الأربعاء 17 يوليو 2013

حدثني صديقي المصري كثيرًا عن الديمقراطية، لكنه لم يخبرني أن لها هذا الثمن الباهظ؛ فقد وصف لي جمالها، ولم ينبهني إلى ما يتحمله طالبوها من مشاق وأذى؛ فحسبت أن الأمر هين، يكفي فيه أن أحمل قلمي وأصطحب أهلي وأقف في سبعة طوابير متعاقبة، يتراص فيها البشر كأنهم حبات عِقد ياقوت وزمرد، سعيدًا بحر الشمس أو برد غيوم السماء، يحدوني الأمل أن تنبت شجرة الحرية بماء ورد الديمقراطية، وأن تزهر الحقوق والحريات في فناء حديقتنا المصرية، نبنيها بتؤدة، ونسقيها بحرص، ونشذب ما شذ من أغصان أشجارها، ونُقوِّم ما اعوَجَّ من سيقانها، ونحسِّن ما لم يكتمل بناؤه. لكن فجأة تغيَّر المشهد، فغامت السماء بسحب مظلمة، وهطلت سيول لا تسقي زروعًا بل تقتلعها، وامتدت أيادٍ لا تُقوِّم الأغصان بل تكسرها، فأضحت حديقتنا -فجأة- وكأنها ساحة احتراب؛ تضيق فيها الأنفاس، وتتهاوى على أطلالها آمال كانت معقودة، وأحلام كانت وردية.

لم يخبرني صديقي بأن كل الطوابير التي وقفتُ فيها لأضع صوتي في صندوق ملون بألوان الطيف البهي؛ يمكن أن تتحول إلى جنائز أصوات تحملها إلى فناء العدم، أو تذروها رياح عتية وتطويها سيول غاشمة. لكن ذلك حدث، وتركني صديقي ليقف على قارعة الطريق، ويلقي خطبة عجيبة على السائرين بغير هدى، لم يكرر فيها ما قاله لي سابقًا، لم يتحدث فيها عن حقوق وحريات، لم يغنِّ فيها لحرية الرأي والإعلام، لم ينادِ فيها بالفصل بين السلطات، لم يطالب فيها بقصاص لشهداء. نسيت أكثر ما قاله جرَّاء الفوضى التي عمَّت، لكن كلمات مما قاله علقت بذهني لا يمكنني أن أتخلص منها؛ قال: إن قطع الأشجار هو لرعايتها، وإن تكميم الأفواه هو للحفاظ على حريتها، وإن الذين ماتوا تلقَّوا جزاءً وفاقًا لتحدِّيهم الديمقراطية! آهٍ واللهِ قال ذلك، ولا أدري لِمَ لم ينبهني: أن الديمقراطية لها أنياب تقتل، وأن التعبير عن الرأي يمكن أن يكون جريرة، وأن الاحتجاج يُحتمل أن يكون حرامًا، وأن الموت يمكن أن يكون جزاءً مقبولاً؟! لم يقل لي ذلك ولم ينبهني. ولو فعل؛ لَمَا وقفت السبعة طوابير، ولَمَا قبلت الحر والبرد الزمهرير، ولَمَا صدقت أي كلام عن التنوع وحرية الرأي وحرية الإعلام أو أي حرية أخرى حدثني عنها صديقي خلال عامين مضيَا.

لقد حدثني صديقي أن الدستور الذي أقره الشعب لم يكن كافيًا لحماية الحقوق والحريات؛ واليوم صديقي يقبل إعلانًا دستوريًّا لا يحمي حقوقًا ولا يحيط بمعني الحريات!

وحدثني صديقي أن الرئيس المنتخب تجرَّأَ وحاز السلطة التشريعية وسلطة إصدار إعلانات دستورية، حتى أقر الشعب الدستور فألغى الحق في إصدار إعلانات دستورية وجعل التشريع -مؤقتًا- لمجلس الشورى المنتخَب، وقلَّص سلطات الرئيس المنتخَب؛ لكن صديقي اليوم قبل برئيس مؤقت له حق إصدار إعلانات دستورية وحق التشريع والتنفيذ وكل حق آخر يتصل بالحكم!

وحكى لي صديقي كثيرًا عن استقلال القضاء، وأن النائب العام يجب أن يكون مستقلاً عن رئيس الدولة، ولعن الرئيس المنتخب لأنه عيَّن نائبًا عامًّا بقرار منه، وصدقتُ صديقي فوضعنا مادة بالدستور تجعل المجلس الأعلى للقضاء هو مَن يختار النائب العام؛ لكن اليوم صديقي يقبل أن يعين الرئيس المؤقت النائب العام!

كثيرة هي الأشياء التي انتقدها صديقي على رئيس منتخَب وقبلها من رئيس معيَّن! لا أدري! فحدثتْني نفسي أن صديقي أدري بالديمقراطية، وأن فهمها الصحيح هو أن نمنح الرئيس المعين المؤقت سلطات أكبر من المنتخب! مازلت أحاول فهم صديقي.

وحدثني صديقي عن كل أصدقائه؛ أن من حق الجميع أن يتظاهر ويعتصم أمام أي مكان، بما في ذلك مقر الرئاسة، وهي مقر القائد الأعلى للقوات المسلحة، بل ولهم أن يسبوا ويقذفوا "المولوتوف" على القصر ومن يقيم بالقصر، ولا يجوز لحراسه سوى أن يردوا بالماء أو أن يبتلعوا شتيمتهم ويكظموا غيظهم، وأن أي ضحية سيتحملها ساكن القصر؛ واليوم صديقي يقول لي: إن مَن مات أمام الحرس الجمهوري قتل نفسه، وأنه لم يكن له أن يتظاهر في هذا المكان، وأن المسئولية على مَن أرسلهم! ربما! فصديقي يعلم أكثر مني!

وحدثني صديقي عن أصدقائه؛ أن الديمقراطية تعني الإقرار بالتنوع وقبول الآخر؛ فسألته اليوم عما يجري للتيار الذي يختلف معه من توقيف ومنع قنوات وملاحقات، فقال لي: إن الأمر مختلف، فهؤلاء يرتكبون جرائم التحريض في تلفزيوناتهم وفي خطبهم وفي حركاتهم وسكناتهم! وأنا لا يسعني أن أُكذِّب صديقي، خصوصًا أنه أكثر علمًا وثقافة، كما أنه تعلَّم على يد أهل الديمقراطية، ولابد أنه رأى أن هؤلاء محرِّضون، بينما غيرهم موضوعيون!

وفي الليل، أخذت أقلب صفحات الكمبيوتر، وأستعيد ما قاله الناطقون الرسميون، وما قاله صديقي، وما حملته أفلام الفيديو عن أحداث الحرس الجمهوري؛ فلم أستطع أن أستمر في تصديق صديقي، وشعرت أنه خدعني من اليوم الأول حتى اليوم الأخير؛ يوم أن سالت دماء كثيرة فقال لي: إنها لا تستحق أن نتوقف عندها لأنها دماء مَن يختلف معهم. ألغيت تليفون صديقي، ومحوت كل كلامه القديم والجديد، وأخذت أتأمل المشهد، وأبحث عن نفسي فيه؛ هل حقًّا أريد ديمقراطية وأستطيع تحمل تكاليفها؟ أم أن الأولى أن أساير صديقي الذي يطلق على كل شيء ديمقراطية، ويبرر كل فعل بالديمقراطية؟!
 

 
 
   Bookmark and Share      
  
 صديقي الديمقراطي خدعني

dyn-web.com

أفضل مشاهدة بدقة 768 *1024 أو أعلى باستخدام فاير فوكس أو انترنت اكسبلورر 7