الإسلامية على أساس العمل للآخرة مع عدم نسيان الدنيا، قال تعالى: (وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ) [القصص: 77]، في حين تقوم الديمقراطية على عمارة الدنيا وترك الدين لكل امرء على حدة.

        الحرية في الدولة المسلمة مقيدة بضوابط الشرع، قال تعالى: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا)  [الأحزاب: 36]، في حين أن الحرية في الديمقراطية مطلقة إلا إذا عارضت حرية الآخرين.

        أساس المواطنة في الدولة المسلمة هو الإسلام، قال تعالى: (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ) [آل عمران: 19]، وقال تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) [الحجرات: 10]، في حين تقوم المواطنة في الديمقراطية على أساس جغرافي أو عرقي.

        في الدولة الإسلامية يكون أهل الشورى من المسلمين الملتزمين أصحاب الخبرات المتنوعة، في حين يحق لأي أحد لم يرتكب جريمة الدخول في المجالس الديمقراطية، هذا من الناحية النظرية، بينما لا يدخلها حقيقة إلا أصحاب رؤوس الأموال أو المنتمين لأحزاب. مما يجعل المجلس الديمقراطي غير ممثل للنخب حقيقة وأصحاب الاختصاص.

        في الدولة الإسلامية يحق للرجال من المسلمين فقط دخول مجلس الشورى، في حين يحق في الديمقراطية دخول الأقليات وغير المسلمين المجلس وتوضع القوانين لتسلط هؤلاء على الأغلبية المسلمة، كما في لبنان ومصر والبوسنة وسوريا.

        يشارك في اختيار مجلس الشورى الصالحين من المسلمين رجالاً ونساء، وكل بحسب تخصصه، في حين يفتح باب الترشيح لعموم الناس في الديمقراطية، مما يدخل العوام والجهلة ومن يباع ويشترى بالمال السياسي، وهم للأسف الشديد الغالب على شعوبنا الآن، مما يفتح المجال واسعاً أمام الرأسمالية لتضلل الرأي الانتخابي من خلال وسائل الإعلام والمال السياسي، مما يخرج مجلساً مسخاً لا يمثل حقيقة رأي الناس من جهة، ويخرج كذلك مجلساً متحيزاً لفئة أصحاب المال ومصالحهم، فضلاً عن خلوه من الكفاءات المختلفة.

 

خاتمة

        وجوب الاهتمام بالنقابات المهنية وتميز الشباب المسلم كل في تخصصه.

        التأكيد على مسألة الحاكمية للشرع في كل مناسبة ومكان وأنها من محكمات الدين، وعدم التركيز فقط على مسألة الحاكم الذي ترك الحكم بما أنزل الله.

        عدم الانجرار وراء فتنة الغرب في الديمقراطية، فتطوع النصوص الشرعية لموافقة ما عليه الغرب من ادخال النساء في مجالس الشورى، وكذلك غير المسلمين بحجة المواطنة، وجعل السيادة للشعب ولصندوق الاقتراع بحجة أن الشعب سيختار الإسلاميين، وكثرة الحديث عن الرأي والرأي الآخر واحترام معتقدات الآخرين وآرائهم مهما كانت ساقطة ومخالفة للشرع.

 

 
 
   Bookmark and Share      
  
  الشورى

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7